فهرس الكتاب

الصفحة 1107 من 3028

من الأمور التي أراد الغرب أن يوقروها في نفوسنا هو أن العثمانيين كانوا مستعمرين، وفي كل بلد حلها الغربيون المستعمرون أعلنوا أهلها أنهم إنما أتوا إليهم لإنقاذهم من المستعمر العثماني. فحينما دخل الافرنسيون الجزائر أعلن قائد الحملة أنه جاء لانقاذ الجزائر من الاستعمار وكانت النتيجة أنهم قضوا على استقلال الجزائر واستعمروها 130 سنة أسوأ استعمار، ولما دخل نابليون مصر أعلن أنه جاء لإنقاذ المصريين من استعمار المماليك، ولما استولى المستعمرون على بلاد الدولة العثمانية أخذوا يوقرون في نفوس أهل البلاد أن الدولة العثمانية كانت في بلاد العرب مستعمرة وسار الأطفال الذين تلقوا هذه الدروس عن المستعمرين والمغرضين والحاقدين على النهج وصدقوا هذا القول ولا يزال إلى يومنا هذا يوجد أناس يسمون الحكم العثماني في بلاد العرب استعمارًا.

وإذا كان العهد العثماني قد مضى وانقضى فإن واجب الإنصاف يقتضينا أن نزيل من الأذهان هذه التهمة المغرضة التي أراد أعداء الإسلام تثبيتها في نفوس الناشئة لكي يباعدوا بنيهم وبين الأمة التركية المسلمة.

فالعثمانيون لم يكونوا إخوانًا للعرب ومساوين لهم في الحقوق والواجبات بل العالم كله يعرف أن تسامح الدولة العثمانية مع العناصر الغربية، عنصرًا وقومية ودينًا، قد بلغ حدًا لم يبلغه أي قوم في العالم. فالعثمانيون مسلمون والمسلمون لا يفرقون بين أبيض وأسود ولا بين عربي وتركي ولا بين مسلم وغير مسلم في المعاملة.

فإذا صح أن نقول بأن العثمانيين كانوا مستعمرين في بلاد العرب يصح أن نقول الأمويين مستعمرين في سوريا والعباسيين مستعمرين في العراق والفاطميين مستعمرين في الشمال الإفريقي والأيوبيين مستعمرين في مصر وسوريا وهلم جرا. وإذا كان هذا باطلًا بالبديهة كان القول بالاستعمار التركي باطلًا أيضًا. فالأتراك كانوا مسلمين والمسلم أخو المسلم أينما كان هذا بالاضافة إلى أن العرب كانوا شركاء الأتراك في الحكم فكان منا الوزراء ومنا الولاة ومنا القادة ولم يكن ما يفرق بيننا وبين التركي، لا بل كانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية المستعملة في البلاد العربية في القضاء والادارة إلا ما كان منها ذا علاقة ببلاد الأتراك. وإذا كان الأتراك لم يفرقوا بين تركي وبين العربي والبلغاري والروماني واليوناني وغيرهم وكانوا يولونهم الوزارات والإمارات وهم على دينهم أحيانًا أو بعد إسلامهم في بعض الأحيان فكيف يصح أن نقول بأن العثمانيين كانوا مستعمرين؟‍‍.

ثم دعنا نعرف القليل عن السلطان المسلم عبدالحميد , هل كان حقا مستبد ظالم قاس القلب كام يزعم البعض ام هي أكاذيب اختلقها من اختلقها وحاك خيوطها في ليلة ليلاء من حاك:

هل كان عبد الحميد مستبدًا ؟

إنه كان ملكًا مثل غيره من الملوك في زمانه، ولكنه يمتاز على غيره بالدهاء وبعد النظر والصلاح. فعبد الحميد لم يكن ملكًا ديمقراطيًا مثل ملك انكلترا أو السويد مثلًا بل كان ملكًا أوتوقراطيًا يملك ويحكم وإذا كان قد ظهر منه شيء من الاستبداد فتلك كانت شيمة الملوك في ذاك الزمان، وتلك كانت مقتضيات الحكم في دولة تنهشها الذئاب من كل جانب، بيد أننا لو قسنا استبداد عبد الحميد باستبداد بعض حكام اليوم الذين لا يزيدون عن شيوخ قرى بالنسبة إليه نجد استبداده رحمة وحنانًا بالنسبة إلى مظالمهم.

ولكي نأخذ فكرة سليمة عن السلطان عبد الحميد ننقل فيما يلي ما قاله زعيم الإسلام المغفور له جمال الدين الأفغاني مما ذكره المخزومي في كتاب: خاطرات جمال الدين الأفغاني، فهي فصل الخطاب قال:

"ان السلطان عبد الحميد لو وزن أربعة من نوابغ هذا العصر لرجحهم ذكاءً ودهاءً وسياسة. فلا عجب إذا رأيناه يذلل ما يقام لملكه من الصعاب من دول الغرب. إنه يعلم دقائق الأمور السياسية ومرامي الدول الغربية. وهي معد لكل هوة تطرأ على الملك مخرجًا وسلمًا. وأعظم ما أدهشني ما أعده من خفيّ المسائل وأمضى العوامل كي لا تتفق أوروبا على أمر خطير في الممالك العثمانية. كان يريها عيانًا محسوسًا أن تجزئة السلطنة العثمانية لا يمكن أن تتم إلا بخراب الممالك الأوروبية بأسرها، وكلما حاولت دول البلقان الخروج على الدولة بحرب كان السلطان يسارع بدهائه العجيب لحل عقد ما ربطوه وتفريق ما جمعوه".

وإذا كنا لا نستطيع أن ندعي أن عهد عبد الحميد كان ديمقراطيًا، فإننا لا نستطيع أن نتهمه بأنه كان استبداديًا صرفًا بل كان عهدًا يساير زمانه ولم يكن أحد يشعر بالحرج في عهد عبد الحميد أو يشتكي الظلم والاستبداد إلا الذين يشتغلون بالسياسة ويتآمرون على الدولة بحسن نية أو سوء نية.

ثم هل كان عبد الحميد يحكم بالإسلام , ام كان مثل كثيرين من حكامنا اليوم , ناسين أو متناسين الحكم الإسلامي:

سياسة عبد الحميد الإسلامية

تبوأ عبد الحميد عرش السلطنة والبلاد، كما ذكرنا، في أسوأ حال، فالدول الغربية أصبحت منذ مؤتمر باريس المنعقد في 1856 تتدخل في أمور الدولة بكل حرية. وتنظر هذه الدول إلى الدولة العثمانية نظرتها إلى مريض على فراش الموت يجب البحث في تقسيم تركته، والخزينة في حالة إفلاس وقد بلغت ديونها حتى عام 1875 ثلاث مليارات وثلاثة عشر مليون فرنك ذهبي، وهو مبلغ كبير جدًا بالنسبة لذلك الزمن، حتى أن الدول قد أحجمت عن عقد قرض مع السلطنة على الرغم من الفائدة الباهظة التي كانت تتقاضاها إذ كانت تبلغ 25 %، والقوميات ترفع رأسها، والحروب تشب على الدولة وتزيد نفقاتها على عجزها وإفلاسها، ودول الغرب المسيحية تصر على السلطنة لتحقيق الاصلاحات في البلاد ومعنى الاصلاحات ترك الحبل على الغارب للأقوام المسيحية الموجودة في الدولة.

حاول السلطان عبد الحميد حينما تبوأ العرش أن يعمل على إرضاء الغرب فأعلن الدستور الذي يساوي فيه بين العناصر والأقوام وكان شعاره (حرية، أخوة، عدالة، مساواة) أي أنه زاد على الشعار الافرنسي كلمة العدالة التي هي أساس كل شيء ولكنه رأى أن غاية الغرب ليست إعلان المساواة بل غايته القضاء على السلطنة، وما مطالبتها بالمساواة وغيرها إلا حيل لإنهاكها وتفريق شملها. فلما رأى عبد الحميد هذا أدرك أن لا شيء ينقذ السلطنة إلا القوة ولكن من أين له القوة، والقوة تحتاج إلى المال والخزينة مفلسة ؟‍.

إذن لا بد من الاتكال على قوة معنوية هي قوة الإسلام فاهتم بالدعوة إلى الجامعة الإسلامية وقد نجحت سياسته واستطاع أن يحكم البلاد ثلاثًا وثلاثين سنة كانت السلطنة على ضعفها ووهنها والمؤامرات التي تحاك لها في الداخل والخارج محترمة المكانة مرهوبة الجانب. وفي نطاق هذه السياسة قرب إليه كثيرًا من رجالات الإسلام مثل جمال الدين الأفغاني والشيخ أبو الهدى الرفاعي من حماة وأحمد عزة العابد من دمشق والشيخ محمد ظافر من الجزائر والشيخ سعيد من حمص والشيخ أحمد أسعد القيصرلي من المدينة المنورة والسيد فضل الله من مليبار بالإضافة إلى فريق من أشراف مكة المكرمة وعلى رأسهم الحسين بن علي وعلي حيدر وعبد الاله باشا وصادق باشا وغيرهم، وأجرى على الجميع مرتبات كما أجرى مرتبات على غيرهم ممن تخلف في بلده وكان له نفوذ إسلامي. لقد فعل ما فعل من قبيل تأليف القلوب ولكنه لم يكن مخدوعًا بأحد بل ينزل كل واحد على قدره، وكان لا يأمن للشريف حسين وحينما أصر الاتحاديون عليه لتعيينه شريفًا على مكة بدل الشريف علي قال لهم: إني أبرأ من تبعة كل ما سيعمله هذا الرجل لأني أعرف حقيقته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت