و لعلنا الآن نستطيع أن نجمع بين المفهومين: اللغوي و الإصطلاحي فنقول: إن التحصين مصدر حصّن يقول أهل اللغة: فعّل مصدرها القياسي: تفعيل ، نحو: كسّر تكسيرًا ، و حسّن تحسينًا ، و المادة اللغوية تفيد المنع و اتخذا الحيطة للوقاية و هذا هو منطق المفهوم المعنوي الواسع: إن نتخذ ما يمنع ضعف الأمة و أن نحتاط لنسعى في وقايتها من عوامل الضعف و التأخر في مواجهة التيارات المختلفة .
و هذه الإجراءات و الترتيبات تقوم على عنصرين:
1 ـ عنصر يتوجّه الفرد .
2 ـ عنصر يتوجه إلى الأمة .
بعد الانتهاء من سلسلة الغزو الفكرى كان لابد من وقفة امام كل هذا الغزو القادم علينا .
و عندما عرض اخى ابو خيثمة على الامر بالمشاركة وافقت بدون نقاش وانا اتشرف بالمشاركة مع الاخ ابو خيثمة فبارك الله فية وفى اهل هذا المنتدى الكريم .
اما بعد فهذه المقدمة من صاحب الكتاب الاستاذ الدكتور احمد محمد الخراط بارك الله فية هى مقدمة هامة جدا فهو يتكلم عن معنى التحصين واهدافة اى ان لماذا التحصين ؟
وكان السبب الاول وهو الثبات امام التيارات الوافدة: وهى تيارات كثيرة جدا غربية او شرقية اوربية او امريكية تؤثر تأثير سلبى على امة الاسلام و تلغى ثوابتها مستغلة الانهزامية التى تعانيها الامة الاسلامية هذه الايام بسبب ضعفنا العسكرى والاقتصادى والعلمى حيث ان حياتنا العامة معظم الاختراعات كانت للحضارة الغربية يد فيها فينشأ الطفل منذ صغرة على هذه الثوابت الانهزامية الا من رحم ربك كما ان المناهج التعليمية زادت من هذه الانهزامية للاسف الشديد واصبح المسلم يعيش بدون مناعة مما يجعلة اكثر عرضة للغزو الفكرى .
اما السبب الثانى: فهو استمرار عطاء الامة وحثها على الصحوة واليقظة: فهو امر في غاية الاهمية حيث انة لابد بين الحين والاخر التذكير بالثوابت حتى لا تنحرف الامة فهب انة اسلمت قرية ما وتركت لهذا الغزو فانها بدون ادنى شك ستنحرف عن العقيد السليمة و قد تتبع ثقافات غربية منحلة دون ان تدرى بذلك فقد يتأثر الملتزمون انفسهم بهذا الغزو وتضعف هذه الصحوة بسبب تخلى ابناءها عن بعض الثوابت .
لذا وجب التحصين فلابد للفرد ان يعرف ماذا يجب علية ان يفعل لكى يتحصن ولابد للمجتمع الاسلامى ان يحارب اى عادات خاطئة قادمة اليه حتى لا تنتشر بة ويصعب علاجها فيما بعد ومن هنا لابد من الايجابية في مواجهة الباطل والايجابية تتمثل في الامر بالمعروف والنهى عن المنكر .
هذا وبالله التوفيق
وجزاكم الله خيرا
تحصين الفرد:
أما العنصر الذي يتوجه إلى الذات فنعني به تربية الفرد تربية تعتمد على الكيف و على تمثّل المادة التربوية في جميع مراحل العمر و الدراسة و التكوين و ذلك لأن تربية الفرد التي تعتمد على الكم ـ بأن تُعرض أمامه مثلًا مواد دراسية عريضة دون أن يلاحظ المربي مدى تمثّل الفرد و إفادته ـ لن تحقق غاية سوى حشو الذهن بمعلومات حفظية تُعطى للفرد على طريقة التلقين المباشر و يقوم بها مربّ غير مناسب .
و يزداد الأمر سوءًا عندما تكون العملية التربوية صورية: بأن يدرس المنتسب إلى المؤسسة ـ أيا كانت ـ مادة هزيلة على شكل ملخصات مثلًا يباشر قراءتها قبيل الامتحان حتى إذا جاء الامتحان فرّغ ما حفظه على ورقة الإجابة لينتقل بعدها إلى المرحلة التالية فلا عجب بعد هذا أن يحس المربون في العالم الإسلامي بأن ثمة ضعفًا هائلًا في المستويات التعليمية المختلفة .
و قد يسعى الوالد في البيت لتربية ولده: بأن يفرض عليه مجموعة من نوافل العبادات مثلًا دون أن يهتم بطريقة التعليم و مدى استيعابها و قد يكون الشيخ في مسجده داعيًا إلى الفضائل غير أن سيرته الذاتية تناقض هذا فيرى جلساؤه القريبون منه تصرفات بعيدة عن كلامه و هو على منبره و قد لا يكون لدى وسائل الإعلام منهج جادٌ في عملية التربية و الإصلاح و التحصين فتعرض برامج يختلط فيها الصالح بالطالح .
إن التربية التي نعنيها في هذا الشأن هي التي تعتمد على ملاحظة طريقة عرض المادة و مدى استيعابها و مناسبتها للمرحلة و ما الأوليات التي ينبغي للمرء أن يقدمها و مدى التخطيط في العملية التربوية و التوجيهية و ما مدى التزام القائمين بها و ما المنهج الذي يسير عليه العضو و الجماعة و ما طبيعة العلاقة بين المربي و الفرد و العلاقة بين الأفراد بعضهم ببعض و ما حجم آمال هذه الجماعة و آفاقها و اهتماماتها ....؟ و ذلك كله في مقابل أن يكون في المؤسسة التربوية ـ كالبيت و المدرسة ـ إهمال أو سير على وحي عرف خاطئ ، أو كثرة كاثرة من مواد التعليم التي تعتمد على الكم من غير تمثّل و تطبيق هادف متدرّج .
و قبل أن أعرض عوامل تحصن الفرد في نظري يحسن بي أن أشير إشارة سريعة لبعض مؤسسات التربية و التوجيه و هي:
1 ـ البيت:
أشار الرسول صلى الله عليه و سلم في بعض أحاديثه إلى أنّ الفرد إنما يولد على الفطرة و تحدّث عن دور أبويه حيث أنهما المسؤولان المباشران عن توجيهه ليكون في المستقبل عضوًا منتميًا إلى دين معين:"كل مولودٍ يُولد على الفطرة فأبواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه"ـ أحمد في المسند ـ و لا خلاف بين القائمين على عمليات التربية و التوجيه في أهمية البيت فالبيت الذي يعي تأثيره و يدرك أهمية هذا التأثير يسعى في إرساء معالم الجو الصالح الذي يتنفس فيه الأبناء الهواء النافع و تجري فيه العملية التربوية على هدى و بصيرة من المبدأ و التطبيق و البيت إن أُحسن فيه تربية الأبناء فإن المجتمع الكبير سيستقبل الأعضاء الذين يحسنون توجيه دفة قيادته و بذلك يكون البيت المحضن الأول الذي يرعى الطفل في مراحل تكوينه الأولى .
و ثمة خطا شائع على ألسنة الناس و تصرفاتهم و ذلك في التقليل من أهمية البيت في تكوين الطفل المنهجي و العقدي و هذا نابع من الإلف المستمر و كأن لسان الحال يردد:"مزمار الحيّ لا يطرب"و هذا خطأ بلا شك ، إنّ رب البيت إن توجه إلى وسائل يضيع من خلالها وقته و لم يلتفت إلى توجيه ناشئته يترك هذه ( العجينة ) الخام من الأبناء إلى غيره ليصنع بها ما يشاء .
و قد يتعلل ربُ البيت بضيق الوقت و انشغاله في أمور المعاش و تلك حجة ليس لها وجه فتدبير أمور البناء الفكري لناشئته ليس أقل شأنًا من تدبير أمور الطعام و الشراب .
و ثمة مهمة كبيرة تقع على عاتق البيت و هي توجيه الابن إلى نوع الدراسة أو المهنة التي تناسب قدراته و إمكاناته فهم أعرف الناس بما يناسبه إلى جانب الاستئناس برغبته .
2 ـ المدرسة:
يبدأ الطفل دوامه المنتظم في المدرسة ابتداءً من سن السادسة و يبقى في مراحلها التعليمية المختلفة إلى أن يصبح على رأس عمل معين يفيد منه في معاشه و يفيد مجتمعه بما يعطيه من خبرات مكتسبة و على هذا فإن المدرسة من أخطر المؤسسات التربوية التي يقضي فيها الفرد شطرًا كبيرًا من عمره فمن خلالها يتصل بالآخرين من زملائه و أساتذته و يتعلم منهم و يؤلف عبر هذا كثيرًا من تصوراته و من خلالها يلتقي أشكالًا من القدوة الحسنة و السيئة و من خلالها يمر بالمناهج المرتجلة و المدروسة و يقرأ و يتثقف و يشق طريقه على نحو سليم أو يكون سببًا غير عارف طريقه المناسب له .
و المدرسة ـ إن أُحسن الإفادة منها ـ أداة تحصين و توجيه مهمة و ذلك لما تهيئه طبيعتها عبر برامجها و أنشطتها من بناء في كيان الفرد .