في الصراع السياسي بين تيار المحافظين والتيار الإصلاحي، كانت هناك الكثير من النقاط محور خلاف بين الفريقين لكن الذي يخصنا في هذا البحث، هو المشاكل الجنسية التي أمست تشكيل تهديدًًا حقيقيًا للمجتمع الإيراني، وانتشار الايدز بسبب المخدرات وزواج المتعة، وانتشار دور الدعارة ولا سيما في المناطق ذات الطابع الديني مثل مدينة قم وطهران ومشهد.
ويشكو محافظ مدينة قم من انتشار بيوت الدعارة في مدينته المقدسة، وهي مدينة الحوزة العلمية، وفي اجتماع مع المسئولين في المحافظة، ذكر بأن عدد بائعات الهوى في المدينة يتجاوز (20000) امرأة، هذا حسب ما مسجل في حين إن الأرقام الحقيقية هي أضعاف هذا العدد. فقد ألقي القبض عام 2001 على أكثر من (17000) امرأة تمارس الرذيلة تحت ستار"زواج المتعة".
وتشير المعلومات بأنه تم إلقاء القبض على أكثر من (10000) فتى وفتاة بسبب سلوكهم الذي لا يتوافق مع الإسلام، ومنطلقات الثورة الإسلامية، كما تم العثور على كميات كبيرة من المشروبات الروحية، وأوراق اللعب ( القمار) وغيرها من"أدوات الوقوع في الحرام"كما يسميها زعماء الدين الإيرانيين.
وتشير الصحف الإيرانية إلى أن مدينة قم تحولت إلى مرتع خصب لتجارة المخدرات أيضًا، وكشف عام 2001 عن فضيحة"غولشهر"التي هزت إيران وقتذاك عن إيجار الفتيات القاصرات وتزويجهن كرهًا عبر زواج المتعة.
وكان الأمر يجري تحت رعاية رجال الدين وبتشجيع منهم، وكانت الفضيحة تتعلق بإنشاء"مؤسسة رعاية شؤون الفتيات الهاربات"عام 1997، وذلك لإيواء والاعتناء بالفتيات اللواتي يهربنّ من بيوتهنّ، بسبب تعرضهنّ للتحرش الجنسي من عوائلهن أو سوء المعاملة، أو بسبب إدمان آبائهنّ على المخدرات. وتبين بعد التحقيق أن رجال الدين والمسئولين الأمنيين وكبار القضاة قد تزوجوا منهن لساعات"زواج المتعة"دون اعتبارات العدة القانونية والشرعية، ومن ثم بدءوا بعرضهن على الزبائن، وقد أصيب عدد منهن بمرض الايدز. ويذكر حجة الإسلام موسوي بأن معلومات وصلت أليه تفيد بأن"فتيات"المؤسسة كن يغادرنها ليلًا رغم أن التعليمات لا تجيز ذلك وعلى متن حافلات تعود للحرس الثوري الإيراني، وسيق رئيس المركز ( حجة الإسلام منتظري مقدم ) مع عدد من رجال الدين ورجال الأمن والقضاء إلى العدالة.
وتم إغلاق المركز بسبب تحوله إلى مركز للتجارة والاستغلال الجنسي للمئات من الفتيات القاصرات، ومن الجدير بالذكر أن الرئيس السابق محمد خاتمي أصدر أوامر مشددة بالتكتم على أسماء رجال الدين الشيعة الذين وردت أسمائهم في التحقيق، ولا سيما أولئك المنتمين إلى الحوزة العلمية في قم للحفاظ على سمعتهم؟ ولكن بالرغم من هذه الإجراءات فقد تسربت بعض الأسماء ومنها حجة الإسلام حسين علي شاكري، وحجة الإسلام قلي زادة وآخرين.
وكانت الفضيحة الثانية عندما ألقي القبض على سعيد هاني الذي قتل (16) مومس إرضاءً لله وحماية للدين، لأنهن عاهرات يفسدن الأخريان حسب قوله، ولا سيما أنهن يمارسن الدعارة تحت غطاء الزواج المؤقت قرب مدينة مشهد المقدسة، حيث مزار الأمام الرضا، وعقب رئيس الشرطة على أقوال المتهم بأن الدعارة"واقع مرير في إيران"وأن الأمر يحتاج إلى إرادة قومية، وشكا من عدم توفر مؤسسات إصلاحية للعاهرات.
وفي تصريح لوزير الصحة الإيراني عام 2001 ذكر د.علي سياري بأن عدد المصابين المسجلين رسميًا بفيروس الايدز في طهران أكثر من (15) ألف شخص وأن العدد يتضاعف سنويًا بستة أضعاف.
يعرب المسئولون في وزارة الصحة الإيرانية عن خشيتهم من أن يكون عدد المصابين حاليًا بحدود (60-70) ألف شخص، ويؤكد هؤلاء أن العدد الصحيح غير معروف وربما يتجاوز هذه التقديرات، وأوعز الوزير سبب انتشار المرض إلى زواج المتعة قائلًا"إن انتشار زواج المتعة جعل مكافحة هذا المرض صعبًا، حيث يجيز القانون للرجال الزواج بأكثر من امرأة وبأوقات مختلفة مما يساعد على انتشار الأمراض التناسلية ومنها الايدز"، ويرى عدد من المحللين أن انتشار الايدز في إيران يرجع إلى:
العامل الأول هو انتشار ظاهرة المخدرات وتعاطيها عبر وخز الإبر،حيث تشير المصادر بأن عدد المدمنين الإيرانيين يصل إلى حوالي (4) مليون شخص، منهم (200000) يتعاطونها عبر الإبر.
والعامل الثاني:- العلاقات الجنسية غير الشرعية كالبغاء وزواج المتعة الذي يشجع رجال الدين الإيرانيين عليه ويعتبرونه حلالًا.
والعامل الثالث:- العوامل الاجتماعية والاقتصادية، بسبب الجهل والفقر وارتفاع نسبة الأميين، إضافة الى البطالة والتي تصل بحدود 25% من عدد القادرين على العمل، إضافة الى ارتفاع نسبة التضخم التي تصل الى35%، كما أن حوالي 53% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، يضاف الى ذلك ضعف الوعي الصحي، وانخفاض مستوى الخدمات الطبية، وعدم السيطرة على بيوت الدعارة.
ويستغرب عدد من الإيرانيون قيام الدولة بشن المداهمات على الأماكن العامة، للبحث عن مرتدي الـ"تي شيرت"وبناطيل الجينز الأمريكية، أو البحث عن الأقراص المدمجة، والعاب الحاسوب، ومساحيق الزينة والماكياج باعتبارها أسلحة ثقافية يستخدمها الغرب لضرب الثورة الإسلامية ومبادئها، في حين أنها تغض النظر عن ظاهرة زواج المتعة وانتشار أماكن الدعارة وتجارة المخدرات؟ وترى الدكتورة (مينو محرز) الأخصائية المعروفة بمرض الإيدز ضرورة القيام بحملة توعية شاملة لمكافحة المرض، والقضاء على أسبابه ومنها المخدرات وزواج المتعة.
وضع المنظرون الإيرانيون حلًا لمشكلة بيوت الدعارة وتفشي حالات الفساد والانحلال الخلقي، من خلال إنشاء ما يسمى"بيوت العفة"ولا شك أن القارئ من خلال العنوان سيتبادر إلى ذهنه بأنها بيوت لنشر الوعي الديني والثقافي والصحي، وإرشاد الفتيات إلى قواعد بناء الأسرة المقدسة في الإسلام، ولكن الحقيقية هي خلاف ذلك، فقد استبدلوا أسم"الدعارة"إلى"العفة"فقط تحت يافطة جمع النقيضين وبطريقة تدل على الفراغ الفكري، والسطحية الدينية، وذكروا بأن بيوت العفة الغرض منها مكافحة الفحشاء، والعلاقات غير المشروعة بين الجنسين، والأمراض الجنسية الناجمة عنها وخاصة مرض الايدز.
وتمكنت صحيفة الشرق الأوسط من الحصول على وثيقة تتضمن معلومات أغرب من الخيال عن طبيعة عمل هذه البيوت، ومنها ممارسة الرذيلة فيها تحت تسمية الزواج المؤقت أو زواج المتعة لمدة زمنية تتراوح بين ساعة واحدة و (99) عام؟؟ وان الزوجين"حسب تسمية الوثيقة"يمنحون الأذن بالإقامة في الفنادق أو إيجار البيوت، ويشرف على بيوت العفة رجل دين بدرجة أمام وطبيب وشرطي، للتأكد من خلوهم من الأمراض الجنسية، ولم يغيب عن خلد رجال الدين"الخمس"فأوجبوا أن تدفع أجور لرجال الدين من قبل المتمتعين، وحددت قيمة الزواج ما بين (30) ألف تومان إلى مليون حسب العمر والجمال وفترة الزواج، ولا يحتاج الرجل في هذا سوى مجهوده وشهادة سلامة صحية مع عدم تناسي تقديم الخمس للسادة؟؟
وللحق فإن بيوت العفة وضعت شروطًا قاسية لمن يحق لهن ممارسة هذا الزواج وهنّ الأرامل، والنساء غير الراغبات بالزواج الدائم؟ والطالبات والفتيات اللواتي يقمن في مناطق بعيدة عن الأهل؟؟ إضافة إلى الفتيات غير الجميلات والمرضى؟؟
والمدهش أن الجانب الإيراني بدلا من أن يضع الحلول الجذرية لهذه الآفة المميتة ويقتلع أسبابها، فإن الجهات الرسمية تتجاهلها وتصر على أن إيران تحتل مرتبة متأخرة في قائمة الدول التي ينتشر فيها الايدز.