فهرس الكتاب

الصفحة 1049 من 3028

لقد كانت الماسونية من أقدم الأفكار الغربية وصولًا إلى أرض مصر؛ حيث جاءت مع الحملة الفرنسية كي تخدم الأهداف الفرنسية في الشرق، و عملت كطابور خامس للسياسة الغربية.. حيث جلس المصري تحت رئاسة الأجنبي ليسمع وينفذ الأوامر والتعليمات.

وفي تلك الفترة كان الدور الفكري للماسون أكثر وضوحًا ، حيث دخل كثير من النخبة من قيادات السياسة ورجال المال في الماسونية ، وكان دور أفرادها في الاقتصاد المصري بارزًا خاصة اليهود، ، وكانت هذه الفئات تتباهى بماسونيتها دون إخفاء؛ حيث كانت الصحف والمجلات الماسونية وغير الماسونية تنشر الكثير عن أعمالهم، وفي كثير من الأحيان تنعتهم بالألقاب الماسونية دون حرج، فالماسونية في مصر كانت تضفي وجاهة اجتماعية على أتباعها، بل كان تدخل الماسونية في السياسة علنيًا وليس سريًا

، ويومًا بعد يوم أصبحت الأسرار تنكشف، فتاريخها في العصر الحديث يتسم بغموض شديد .

وقد كان للثورة الفرنسية وحروب نابليون دور في خدمة الماسونية، وكيف انتشرت محافلها داخل الدول العثمانية وأقاليمها مترامية الأطراف، وظهرت أول مرة في مصر عام 1798م وبدأت بواسطة الماسون الفرنسيين من قوات نابليون الذي أذاع منشورًا يؤمِّن فيه المسلمين على دينهم، ثم قرر بعد ذلك إنشاء محفل ماسوني باسم محفل (إيزيس) وهي اسم لعبادة مصرية قديمة غامضة ترجع إلى الإسطورة المصرية للأخوين (إيزيس وأيزوريس) ، وكانت لها شعائر ممفيسية قديمة (ممفيس مدينة يتجمع فيها كهنة إيزيس .

ونجح محفل إيزيس تحت قيادة سيده الأول الجنرال كليبر حتى مقتله عام 1800م، وبعد انسحاب الفرنسيين من مصر انتقلت الماسونية إلى السرة، وفي عام 1830م كوَّن الإيطاليون محفلًا سياسيًا لهم كانت تراقبه السلطات المصرية، وتأسس محفل فرنسي تحت اسم مينس.

وتقول الدراسة إن أكثر الأعضاء النشطين في شعائر ممفيس كان صموئيل حنس، وكان أعضاؤه أكثر من أي محفل ماسوني آخر حيث تأسس في الإسكندرية محفل (الأهرام) عام 1845م ، وكذلك في القاهرة والسويس والإسماعيلية وبورسعيد، وقد ضم محفل الأهرام بالإسكندرية عددًا كبيرًا من القادة والوجهاء، وكان من أشهرهم الأمير عبد القادر الجزائري الذي حارب الفرنسيين في الجزائر فتم نفيه إلى سوريا هو وأسرته.

وفي عام 1836م قرر المحفل الممفيسي الفرنسي الأكبر عمل شرق مفيسي مصري فانضم إليه عدد كبير من المحافل، وعملوا في انسجام كامل حتى قرروا توحيد العمل في عام 1864م.

وفي عام 1881م أصبح توفيق (خديويًا لمصر) وتولى أيضًا رئاسة المحفل الأكبر الوطني المصري وعين وزير العدل (حسين فخري) نائبًا لرئاسة المحفل وكان عدد المحافل يقرب من 56 محفلًا ثم تخلى الخديوي لإدريس بك راغب عن الرئاسة.

و من اشهر المنتمين للماسونية من الرموز الكبرى أمثال الأمير عبد القادر الجزائري, جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والشيخ محمد أبو زهرة وغيرهم و ربما كان هؤلاء من المخدوعين في الشعارات التي رفعتها المحافل الماسونية حول الحرية والإخاء والمساواة، و بعضهم كان يحاول الاستفادة من عضويته الماسونية لخدمة قضايا الوطن، ولما تبين لها أن الشعارات ليست إلا خدعة كبرى كان الانسحاب هو الحل.

على أن هذا الاحتمال لا ينطبق على السياسيين ورجال الأحزاب في مصر أمثال سعد زغلول والنحاس باشا وفؤاد باشا سراج الدين فقد كان هؤلاء مستفيدين على الدوام من عضويتهم الماسونية وحققوا أهدافهم من حيث السلطة والنفوذ والصعود على النخبة بكل مغرياتها.

فسعد زغلول مثلا كان من عملاء الاحتلال وكان شقيقه فتحي زغلول خائنًا دون أدنى ستار مثل شقيقه الذي كان عميلًا مستورًا للاحتلال.

بل"الوفد"لم يكن جادًا في المطالبة بجلاء قوات الاحتلال ، ومن مظاهر ذلك عدم القيام بأي مواجهات حقيقية (قتال) ضد الانجليز بل إن مصطفى النحاس باشا قبِل أن يقوم بتشكيل الحكومة على أسنَّة الدبابات البريطانية التي حاصرت الملك فاروق في فبراير 1942م

بل قد ظهر في بعض الأقلام في فترة الخمسينات و ما بعدها ما يكشف جانبًا من ذلك الغموض الذي ألقى بشباكه داخل بعض الفئات المتنفذة و المنخرطة في العمل الماسوني ـ آنذاك ـ .

الماسونية الثقافية في مصر:

كان النشاط الثقافي للماسونية يتمثل في الاهتمام بالفنون وعلم المصريات وقضايا التعليم والصحافة.

و لا ننسى بالطبع الدور الخفي للماسونية في الصحف القديمة في النصف الأول من القرن العشرين، حيث استكتبت كثيرا من الكتاب أمثال جورجي زيدان و شاهين مكاريوس"مؤرخ الماسونية المصرية".

وكذلك ذلك الدور االذي لعبته الماسونية في توجيه دفة السينما المصرية ، و استقطابها لكثيرٍ من الفنانين أمثال محمود المليجي ومحسن سرحان وزكي طليمات مؤسس الحركة المسرحية في الكويت في الستينات .

و يؤيد ذلك مع ما جاء مؤخرًا في حديثٍ للفنان كمال الشناوي الذي ذكر فيه بالاسم زكي طليمات وعبد الحميد حمدي ومحمود المليجي ومحسن سرحان، وأكد أنهم فشلوا في إدخاله المحافل الماسونية .

الحركات المضادة للماسونية في مصر:

بعد عام 1948م و عندما ثبت في كافة أرجاء العالم العربي علاقة الماسونية بالصهيونية ظهرت في مصر كثير من الحركات المضادة للماسونية ، واحتدمت المناقشات في مصر، وكان يدافع فيها عن الماسونية كل من جورجي زيدان وشاهين مكاريوس اللذين امتدحا رجال الأعمال اليهود وزعما أن لهم دورًا كبيرًا في انعاش الاقتصاد المصري.

بعد قيام ثورة يوليو 1952م فقدت المحافل الماسونية الكثير من أعضائها الأغنياء العاملين بسب بالخوف أو الحرص على المصالح الشخصية، وتوقفوا عن حضور الاجتماعات، وحاولت المحافل الماسونية الاستفادة من الأحداث السياسية بإعلان التأييد مرة والتهليل مرات، ووصل بها الأمر إلى محاولة ضم الرئيس جمال عبد الناصر إلى صفوفهم، لكن جمال عبد الناصر ما لبث أن وجه لهم ضربةً قاصمة في إبريل 1964م عندما أغلق المحفل الماسوني بشارع طوسون بالإسكندرية ـ بعد وجود في مصر دام أكثر من قرنين من الزمان ـ لكونه يندرج تحت اسم جمعيات لا ربحية غير معلنة وغير مصرح بها، و ذلك ضمن سياساته المناهضة لحقبة النفوذ الاوربي ، و المكرسة للنفوذ الامريكي.

وكان الدليل الأكثر ازعاجًا الذي استغلت الحكومة المصرية ـ آنذاك ـ اعتقال الجاسوس الصهيوني"إيلي كوهين"الذي نجح في خداع المخابرات السورية سنوات طويلة ثم اكتشفت حقيقته المخابرات المصرية لكونه مصري المولد وتاريخه معروف لدى مخابرات مصر.

ومضات عن الحملة الفرنسية:

1-لفتت"الحملة الفرنسية على مصر"أنظار العالم الغربي لمصر وموقعها الاستراتيجي وخاصة إنجلترا، مما كان لهذه النتيجة محاولة غزو مصر في حملة فريزر (19 سبتمبر 1807) الفاشلة على رشيد بعد أن تصدى لها المصريون ، بعد ذلك بسنوات قلائل.

2-أثارت تلك الحملة شيئا من الوعي لدى شريحة من المثقفين في الدول العربية ـ لاسيما في مصر و الشام ـ و لفتت إنتباههم إلى وحدة أهداف المحتلين على اختلاف مشاربهم ، و أنها تتلخص في طمس هويتها الاسلامية و من ثّمَّ امتصاص خيرات البلاد .

3 ـ يعد المؤرخون الغريون من أبرز نتائج الحملة الفرنسية فك رموز اللغة المصرية القديمة التي كانت غامضة بالنسبة للعالم على يد العالم الفرنسي شامبليون، بعد اكتشاف حجر رشيد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت