إن إدراك طبيعة التحولات الاقتصادية والسياسية والفلسفية في العالم الغربي الحديث يعنى التعامل بجدية مع مجمل تاريخ الفكر الغربي من الماركسيين وما بعد الماركسيين إلى الرأسماليين والعولمة وتجلياتها الأخيرة، وقد يحاجُّ البعض بأن تاريخ الغرب، وبالأخص الأمريكيّ والأوروبيّ، شهد تحوُّلات رئيسة في رؤيته للعالم وآخرها العولمة، ولا تزال الإشكاليات الناتجة من الحداثة تعجز الفكر الإسلامي عن التقدم.
تبدو العولمة لأغلب المفكرين في العالم الإسلامي، بدءًا من المنادين بالتغير الجذري إلى المحافظين، ظاهرة محتومة، ومن الصحيح بمعنى من المعاني أن مصير العالم الإسلامي متداخل أشد التداخل مع الرأسمالية الغربية المنتصرة بسبب الطفرات التاريخية والسياسية والفكرية في الغرب الحديث، ومع ذلك تبقى أسئلة عديدة تنتظر الإجابة: فماذا تعنى العولمة في سياق عالم ما بعد الاتحاد السوفيتيّ وما بعد الحرب الباردة والعالم ما بعد الحديث وفي سياق الرأسمالية الغربية المهيمنة والعدوانية ؟ ما مصير الدول القومية المنشأة خلال عصر الحرب الباردة في ظل العولمة؟ كيف تغيَّر المجتمع المدنيّ في العالم الإسلامي في العقد الماضي؟ وهل انهيار الاقتصاد والمجتمع الإندونيسيّ مؤخرًا نتيجة مباشرة لتجاوزات العولمة؟ (6) وما دور المفكرين المسلمين في عصر التحوُّل الحاد ؟ كيف يمكن الحفاظ على الملامح الأساسية للهوية الإسلامية في السياق السالف، خاصة إذا كانت هذه الملامح قد تم الإعراب عنها في مرحلة ما قبل العولمة ؟ وإذا ترجمت المحافظة على أنها آلية دفاعية، فما الأدوات المفاهيمية التي يجب ابتداعها لإعادة الحيوية للفكر الإسلامي الحديث حول العولمة؟ وأخيرًا لما كانت صناعة الإجماع في المجتمع المعاصر تقوم على الأفكار، ويجرى تعليم الأفكار الرأسمالية الموجهة في المدارس الخاصة والجامعات في أنحاء العالم الإسلامي فأين تكمن المصلحة العامة للشعب؟
القاعدة الثالثة مشتقة من السؤال الأخير: فالعالم الإسلامي يمر بعملية مثيرة من التغير في أنساقه التعليمية، والتعليم الأفضل هو تعليم خصوصي، وللمحافظة على أبناء النخبة، وهى النخبة نفسها التي شنت ثورة فكرية صامتة ضد الجماهير في العقود القريبة، ويظهر انتشار المؤسسات التعليمية الخاصة ومراكز التعليم عن بعد في تركيا ومصر والأردن وماليزيا، بشكل لا تخطئه العين، إن التعليم سلعة غالية الثمن تباع لمن يعرض أعلى سعر (7) ولم تعد ثمة حاجة للانزعاج من"ثورة الجماهير"أو التوليفات الليبرالية للتعليم.
وبينما استمرت قدمًا خصخصة التعليم وإكسابه طابعًا نخبويًا وغربنته وأمركته أمور لها دلالتها في العديد من أقطار العالم الإسلامي كان الناس العاديون قد سُلبوا كبرياءهم التقليدي ، وعمَّ وعى جديد على أساس من الفارق الطبقي التعليمي والتمايز الاجتماعي الاقتصادي، ويصح تطبيق الملاحظة التالية عن رجال القبائل في شمال شرق الهند على العالم الإسلامي:
لا يمكن إنكار قيمة التعليم الحقيقي في اتساع وإثراء المعرفة، لكن التعليم أصبح اليوم في العالم الثالث أمرًا مختلفًا تمامًا، فهو يعزل الأطفال عن ثقافتهم وعن الطبيعة، ويدربهم عوضًا عن ذلك، على أن يصبحوا متخصصين بشكل دقيق في بيئة حضرية مغربنة، وهذه العملية لافتة على وجه الخصوص في"لاداخ"حيث يجرى التعليم بشكل عمياني مانعًا الأطفال من رؤية المحيط الذي يعيشون فيه، فيتركون المدرسة غير قادرين على استخدام مواردهم الخاصة أو العمل في عالمهم الخاص (8) .
ففي العالم الثالث يتم التضحية بالقدرة الداخلية على الإبداع لحساب التخصص الدراسيّ العلميّ الذي يعد بمكاسب مالية (9)
العالم الثالث فيما بعد الحرب الباردة
أو النظام العالمي الجديد
العولمة ليست ظاهرة جديدة، فقد ظهرت مع انتصار رأسمالية"دعه يعمل"في عصر ما بعد الثورة الصناعية، والتوسع الاستعماري الأوربيّ، بعبارة أخرى، أنشأ الاستعمار الأوربيّ المنتصر تحوُّلات عميقة سياسية واقتصادية وثقافية ودينية في ما يدعى العالم الثالث، وأدت هذه التحولات إلى تفاعل دائم بين الشمال والجنوب (10) ، وكانت السيطرة الاستعمارية ذات حدين: فأدت إلى تحديث بعض المؤسسات والقطاعات الرائدة في العالم المستعمَر كالجيش وقوات البوليس والنسق التعليمي، ولكنها خلقت أيضًا اختلالًا في التوازن الاجتماعي والاقتصادي، من قبيل الفجوات الأساسية بين الريف والحضر التي أدت إلى هجرة ريفية إلى المدينة، والنخبة الفكرية الداخلية القلقة ومزدوجة اللغة (11) .
لقد كانت استجابة الدولة القومية لتغلغل رأسمالية الطبقة الوسطى والبرجوازية تؤكد على الاستقلال الوطني الاقتصادي والثقافي، وتسعى لإنشاء بنى وأسس جديدة للدولة الجديد لتجاوز الاستقلال التقليديّ عن الاستعمار، ومنح وجود الاتحاد السوفيتي والحرب الباردة الدول القومية الجديدة حيزًا للمناورة، ومع ذلك فقد حوّل حدثان رئيسان التوازن في السبعينيات والثمانينيات لصالح الغرب الرأسمالي: فتح الرأسمالية الأمريكية السوق الصينية الضخم (12) ، وانهيار النظام السوفيتي وما تلاه من انتهاء الحرب الباردة، التي كانت علامة بارزة على انتصار الغرب الرأسمالي على الشرق الاشتراكي (13) ، وترك هذان الحدثان الرئيسان -منقطعا النظير تاريخيًا- الدول القومية عرضة لتحديات، وأخطار حقائق النظام العالمي الجديد الاقتصادية والجغرافية السياسية (14) .
يدلل التغير السالف مرة أخرى على أهمية القرارات الاقتصادية في تحديد اتجاه السياسة العالمية والمستقبل، فبدأت الرأسمالية التنافسية المدفوعة بدافع الربح حملة جديدة: غزو الفضاء بعد غزو الأراضي (15) ، وانضمت إليها الشركات متعددة الجنسية التي ترى مستقبل الرأسمالية في غزو فضاء جديد وأقاليم غير مادية جديدة، وتسعى ـ للنجاح في ذلك ـ لإنشاء مناخ عالمي يسمح بالتنافسية بدون اليد المتحكمة للدولة. إن اتجاه الرأسمالية العدوانية هذا اندفاع جنوني، أو لنقل أنه الأكثر خطورة بسبب غياب نظام سياسي واقتصادي دولي متعدد، ولاحظ أحد المؤلفين أنه في ظل نظام الليبرالية الجديدة الأحادي فإنه"في عصر اللبرلة واسعة الانتشار، فإن الشركات الخاصة، بالتنسيق مع الدول والهيئات الدولية المسئولة عن مساعدتها مفوَّضة في تعزيز الوفرة والرفاهة الإنسانية، وتنتج هذه المشروعات السلع، وبشكل متزايد الخدمات، ويُتجاهل أكثرها فعالية الحدود، والربح هو علة وجودها ومحركها الوحيد والحقيقة أنه ثمة فجوة كبيرة تفصلها عن القدرة على الوصول لأهدافها، وحتى لو لم نضع في خلفية تفكيرنا هذه الشركات التي أخفقت في الغرب، فإنه يجب التأكيد على أنه لا أمل للجنوب (16) ."
لقد كان لإنشاء مناخ معولم سهل الانقياد لنمط جديد من الربح الدولي آثار سلبية على الاقتصادات المحلية الداخلية ، فأنشأ مجموعة جديدة من قواعد الرشاد والقيم لا تأتلف مع تقاليد وثقافات وتواريخ شعوب البلاد الأصلية والدول القومية، إن منطق الرأسمالية ليس الحفاظ على إنماء نظم اجتماعية اقتصادية سليمة بل جنى الربح بأسرع ما يمكن (17) .
تستدعي الفكرة الأخيرة التساؤل حول العلاقة الجديدة بين الشركات متعددة الجنسية والدولة القومية، من حيث دور الدولة في المجتمع، والتغيرات العميقة في علاقات القوة، ليس بين الشمال والجنوب فحسب ، بل بين دول الجنوب أيضًا، وطبيعة المجتمع المدني، وتضمينات هذا للديمقراطية في العالم الثالث (18) .