أما مسألة عدم وجود إعلام نزيه أو حر فأمر ثابت، فمثلًا حينما نسمع عن الـ (بي بي سي) يقفز مباشرة إلى الذهن معنى الرصانة والنزاهة والموضوعية والحرفية في نقل الخبر، لكن في سنة 1970م أرسلت الحكومة البريطانية إلى الـ (بي بي سي) أنها لم تعد راضية عن الكيفية التي تغطي بها الصراع مع الجيش الجمهوري الإيرلندي، وطلبت منها أن تتبنى وجهة نظر الحكومة البريطانية؛ فتصف عناصر الجيش الجمهوري الإيرلندي بأنهم إرهابيون. ومن أمثلة ذلك الضغوط"العلنية"التي مارستها الحكومة الأميركية على قناة الجزيرة لإخراج الأخبار بالصيغة التي لا تؤثر على مصالح الإدارة الأميركية، ومن ذلك أيضًا ما نقلته صحيفة الواشنطن بوست أن رئيس الـ (سي إن إن) ولتر جاكسون طلب من مراسلي مؤسسته أن يُذَكِّروا جمهورهم بالأميركيين الذين قتلوا في أحداث الحادي عشر من أيلول كما تكلموا عن الإصابات المدنية في أفغانستان، وقال لهم ما نصه «إنه من الحماقة أن نركز كثيرًا على إصابات الأفغانيين وظروفهم الصعبة» وسبب ذلك أنه لا يريد أن يحدث أثرًا لدى المستمع الأميركي مما يحدث أثرًا عكسيًا على تأييد شعبه للحكومة الأميركية في خطواتها. وهذا ما يقر به دهاقنة السياسة الغربية، فمثلًا في مقابلة صحفية مع بريجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي المخضرم الأسبق نيكسون، أجرتها معه قناة (سي إن إن) قبيل حرب الخليج الأولى حيث قال: «أنا آخذ فقط 20% من الأخبار السياسية المنشورة في الجرائد والتلفاز أما الثمانون بالمائة الباقية فإنها ببساطة كذب وتضليل» .
هذا من جهة الإعلام الإخباري، أما الإعلام الثقافي فلننظر إلى واقعه نظرة بسيطة في هذه الأيام، وتحديدًا إلى الإعلام العربي، فماذا سنجد؟
هل بُنيت هذه الوسائل والأدوات فيما تنشر وتذيع على العقيدة الإسلامية؟
هل يتوخى الصحفي فيما يكتب وينشر قول الحق والالتزام به لا يغريه مال، ولا يرهبه تهديد؟
هل تلتزم الصحف ووسائل الإعلام -في العالم الإسلامي- بفضائل الإسلام حين تخاطب الناس وتنشر الأفكار الآراء التي تربى عليها الأجيال؟
إن نظرة سريعة -ولا أقول نظرة متخصصة- لصفحات المجلات والجرائد ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة تُري كم هي بعيدة عن روح الإسلام وبديهيات الإسلام، بل تُري مدى عدائها للإسلام، ومن الأمور البارزة فيها ما يلي:
1-تكريس مفاهيم تناقض العقيدة الإسلامية، كالدعوة لأفكار الديمقراطية والتغني بصفاتها، والدعوة إلى القومية، والدعوة إلى العلمانية التي تخرب المجتمعات والأفراد كالسوس ينخر في الخشب! الهجوم على المفاهيم الإسلامية التي تدعو إلى تطبيق الشريعة، بل ويتم غمز الشريعة الغراء من حين لآخر بدعوى عدم مناسبتها للعصر، وأن تطبيق الحدود"همجية"، وبعضهم يهاجم السنة والصحابة الذين نقلوها إلينا حتى يفرغوا الدين من محتواه، ويدعون صراحة لدولة يفصل فيها الدين عن الحياة، بل وصل الأمر للاستهزاء من الثوابت الدينية بشكل واضح وصريح كما حدث على لسان كاتبة مصرية وصفت شعائر الحج بأنها شعائر وثنية، ومع ذلك مازال يتم استضافتها في برامج عديدة وعلى صفحات جرائد كثيرة ويقدمونها باسم الكاتبة المستنيرة التي تكافح التطرف!
2-الترويج لمفاهيم الإباحية والاختلاط بين الجنسين تحت دعاوى"الفن والتطور"، وانتشار الترفيه الساقط والخلاعة بشكل يتنافى مع أبسط الأسس الثقافية للمجتمع الإسلامي، وهو الأمر الذي من استفحاله أثار استهجان الكثيرين حتى من غير المتدينين، ويكفي أن نذكر أن هناك أكثر من 20 محطة فيديو كليب"تبث برامجها حسب توقيت مكة المكرمة".
3-تركيز الهجوم على أحكام شرعية معينة كالحجاب والاستهزاء به في برامج عديدة ومناقشة موضوع انتشار الحجاب بين الفتيات على أنه ظاهرة دخيلة على المجتمع، وأن السبب الحقيقي وراء انتشاره هو ظروف اقتصادية وليس عقيدة دينية، حيث وصل الأمر أن زوجة حاكم الأردن ورئيسة تحرير مجلة مصرية حكومية وصفتا الحجاب -في حديثين منفصلين- بأنه ليس من الإسلام، وأنه عادة في بعض المجتمعات استمدت من العادات الجاهلية. والأدهى والأمر أنه ظهر ممن يسمون مفكرين إسلاميين من يصدر فتاوى تحرِّف الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة والحجاب، مثل هرطقات الترابي في السماح للمرأة المسلمة بالزواج من الكافر الكتابي، وقوله بأن خمار المرأة (هو شرعًا غطاء الرأس) هو لغطاء الصدر فقط، وغير ذلك من الضلالات. ومع ذلك تكثر الفضائيات وغيرها من وسائل الإعلام من نقل ندواته التي يشرح فيها هرطقاته ويُسوِّق ضلالاته.
4-مهاجمة المخلصين في التيار الإسلامي، وخاصة الجماعات التي تعمل لاستئناف الحياة الإسلامية، وتخويف الناس منهم بدعوى أنهم"إرهابيون"وأنهم إذا وصلوا إلى الحكم فسيضيقون على الناس في كل شيء وسيحرّمون كل الأمور.
5-ومن أخطر ما نجد في وسائل الإعلام المغالطات في عرض الحقائق بحيث تطمس الحقائق الكبيرة بحقائق صغيرة، ومن ذلك إهمال أخبار ونشاطات حزب التحرير الذي أصبح يناوش بها الدول العظمى سياسيًا. وإظهار حركات محلية مهما صغرت، وإبراز آراء فردية تحت عنوان معارض سياسي أو خبير في الشأن الفلاني. ومن ذلك الإصرار على إقصاء فقه الخلافة أو حتى ذكرها في وسائل الإعلام، وإذا اضطروا لذكرها يصورونها على أنها فكرة مغرقة في الخيال وتجاوزها الزمن، ويفتون بأن هناك بدائل عصرية تقوم مقامها مثل الفدرالية وجامعة الدول العربية وما يسمى الإسلامية. ومثل التركيز على العداء الصهيوني ضد الفلسطينيين خاصة والتغطية والتستر على أن عداء اليهود هو للأمة الإسلامية جميعًا. وكذلك تجنب نشر أخبار متعلقة بسياسات خطيرة في محاربة المخلصين العاملين للخلافة، ففي الوقت الذي تهتم وسائل الإعلام بالتغطية الإعلامية لورشة عمل خاصة بقضية محلية لبلد ما، تجدها لم تذكر خبرًا أو تحليلًا عن أعمال مؤتمر عقد في تركيا على مدار يومين أوائل شهر سبتمبر 2004م برعاية مركز نيكسون للدراسات تحت عنوان: «تحديات حزب التحرير - فهم ومحاربة الأيديولوجية الإسلامية المتطرفة» رغم خطورة القضية التي يتناولها، ورغم أنه مؤتمر يصح أن يوصف بالدولي لمشاركة ممثلين عن حكومات وأجهزة استخبارات لدول شرق أوسطية وغربية فيه، ولأنه تناول قضية تتعلق بحزب عالمي.
ومن ذلك إهمال الحديث عن التصريحات الخطيرة والكثيرة للسياسيين الغربيين التي تثير في الأمة أحاسيس النهضة، مثل تصريحات هنري كيسنجر ورامسفيلد وبوش وبوتن وغيرهم التي تهاجم فكرة الخلافة بشكل صريح، مع أنهم عادة ينقلون ويحللون كل ما هبَّ ودبَّ من أقوالهم وتصريحاتهم. ومن هذه التصريحات التي لم تأخذ نصيبًا من الاهتمام والتحليل رغم خطورتها:
-مقولة هنري كيسنجر التي نقلتها عنه مجلة نيوزويك في عددها الثامن من شهر تشرين الثاني 2005م: «إن العدو الرئيسي هو الشريحة الأصولية الناشطة في الإسلام، التي تريد في آن واحد قلب المجتمعات الإسلامية المعتدلة، وكل المجتمعات الأخرى التي تعتبرها عائقًا أمام إقامة الخلافة» .
-تصريح رامسفيلد أمام مجلس العلاقات الخارجية في 4/10/2005م: «يجب أن نتذكر أنه حيثما وجد المتطرفون.. فإن هدفهم هو قلب الحكومات في تلك المنطقة من العالم وإقامة الخلافة من جديد» .
-ما ورد في خطاب بوش الذي ألقاه في 6/10/2005م وحذر فيه من الذين يعملون لإسقاط -ما سماه- الحكومات المعتدلة في المنطقة وإقامة إمبراطورية إسلامية راديكالية متطرفة تمتد من إسبانيا إلى إندونيسيا.