فهرس الكتاب

الصفحة 871 من 3028

3-يلاحظ الغلو في تصور الحق المالي للمؤلف الشرعي من بعض رجال العلم والمؤلفين والمعينين من جهات التنفيذ فكان من رجال العلم من تصور أن سلطة الاحتكار التي منحها القانون للمؤلف حق ملكية تنطبق عليها أحكام المال المملوك فأحرجوا أعدادًا من الطلبة الورعين الذين يدرسون في الغرب واستفتوهم في مسائل متعلقة بحقوق التأليف فأفتوهم دون تصور لطبيعة هذا الحق ، و لا معرفة بالقوانين التي تحكمه .

وأما المؤلفون فليس نادرًا أن نرى مؤلفًا سعوديًا يهتم بأن يسجل على كتابه أنه ( لا يجوز أخذ جزء منه أو اقتباسه أو استنساخه أو... أو ... إلا بإذن المؤلف ) وظاهر أن هذا تجاوز لأحكام النظام السعودي الذي أجاز في الفقرات العشر من المادة الثامنة من النظام أنواعًا من وجوه استخدام المؤلفات ، ونص على أن هذه الوجوه مشروعة دون الحصول على إذن المؤلف.

من يسمع شكاوى الناس ويصدقهم يعتقد أن موظفي الأجهزة التنفيذية في متابعتهم لتنفيذ النظام يتخذون من الإجراءات لحماية مصالح رعايا الدول الأجنبية ليس فقط أشد وأبلغ من الإجراءات التي يفترض أن تتخذها الأجهزة التنفيذية في الدولة الأجنبية لمصالح مواطنيها السعوديين بل أشد وأبلغ من الإجراءات التي تتخذها تلك الدولة الأجنبية لحماية مصالح مواطنيها أنفسهم.

لي صديق من الأئمة رزقه الله صوتًا حسنًا ورزقه كما أحسب والله حسيبه - ورعًا وصلاحًا وعندما عاتبته على إعطائه أحد الناشرين حق احتكار استغلال تسجيل قراءته في صلاة التراويح اعتذر بأن الجهة التنفيذية ( وزارة الإعلام ) توجب ذلك ولا تسمح بالنشر إلا بهذا الإجراء .

قد يكون إجراء الجهة التنفيذية صحيحًا لو كانت الحالة حالة مغنٍ سجل أغنية أو أداها في مسرح ، وأما قراءة الإمام في صلاة التراويح فلا تنتج من الناحية القانونية للإمام حقًا احتكاريًا باستغلالها ، وإن كان الناشر التاجر عندما يسجل هذه القراءة ويهيئ التسجيل للبيع يكون له الحق في أن يمنع ناشرًا آخر أن ينسخ تسجيله ويقوم بنشره ، ولكن لهذا الناشر الآخر أن يقوم هو نفسه بتسجيل القراءة وينشر ما سجله ، وظاهر أن حق الناشر في مثل هذا يختلف عن حق المؤلف.

4-فإذا قيل إن المؤلف الشرعي لا حق له ماليًا يحميه النظام فهذا لا يعني بالضرورة أن عمل الناشر مباح تقليده ، وإعادة نشره من قبل شخص آخر .

علاقة إسرائيل بالولاية المتحدة أبلغ من علاقة الصديق بل الحليف الإستراتيجي ، ومع ذلك ربما لا تنتهك الحقوق الفكرية الأمريكية في بلد كما تنتهك في إسرائيل ، وذلك أن إسرائيل كأي دولة معاصرة تبني علاقتها بالدول الأخرى حتى الصديقة أو الحليفة أو الشريكة في الأهداف والمصالح ، على أساس المصلحة القومية والقوة فلا تنشط أجهزتها التنفيذية للتضحية بمصالحها الوطنية لحساب مصالح مواطني دولة أجنبية ، لا لسبب إلا التزامها القانوني تجاه الدولة الأجنبية .

ليس لنا مثل السوء فلا يظن أني سوف أوصي بأن تسلك الأجهزة التنفيذية في المملكة العربية السعودية سلوك الأجهزة التنفيذية الإسرائيلية لأن المملكة العربية السعودية وهي مقيدة بمبادئ الإسلام لا خيار لها في أن تنتهك اتفاقية دولية أبرمتها ، ولو كان تنفيذ تلك الاتفاقية ضد مصالحها .

و لكني أوصي بأن لا يلتزم رجال السلطة التنفيذية بما لا يلزم فيغلوا في تنفيذ قواعد ما يسمى الملكية الفكرية سواء كانت في شكل نظام وطني أو اتفاقية دولية.

الخلاصة:

1-إن الحق المالي للمؤلف مصدره القانون ، القانون يوجده ، والقانون يلغيه ، والقانون يحدد نطاقه من حيث الزمان والمكان والنوع ووجوه الانتفاع .

2-القانون الذي أوجد هذا الحق لأول مرة نشأ في تربة النظام الرأسمالي العلماني المخصبة بالفردية والمشاحة والمغالبة وسيادة معيار المنفعة المادية .

3-نظام حماية حقوق المؤلف السعودي مصدره التاريخي القوانين الغربية والاتفاقيات الدولية ، ومع ذلك فلا يلزم بالضرورة أن يرجع في تفسيره إلى مصدره التاريخي بل يجب من الناحية القانونية عند تفسيره أو تنفيذه مراعاة انسجامه مع القانون الأعلى للمملكة ( شريعة الإسلام ) بروحها ومقاصدها وقواعدها ، ومراعاة انسجامه مع البيئة التي يطبق فيها .

والبيئة في المجتمع المسلم كمجتمع المملكة العربية السعودية من المفترض أن تسود فيها قيم الإخلاص لله ، وروح الاحتساب ، ورجاء لقاء الله ، والأمل في الباقيات الصالحات وذلك على خلاف بيئة المجتمع الرأسمالي

4-التوقيع عن الله ببيان الحلال والحرام وزيادة المعرفة بالله وما يحبه و يرضاه وما يكرهه ويسخطه ، والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله باللسان والقلم .. هذه المعاني وما يجري مجراها هي مضمون ما يعنيه المقال بعبارة ( المؤلفات الشرعية) وأداء الأعمال المذكورة من أفضل القرب والعبادات ولب العبادة وأساسها إخلاصها لله وتنزيهها عن شوائب الشرك بحظوظ النفس ، وإحسان الظن بالمسلم ( وهو واجب بالأصل ) يقتضي افتراض أن مؤلف المؤلف الشرعي قد تمحضت إرادته لأن يكون عمله لله ، وقد قصد أن يقع في ملك الله فمثله مثل المتصدق الذي بذل صدقته والواقف الذي أنجز وقفه ، وهذا بالتالي يقتضي افتراض أن المؤلف الشرعي قد اختار أن لا يدخل تأليفه في نطاق النظام من حيث الاستشراف لثمرات ونتائج الحق المالي للمؤلف.

وإذا كانت القوانين عند ما تفترض أن المؤلف وقع في الملك العام مثل الحالات المنصوص عليها في المادة السادسة من النظام السعودي لا تسحب عليه الحماية لحق المؤلف المالي فأولى بالنظام السعودي أن لا يسحب حمايته على المؤلف الذي وقع في ملك الله .

5-موجب الفقرات السابقة أن المؤلف الشرعي الذي لا يعبر مؤلفه صراحة عن إرادته أن يخضع لنظام حماية المؤلف المالي لا تنسحب عليه الحماية المقررة للحق المالي للمؤلف بموجب النظام .

وبناء على ذلك يجوز لكل أحد أن ينشر المؤلفات الشرعية لعلماء المملكة العربية السعودية حتى ولو لم يمض على وفاتهم خمسون عامًا .

على أنه لا يجوز الافتئات على حق من لا يزال حيًا منهم في اختيار أن لا ينشر مؤلفه إلا بعد أن يرضاه للنشر .

6-أما المؤلف الشرعي الذي يصرح مؤلفه بإرادته أن يخضع لنظام حماية حق المؤلف ، فإنه يثبت له الحق المالي وتنسحب عليه الحماية المقررة بالنظام ، هذا من الناحية القانونية ، وأما من الناحية الشرعية فإن كاتب المقال يكل العلم فيه إلى عالمه ويترك الحكم بجواز العمل أو عدم جوازه وترتب الحق المالي أو عدم ترتبه للمختصين من أهل العلم الشرعي .

7-على أن هناك نوعًا من المؤلفات الشرعية لا تخضع أصلًا لنظام حماية حق المؤلف ، ولا حق ماليًا لها ، وهي المنصوص عليها في المادة السادسة من النظام ، وما هو مثلها وتشمل هذه المؤلفات الأحكام القضائية وقرارات هيئة كبار العلماء ، وفتاوى اللجنة الدائمة وفتاوى المفتين الرسميين فهذه كلها تقع في الملك العام ولا يكون لأحد حق المؤلف عليها كما تشمل في رأي كاتب المقال خطب الجمعة وكل المواعظ الدينية وترتيل الأئمة للقرآن في الصلاة .

وحتى بالنسبة للمؤلفات المحمية بالنظام يجوز بدون إذن المؤلف الانتفاع بها بوجه من وجوه المنصوص عليها في المادة الثامنة من النظام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت