فهرس الكتاب

الصفحة 865 من 3028

وفي تتبع المؤلف لطبيعة سياسات القوى الاستعمارية الغازية في التعامل مع إفريقية وفي إستراتيجياتها الطويلة التي لا تقف فقط عند مجرد الاحتلال المادي للاراضي ، يرى أن هذا المحتل كان يدبر لاحتلال أبدي لدول إفريقية بل كان يخطط لمرحليّة هذا الاحتلال حسب مقتضيات كل مرحلة وتوافر مناط وجودها، ولم يعدم في ذلك ذريعة، واستشهد المؤلف ببعض تلك الذرائع التى كانت تبرر لإبقاء الاحتلال وتزيينه،"فمع مرحلة الاحتلال-الاستعمار- التقليدي ابتدع دعاوى تحديث هذه الدول وتنميتها، ونقل شعوبها الى التحضر والنهضة، وإنهاء مقولة القارة السوداء أو القارة المظلمة، وفي مرحلة ما بعد الاحتلال التقليدي في تطوراتها المختلفة اختلق دعاوى إيجاد قنوات للتواصل الحضاري مع المستعمرات السابقة، وتشجيع سياسة الاعتماد المتبادل وإجراء الإصلاح الشامل مع سياسة التكيف الهيكلي، ودعم التحول نحوالديموقراطية وحماية الأقليات وحفظ السلام إلى آخره، مما أثبت بالفعل ازدواجية التعامل وفساد تطبيقه."

وقد عرض المؤلف المصطلحات والمفاهيم المتداولة عن مفهوم الغزو الفكري في الأوساط العلمية والبحثية والسياقات المختلفة التي تُستخدم فيها، مثل"غسيل المخ، والتغريب والغزو الفكري، والاستعمار الفكري، والاحتلال الفكري، والاستعمار الجديد، والغزو الثقافي، واحتواء العقول، واختراق العقول، والحرب النفسية، والدعاية، والتسمم السياسي"المصطلحات التي يرى المؤلف أنها لا تدل سوى على فظاعة وفداحة خبرة الشعوب الإفريقية وغيرها بممارسات هذه القوى الغازية.

وفي استعراض المؤلف لبعض الأساليب التى استخدمتها قوى الاحتلال والغزو لتدعيم استغلالها للبلاد الإفريقية والبلاد النامية ذكر أن المحتل كان يدعم عملياته بكل ما لديه من أساليب ممارسة القوة بل لكونه هو الأقوى والأقدر واقعيًا قد يميل الى إعادة تغليب أسلوب اللجوء إلى هيمنة القوة المادية، قوة الآليات العسكرية، قوة الآليات الاقتصادية، فضلًا عن الآليات الثقافية التي تُعد الأخطر والأبشع تأثيرًا، كما كانت تلجأ إلى وسائل وآليات كثيرة تقتضيها طبيعة الظروف والأوضاع والمراحل السياسية، مثل آلية قوات حفظ السلام الدولية، المنظمات الإغاثية والمعونة (جمعيات الصليب الأحمر وغيرها) وكالات الأنباء العالمية، البعثات الدبلوماسية والثفافية، القنوات التلفزيونية الفضائية، وغيرها من آليات ووسائل الضغط لممارسة الهيمنة وتحقيق مقاصد الغزو الفكري والأيدلوجي لشعوب دول الجنوب والعالم النامي بشكل عام.

وبأسلوب ممعن وبشكل مسهب ومفصل تناول المؤلف أساليب ممارسة الغزو الفكري في دول غرب إفريقية، وعدّد مشارب هذا الاتجاه، والتي من بينها"تقسيم البلاد الإفريقية إلى دويلات صغيرة، وتغريب أنماط الحياة فيها عن طريق تغريب التعليم وتغيير العادات والتقاليد، والتبعية الشاملة رغم الاستقلال الواهي الزائف، وكذلك إثارة الشبهات حول الإسلام، واستخدام الانقلابات العسكرية أداة لخلخلة الأمن والتحكم في شؤون البلاد عن بعد، إضافة إلى ممارسات شتى الأساليب لتعميق مشاعر الاحباط واليأس والقنوط بين الشعوب الإفريقية، والترويج للدعوة إلى ممارسات أوجدت اضطرابات اجتماعية داخل المجتمع الإفريقي مثل: تنظيم الأسرة ودعوات لإحياء الثغرات العرقية والقبائلية بين أبناء الوطن الواحد."

وفي إطار محاولاته للبحث وإبراز جوانب الضعف والخلل داخل البيت الإفريقي طرح المؤلف تساؤلات جوهرية ومهمة حول الأسباب والعوامل التي مكنت للاحتلال الأجنبي للبلاد الإفريقية، منها:"لماذا ارتضت البلاد الإفريقية بهذا الاختراق؟ ولماذا استسلمت لأن تكون هي الأضعف والمغلوبة على أمرها في عملية الغزو؟ هل سبب ذلك أن حصونها الفكرية وأنظمتها وقياداتها بدت مهددة من الداخل قبل الخارج؟ أم سبب ذلك ركون الشعوب الإفريقية إلى عقدة المؤامرة لتجد لنفسها مسوغًا ذاتيًا من عناء التصدى لهذا الغزو؟ أم أن السبب الحقيقي يكمن في أنها -فوق ذلك كله- شعوب وجدت في العقلية التواكلية ضالتها فاستغل أعداؤها هذا الفهم الخاطئ؟ أم السبب يكمن في التفاعل بين الأسباب الداخلية والأطماع الخارجية معًا؟"

تقسيم الكتاب:

يحتوى هذا الكتاب أربعة فصول أساسية بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة، تناول المؤلف في الفصل الأول جذور مشكلة الغزو الفكري وامتداداتها التاريخية في بلدان غرب إفريقية، من خلال تتبع وتقصي جذورها الفلسفية وأطوار مصطلحاتها ومفاهيمها، والسياقات الاستدلالية لهذه المصطلحات.

وعرج المؤلف فيه أيضًا على نشأة وتاريح الغزو الفكري للبلاد الإسلامية خصوصًا منطقة غرب إفريقية، كما تناول في ثلا ثة مباحث مستقلة قضايا الأمية والاستعمار واستيراد الثقافة الغربية.

وفي الفصل الثاني، الذي حمل عنوان أساليب الغزو الفكرى تعرض المؤلف فيه من خلال مباحثه الثلاثة، للمشروع الاستعماري لتقسيم البلاد الإفريقية إلى دويلات صغيرة، وقضايا الغزو الفكري في مجال التعليم، و (تكنيك) إثارة الشبهات حول الاسلام بربطه بالإساءة إلى الإنسان الإفريقي، وفي الفصل الثالث تناول فيه المؤلف الآثار الخبيثة للغزو الفكري وتداعياته على الشعوب الإفريقية والمجتمعات الإفريقية معًا، سواء على الحريات العامة أو المعتقدات والمبادئ والأخلاق، ودوره في عرقلة المشروع الحضاري للأمة الإفريقية، وأعقب المؤلف ذلك في الفصل الرابع والأخير برؤيته وتصوراته الخاصة لمواجهة هذا الغزو الفكري الخطير الممتد، والذي من أهم وسائل مواجهته -كما يرى المؤلف-"إيقاظ الوعي في أذهان الشباب الأفريقي المسلم، وتخليصه من جميع العقد النفسية التي ترسخت في وجدان معظم النخب المتشربة للفكر الغربي الغازي، وتخليص الشباب من مرض اليأس والإحباط عن طريق بثّ الحمية الدينية، وكذلك تشجيع الشباب على المشاركة في تنمية المجتمعات الإفريقية عن طريق ربط التعليم بواقع الأمة ومشاكلها، كما يرى المؤلف أن تعريف الشباب بالتاريخ الإفريقي الحقيقي الذي كتبته أيد أفريقية أمينة كفيل بحدوث تغيير إيجابي في الجو الفكري المسموم حتى تتم دراسة التاريخ الإفريقي بعيدًا عن الافتراءات الأوروبية."

كما يرى المؤلف أن التركيز على وحدة العقيدة الإسلامية الجامعة بين معظم شعوب القارة، وضرورة التنبه إلى أهمية تربية الكوادر الإفريقية تربية إسلامية إفريقية خالصة بعيدة عن شوائب ثقافات الاحنلال: الفرنسية والإنجليزية، علاوة على ذلك تعظيم قيم الأخوة الإنسانية التي تمثل عقيدة وأصولًا مشتركة بين البشر كلهم"."

وقد توصل المؤلف خلال تناوله هذا إلى خطورة مأساة الغزو الفكري وما تمخّض عنه من أمراض اجتماعية فتّاكة متعددة الجوانب، والتي أبرزها قتل العقول، وتضليل الأمة، وتزييف التاريخ، وقتل اللغات الإفريقية الأصيلة، وإثارة الشبهات حول الإسلام، وإشعال نيران الفتنة الطائفية والحروب الأهلية لزعزعة الأمن والاستقرار.

ومؤلف هذا الكتاب الأخ الأستاذ علي حسن كمارا -وهو من أبناء دولة غينيا كوناكري الذين ينتمون إلى الثقافة العربية الإسلامية- سدّ به ثغرًا هامًا لإبراز دور وإسهام المستعربين الأفارقة في الحركة الفكرية؛ فهو خطوة ضمن خطوات نشر ما يفيد وينفع، ويُعرّف في الوقت نفسه بالخصوصية الحضارية والفكرية لقارة إفريقية، وليس المساهمة في تطوير البناء المعرفي والمنهاجي لهذه الخصوصية وحسب، بل إعادة النظر في الكثير من المغالطات التى أُلصقت بإفريقية وشعوبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت