جاءت الدّولة العثمانيّة بعد حالة الانحطاط والإنهاك العام الذي أصاب المجتمع الإسلامي، وكانت أهمّ فضائل الدولة العثمانيّة أنها جمعت الوطن العربي في كيان موحّد، بعد أنْ مزّقته دول العسكر المنشقة عن الدولة العباسيّة، كما أنها حمت الوطن العربيّ لعدّة قرون من محاولات التمدّد والانفجار السّكاني الاستيطانيّ الأوروبي، الذي ألقى بثِقْله الاستيطاني إلى البلاد الجديدة المكتشفة ( أمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا وجنوب أفريقيا) إلا أنّ الطبيعة العسكريّة للدولة العثمانيّة جعلها تهمل البناء الحضاريّ والعلميّ والثقافيّ حتى وصل في أواخر أيامها إلى مرحلة التخلّف والفقر والأميّة التي عزلت المسلمين عن اللغة العربيّة، وعن مرجعيّتهم الفكريّة (القرآن والسنة) كما أنها أنهكت قوى المجتمع الإسلاميّ البشرية والماديّة، وامتصتها لصالح الجيش العثمانّي وحروبه الخارجيّة، والأغرب من ذلك أنّ هذه الدّولة في قرنها الأخير، لم تكن تشعر بأدنى مسؤوليّة تجاه مواطنيها؛ فأهملت الأمن، والعدل، والعلم، والثقافة، والمرافق، والخدمات وتركتهم تحت ظلم الولاة ونظام الالتزام، وتعاملت مع المواطنين كالبقرة الحلوب التي تدرّ لها (الجنود والمال والإنتاج) الذي يغذّي جيشها، وهكذا جنت الدولة العثمانيّة على نفسها وعلى المجتمع الإسلاميّ حين شاخت، ومرضت وأمرضت معها المجتمع الإسلاميّ بكامله، وجعلته لقمة سائغة أمام الاستعمار الأوروبيّ، الذي كان يتربّص بها الدوائر، وينتظر لحظات انهيارها.
وهكذا أفاق العقل المسلم بعد الاحتلال المغوليّ والصليبيّ على احتلال جديد من خلال طلائعه الثقافيّة التي تسبق جيوشه لتعهد إلى احتلال الأوطان والأدمغة معًا.
( فمنذ أواسط القرن الثامن عشر الميلاديّ والعالم الإسلاميّ كله مُخَلّع النوافذ والأبواب في وجه الفكر الغربيّ والنهج الغربيّ والثقافة الغربيّة، والعلم الغربيّ والحضارة الغربيّة والفنون والآداب والتقاليد الغربيّة بدرجات متفاوتة، فمنذ أنْ بدأ الغربيّون ينشئون كنائسهم التنصيريّة وبجوارها أو بداخلها مدارسهم التعليميّة في بيروت والقاهرة وبغداد والموصل والإسكندريّة واسطنبول وغيرها من حواضر المسلمين، والحصون الفكريّة والثقافيّة الإسلاميّة المتبقّية لدى هذه الأمة تتهاوى واحدًا بعد الآخر، والأجيال المسلمة تتعرض لعمليّة استلاب فكريّ وثقافيّ هائل، انتهت بأنْ أصبحت جميع معارفنا النظريّة غربيّة مائة بالمائة في قالب وإطار غربيّين! وقد شمل ذلك الفكر، والمنهج، والمصدر، والفلسفة المعرفيّة: موضوعاتها، وأهدافها، وغاياتها... وأصبحت الشخصيّة الإسلاميّة مائعة الملامح؛ لأنّ رؤيتنا للحياة أصبحت تشكّل من خلال نظريّات: علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم التربية، والنظريات السياسية، والتشريعات، والنظريات النقدية، كما صنعها العقل الغربيّ في بيئاته وخصوصيّاته وأمراضه.
فأصبحنا نعيش حالة من الانفصام النّكد، نفكّر ونحلّل بطريقة غربيّة، ونعبد الله على الطريقة الإسلاميّة. أصابنا الذهول والانبهار، ومارسنا الانفتاح حتى الانبطاح، ولم نميّز حكمتنا من فلسفة غيرنا، رمينا بمرجعيّة الحكمة، وأخذنا بمرجعيّة الفلسفة، فأخذت تشكل لنا عقولَنا وأذواقَنا وشرائعَنا، وأصبحت عقولنا مناطق نفوذ للثقافة الغربيّة، كما هو حال أوطاننا، لقد وصف شاعر كبير حال الأمة بقوله:
1-لقد أصبحوا حانة الأجنبيّ يضاجعهم
في خلايا الدّماغ.
2-أمامكَ رومٌ وخلفكَ روم
وفي الجنبِ روم
وفي كتبِ الجامعاتِ
وفي أسرّة زوجاتِنا والبنات
وقد حقق الغرب هذا كله في مرحلة الاستعمار والتّبعيّة، أما الآن وفي عهد الاستعمار الجميل (العولمة) فهو لا يرضى منا بالانفتاح الذي حقّق له احتلال الأوطان والأدمغة، بل يريد استكمال المعركة مع آخر حصون العقل المسلم وهي القلوب؛ ليفرّغها من المشاعر المضادّة والمُعادية له، وليملأها بقبول الكفر والإثم عن رضا وتسليم؛ لأنه لا يأمن على وجوده في الأوطان والأدمغة، وقلوبنا تلعنه في الصباح والمساء.
هو يريد منا تفريغ هذه المشاعر من قلوبنا واستبدالها ( بمتعة التّلذّذ بالتبعيّة) الكاملة والذوبان الكامل في حضارته، حتى يمضغنا ويتمثّلنا كغذاء جديد لذلك العقل الفلسفيّ الكافر، كما هضم المسيحيّة من قبل ،وتمثلها وجرّدها من حقائق التوحيد التي لا تناسبه، قال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) [البقرة: 120]
لقد زُيّن مصطلح الانفتاح في مرحلة الاستعمار والتبعيّة من قبل دعاته المبهورين، فربطوه بالمرونة والوعي والعلم والتبادل الحضاريّ، مع أنّه لم يحقّق للأمة سوى التضليل الذي جعلها تقبل بالاستلاب، لأنّه في الأصل انفتاح قسريّ إجباريّ.
واتّضح لنا أنّ الانفتاح كان مصطلحًا عائمًا ومضللًا لم يخدم الأمّة، ولم يُبَصّرها بعواقب القبول بثقافة عدوّها، لأنّه فُرِض على الأمّة قسرًا ، ورغم كل الشروط التي حاولت أنْ تُقنّن له، أو تضبطه، إلا أنّه لم يُستثمر إلا استثمارًا سلبيًّا في تغريب الأمّة ومحاولة اقتلاعها من جذورها.
وتبيّن أنّه لم يعد مصطلحًا سليمًا، ولا دقيقًا في وصف علاقتنا مع الآخرين، ولذلك نحن بحاجة إلى إهماله وتجاوزه واستبداله بمصطلح جديد، يكون أكثر دقة في تبصير الأمة وهدايتها في التعامل مع الآخرين.
ونرى أنّ مصطلح الامتصاص أو (امتصاص الخبرة) أكثر دقّة منه في تبصير الأمّة، وحمايتها من حالة الاستغفال التي وُضع لها مصطلح الانفتاح.
ولا تزال ألسنة منا تلوك مصطلح الانفتاح بعلم أو بجهل وتسوّقه، وتحاول أنْ تستر عورته بآية أو حديث، وكم ظُلم الحديث الشّريف"الحكمة ضالّة المؤمن"رواه الترمذي وابن ماجة . وهو يكرّر من تلك الألسنة، ليدفع بالأمة إلى قبول ثقافة الاستعمار والتبعيّة، ومع أنّه كلمة حق، إلا أنّه أُريد به خدمة الباطل وأهله.
تحت الرّكام
وهكذا شكّلت الهجمات الثقافيّة التي وقعت في العصر العباسيّ، والهجمات العسكريّة (الحروب الصليبيّة وهجوم التّتار) وعصور الانحطاط، وما تبعها من هجمات ثقافيّة وعسكريّة للاستعمار الأوروبيّ والصهيونيّ في العصر الحديث، مجموعة من الانهيارات والأثقال والعقبات والمثبّطات والأشواك التي ينوء تحتها العقل المسلم، بل إنّ هذا العقل يعيش تحت رُكام كثيف من هذه المرجعيّات المخالفة، ومن أمشاج الثّقافات المعادية التي ألغت تميّزه، وحجبت عنه نور الحياة الإسلاميّة الصّحيحة.
أما الجانب الثقافّي والنقديّ - وهو موضوع اهتمامنا- فقد نشأ النقد العربّي في العصر العباسيّ تحت مرجعيّة واحدة تحكمت في خطوطه العريضة وتأسيس مقولاته، وهي عائدة للعقل الفلسفيّ، عندما اخترق العقل المسلم مرّتين: الأولى في العصر العباسي، والمرة الثانية في عصر الاستعمار والتبعيّة والانفتاح، ومعنى ذلك أنّه في المرتين خضع لمؤثرات الثقافة الأوروبيّة: الثقافة اليونارومانيّة (اليونانيّة الرومانيّة) والثقافة الأوروبيّة الحديثة.
هل معنى هذا أن نغلق أبواب عقولنا نندب حظّنا؟ لا، ليس هذا ما نقصده، ولكنّ السؤال الجادّ الذي يجب أنْ نشغل أنفسنا في البحث عن إجابته، هو كيف ننتشل هذا العقل من وسط الركام الذي يكاد يغرقه ويفسده؟ حتى ينفض عن نفسه هذا الركام ويعود إلى مرجعيّته وتميّزه من جديد.
تفكيك الركام: