أسأل الله لك - أخية- العزيمة على الرشد، والثبات في الأمر، وأبشرك بأن العبد إذا علم وعمل وعلَّم، كان ربانيًا في ملكوت السماوات والأرض، لقد أمر الله الأنبياء أن يأمروا أممهم أن يكونوا معلمي الناس الخير، يقول تعالى:"مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ" [آل عمران:79] ، وروى الطبراني في الكبير (7473) ، والحاكم في المستدرك (317) من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - مرفوعًا:"من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرًا أو يعلمه كان له كأجر حاج تامًا حجته". قال الألباني:حسن صحيح. صحيح الترغيب (86) .
أيتها الفاضلة: أقبلي عرض الأمهات، واحمدي الله عليه؛ لأن الله إذا أحب عبدًا استخدمه في طاعته، جعلني الله وإياك هذا العبد، وإليك بعض التوجيهات التي تفيدك - إن شاء الله- في دعوة الناشئة:
(1) أخلصي النية، فإن من أخلص النيات كان لقوله وقع، وكان لفعله تأثير، وقد أمرنا الحق به فقال:"الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله..." [الأحزاب:39] ، وتأملي في إخلاص غلام مات وأحيا الله به أمة، أخرج مسلم في صحيحه (3005) ، والترمذي في جامعه (3340م) واللفظ له، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"كان ملك من الملوك ، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له، فقال الكاهن: انظروا لي غلامًا فهمًا، أو قال: فطنًا لقنًا، فأعلمه علمي هذا، فإني أخاف أن أموت فينقطع منكم هذا العلم، ولا يكون فيكم من يعلمه، قال: فنظروا له على ما وصف، فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن، وأن يختلف إليه، فجعل يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعة، فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مرَّ به، فلم يزل به حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله، قال: فجعل الغلام يمكث عند الراهب، ويبطئ على الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام إنه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك الكاهن: أين كنت؟ فقل عند أهلي، وإذا قال لك أهلك: أين كنت فأخبرهم أنك كنت؟ عند الكاهن، قال: فبينما الغلام على ذلك، إذ مر بجماعة من الناس كثير قد حبستهم دابة، فقال بعضهم: إن تلك الدابة كانت أسدا، قال: فأخذ الغلام حجرًا، قال: اللهم إن كان ما يقول الراهب حقًا فأسألك أن أقتلها، قال: ثم رمى فقتل الدابة، فقال الناس: من قتلها؟ قالوا: الغلام، ففزع الناس، وقالوا: لقد علم هذا الغلام علمًا لم يعلمه أحد، قال: فسمع به أعمى، فقال له: إن أنت رددت بصري فلك كذا وكذا، قال: لا أريد منك هذا، ولكن أرأيت إن رجع إليك بصرك أتؤمن بالذي رده عليك؟ قال: نعم. قال فدعا الله فرد عليه بصره، فآمن الأعمى، فبلغ الملك أمرهم فبعث إليهم فأتي بهم، فقال: لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه، فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى، فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله، وقتل الآخر بقتلة أخرى، ثم أمر بالغلام، فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا، فألقوه من رأسه، فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل، ويتردون حتى لم يبق منهم إلا الغلام، قال: ثم رجع، فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقونه فيه، فانطلق به إلى البحر ، فغرّق الله الذين كانوا معه وأنجاه، فقال الغلام للملك: إنك لا تقتلني حتى تصلبني وترميني، وتقول إذا رميتني: بسم الله ربَّ هذا الغلام. قال: فأمر به فصلب ثم رماه، فقال: بسم الله رب هذا الغلام. فوضع الغلام يده على صدغه حين رُمي، ثم مات، فقال أناس: لقد علم هذا الغلام علمًا ما علمه أحد، فإنا نؤمن برب هذا الغلام، قال: فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثة، فهذا العالم كلهم قد خالفوك، قال: فخدَّ أخدودًا ثم ألقى فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس، فقال: من رجع عن دينه تركناه. ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار، فجعل يلقيهم في تلك الأخدود، قال: يقول الله - تعالى-:"قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود"."
فبالإخلاص أحيا الله بموت هذا الغلام أمة.
(2) عليك - أيتها الكريمة-أن تقرئي في خصائص هذه المرحلة وما تتميز به، والمشكلات التي يواجهها المراهقون، ومع أهمية هذه النقطة، وأثرها الفاعل في نجاح الداعية إلا أن الكثير من المربين والمصلحين يغفل عنها، هبِ أنكِ سافرت لمدينة تريدين معلمًا فيها، مستعينة بالله، مطالعة لخريطة لهذه المدينة تحدد لك أماكنها ومعالمها، سائلة قاطنًا فيها خبيرًا بها، لا شك أن وصولك للهدف سيسهل، وستوفرين عليك الكثير من الوقت والجهد، بخلاف ما لو دخلت المدينة بدون خبرة، ستأخذين وقتًا، وستهدرين جهدًا للوصول للهدف، لا تبدئي من حيث بدأ الآخرون، بل ابدئي من حيث انتهوا، واستفيدي من تجاربهم وخبراتهم، والمؤمن كيس فطن، يحرص على ساعات عمره، والحكمة ضالته أينما وجدها أخذها، أنصحك بقراءة كتب عن المراهقة منها: سيكولوجيا المراهق المسلم المعاصر، وكتب د. عبد العزيز النغيمشي التي تناولت موضوع المراهقة، وعلى كل حال فإن مجموعة الفتيات اللاتي تتحدثين إليهن يمثلن: مرحلة المراهقة الأولى وهي ما بين (11-14عامًا) ، وتتميز بتغيرات بيولوجية سريعة، ومرحلة المراهقة الوسطى (14-18عامًا) وهي مرحلة اكتمال التغيرات البيولوجية.
(3) الفتيات يحببن من يشعر بهن، ويتنفس مشكلاتهن؛ لأنهن يعشن مرحلة معينة لها خصائصها في وقت كثرت فيه المتغيرات، وتسلط فيه الغزو الفكري بشتى صوره، فأضحى الجيل مولعًا بالتبعية، فاقدًا للهوية، فارغ الروح، منهك البدن فيما يضره ولا ينفعه، فاحرصي أن تطرحي موضوعات تتناسب مع سن الفتيات والعصر الذي يعشنه، ليس من الحكمة في شيء أن أحدث الفتاة عن قيام الليل، وهي لا تصلي أصلًا، أو عن طلب العلم وهي غارقة في بحار الشهوات، وقديمًا قيل: (التخلية قبل التحلية) ، كوِّني لك قاعدة بيانات تستقينها من أوساط الفتيات عن أهم الموضوعات اللاتي تحب الفتاة التعرف عليها، أو المشكلات التي تواجهها، فتشعر الفتاة المتلقية منك أنك قريبة منها، ملامسة لواقعها، لديك إحساس بألمها، ولتكوين قاعدة البيانات وسائل منها:
1-إن كنت عاملة في سلك التعليم، أو لديك من هو في هذا السلك، فما عليك إلا وضع استبانة تتناول أهم الموضوعات التي تحبين التعرف عليها، سواءً كانت دينية أو اجتماعية، أو نفسية، أهم المشكلات التي تواجهينها، البرامج التي تحبين متابعتها، وماذا تحوي؟ الكتب التي تقرئينها، وما المادة المطروحة فيها وما إلى ذلك.
2-الدخول إلى مواقع الإنترنت التي تتحدث عن الفتيات.
3-عن طريق المجلات الإسلامية التي تخاطب الفتاة المسلمة، فإنها غنية بكثير من الموضوعات المعدة للطرح والمناقشة.
وأذكر أني مرة ألقيت على طالباتي في الكلية عن القنوات الفضائية بين السلب والإيجاب، وطرحت كثيرًا من البرامج التي تتَّبعها الفتيات، ثم بينت مواضع السلب فيها، وما ترنو إليه من هدم للأخلاقيات، فوجدت تجاوبًا عجيبًا من قبل البنات، وما ذلك إلا لوجود ترابط بين ما يرين ويسمعن، وبين ما كنت أحكيه لهن.