وتابع الشيخ سيدو في حوار مع شبكة (الإسلام اليوم) التأكيد على أن النفوذ السياسي والاقتصادي في بلاده مازال في أيدي النصارى، على الرغم من أن المسلمين يمثلون أغلبية في البلاد، وهذا يعود في المقام الأول إلى الإرث الاستعماري، الذي خطط لهذا الأمر جيدًا، ولا يزال مخططُه يصادف النجاح.
وفي السطور التالية نناقش العديد من القضايا مع الشيخ جالو سيدو، الأمين العام المساعد للمنظمة الثقافية للتنمية الإسلامية ببوركينا فاسو..
هل لكم في البداية أن تلقيَ لنا الضوء على أوضاع المسلمين في بوركينا فاسو؟
يشكل المسلمون 65% من سكان البلاد البالغين (14) مليون نسمة، وعلى الرغم من هذه الأغلبية إلاّ أن النفوذ السياسي والاقتصادي مازال في يد الأقليّة النصرانية؛ إذ سيطر النصارى على حكم البلاد بعد استقلالها عام 1960، باستثناء الجنرال أبو بكر سانغولي لاميزانا، الذي عاش مسلمًا وتُوفي كذلك، بعكس خلَفه العقيد سي زيربو، الذي كان مسلمًا إلى أن أطيح به، وبعدها تحول إلى فيلسوف، وارتد عن الإسلام، وأصبح تابعًا للمنظمات التنصيرية، وألف كتيبًا زعم فيه أن الله هداه إلى الطريق الصواب، وأنار قلبه بالنصرانية.
وتعود سيطرة النصارى على الحكم في بوركينا فاسو إلى المخططات السرية، التي رسمها المستعمرون، والتي مازالوا ينفذونها حتى الآن، عبر إعداد طبقة من المواطنين وتثقيفهم وتعليمهم، بما يكفل لهم الولاء المستمر للعرب وخدمة أهوائهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
فقر وبطالة
هل لكم أن توضحوا لنا طبيعة الأوضاع الاقتصادية في بوركينا فاسو خاصة بالنسبة للمسلمين؟
الأوضاع الاقتصادية سيئة جدًا، وتُعدّ البطالة والفقر من المشكلات التي تهدد مسلمي بوركينا فاسو، خاصة في أوساط الشباب الذين تزيد نسبتهم على 70% من مسلمي البلاد، وقد أدى انتشار الفقر إلى ذيوع العديد من الأمراض في أوساط المسلمين.
وطبعًا إذا انتشر الفقر، فمن المؤكد أن البطالة تتفشى في أوساط الشباب المسلم، وقد أعطى ذلك الفرصة لغير المسلمين؛ لاستغلال هذه الظروف القاسية، بإنشاء مصانع المسْكرات والخمور وبيوت الدعارة للزنا والفسوق، فضلًا عن انتشار أندية القمار بدعم وتشجيع من قِبل الدولة؛ لنشر هذه الأعمال والمهن، التي تدمّر مستقبل المسلمين، وتنشر الفتن والمصائب. وتُجبر الأوضاع الاقتصادية الكثير من الشباب المسلم والشابات المسلمات للسعي وراء هذه المصانع؛ لتدبير قوت يومهم.
لكن لماذا انتشرت البطالة والفقر في أوساط المسلمين؟
الأمر يعود إلى حزمة من الأسباب، أهمها: انحسار فرص العمل في القطاع الحكومي، وضعف حركة القطاع الخاص، وانعدام المشاريع التنموية والاستثمارية في مناطق المسلمين، وهو أمر يتم بتخطيط محكم من المسؤولين غير المسلمين، ويلعب كذلك ضعف التكوين العلمي والمهني لأبناء المسلمين دورًا في ذلك، فالكثير من أبناء المسلمين أميّون، كما أن المتعلمين منهم لا يُقبِلون إلى تعلّم التخصصات العلمية والمهنية، التي تجعلهم سلعة قيّمة أمام الدولة ومؤسساتها، ويعود هذا الأمر إلى اعتقاد أولياء أمور الطلاب المسلمين أن دراسة أبنائهم في المدارس الفرنسية ستؤدي بهم إلى الكفر والطغيان والضلال، مع الوضع في الاعتبار كذلك، عجز هؤلاء عن تسديد الرسوم الدراسية في تلك المدارس العلمية المتخصصة.
من المؤكد أن هذه الظروف قد ساهمت في تراجع الوعي الديني لمسلمي بوركينا فاسو؟
هذه الظروف الاقتصادية كان لها أثر سلبي على الوعي الديني، فهل ننتظر من شباب يمارسون التسوّل، وتنتشر في أوساطهم الشعوذة والدجل، أن يكونوا على قدر وافٍ من الثقافة الإسلامية؟ وتزداد الخطورة على الهوية الإسلامية لهم، إذا وضعنا في الاعتبار، حالة التفكّك التي تعاني منها الأسرة المسلمة، وضياع التربية الإسلامية؛ نتيجةً لانصراف كلٍ من الآباء والأمهات لمعركة الحياة اليومية، وانتشار ظاهرة التشرد في أوساط المسلمين، مما يسمح باصطيادهم في شبكات مشبوهة، بالإضافة إلى رسوخ اعتقاد في الأغلبية العظمى من المسلمين بأن العلم والدين لا يؤهِّلان للحصول على وظيفة تؤمِّن لهم أساسيات الحياة.
مخطط التنصير
لا شك أن كل هذه الأجواء تهيّئ الساحة لوجود المنظمات التنصيرية التي تُبدي اهتمامًا كبيرًا ببلدان الغرب الأفريقي؟
لقد وضعت المنظمات التنصيرية بوركينا فاسو منذ زمن طويل في دائرة اهتمامها، وتبنت الكثير من الخطط المدروسة؛ لتذويب هوية مسلمي البلاد. ويأتي على رأس هذه المنظمات الكنيسة الكاثوليكية بالفاتيكان، التي أرسلت من يسمونهم بـ"المنصرين"، ودعمتهم بالأموال؛ لإنشاء مدارس، ومراكز صحية، ومشاريع استثمارية، ربطتها بالكنائس وبالمسؤولين الموالين لها، واستخدموا سلاح التعليم المجاني، وتوزيع الأدوية والملابس والأطعمة على الطلاب، مما ساعد على وصول دعوتهم وتأثيرهم على الصغار والكبار. وتواصل كنائس الفاتيكان مخطّطها الخبيث، فقد قدّمت تبرعاتٍ ماليةً كبيرة؛ لبناء جامعة عالمية في مدينة بوبو جولاسو؛ لتخريج القادة وصُنّاع القرار في بوركينا فاسو، على الرغم من الطابع الإسلامي لهذه المدينة، الذي يحاولون تغييره بإنشاء كنيسة عملاقة، عدّها الكثيرون ثاني أكبر كنيسة في غرب إفريقية بعد كنيسة أبيدجان في ساحل العاج. ولا يجب أن تندهش، فهل تعرف أن هنا أكثر من (4000) مؤسسة تنصيرية موجودة في بوركينا فاسو، بين معهد ثانوي، ومدرسة ابتدائية، ومركز مهني، وجمعية خيرية، تحاول إعادة مجد الصليب المزعوم؟
(صياغة أفكار)
تستخدم منظمات التنصير وسائل عديدة؛ لنفث سمومها نرجو أن تحدثنا عن طبيعة الاحتراف التنصيري للمجتمع الإسلامي البوركيني؟
تلعب المنظمات التنصيرية دورًا كبيرًا في صياغة الأفكار والمبادئ والتأثير على الجمهور، لصالح الكاثوليك والبروتستانت وشهود ياهو، وتعمل الحركة التنصيرية ليلًا ونهارًا؛ لإقناع الشباب وإغرائهم بالأكاذيب والخرافات، وبأن الدين المعترف به عند الله هو الدين المسيحي، وذلك لتحقيق عدة أهداف أهمها: بناء حاجز بينهم وبين الإسلام؛ ولمنع انتشار الدعوة الإسلامية في تلك القرى، وإفساد العقيدة الإسلامية في النفوس والضمائر. وتبذل هذه المنظمات جهودًا مكثفة؛ لتنصير أكبر كمّ من المسلمين، عبر إرسال منصرين إلى القرى النائية، وتهيئة الظروف المناسبة لإنجاح دعوتهم، وتوزيع دوريات ونشرات وكتيبات ونسخ من الكتاب المقدس، فهم يتجولون من بيت إلى بيت، حاملين حقائبَهم المملوءة بالكتيبات والمجلات، زاعمين أن المسيح هو الذي أرسلهم لهداية الناس.
وهناك مسؤولون يدعَمون أنشطة هذه المنظمات بقوة، ويقدّمون كافة التسهيلات لمراكز التنصير في العاصمة واجادجو، وبوبو جولاسو، العاصمة الاقتصادية، وديدوجو، لدرجة أنهم يقدّمون تقارير وافية عن أوضاع المسلمين وتحركاتهم الدعوية في المناطق المختلفة لهذه المنظمات، لدرجة أن هؤلاء المسؤولين إذا سمعوا عن افتتاح مسجد في منطقة، أسّسوا كنيسة فيها، وإذا رأوا أن داعية استقر في مكان، أرسلوا منصرًا يسكن بجانبه؛ لمواجهة جهوده الدعوية ومحو أي آثار إيجابية له في صفوف المسلمين.
(ضعيف ومحدود)
إذ كان التنصيريون ينتشرون بهذه الكثافة فما طبيعة الوجود الإسلامي في بوركينا فاسو؟