هذه النصوص السابقة من القرآن الكريم تجيب، في كل آن، على التساؤل عما إذا كان - أو لم يكن - هناك سبب يفسر وجود الإنسان. والإسلام يؤكد كل التأكيد أن لوجود الإنسان سببًا وأن هذا السبب هو عبادة الله تعالى. إن الإرادة الإلهية على ضربين: ضرب متحقق حتمًا يتمثل في السنن الإلهية التي يجري الكون على أساسها، وهي قوانين الطبيعة. وهذه السنن ثابتة ومتحققة على مستوى الكون كله. ومن الممكن أن تفهم عن طريق الوحي أو عن طريق العقل. وقد أوجب الله على الإنسان أن يبحث عنها وأن يفهمها ويقننها من أجل المعرفة ثم يستخدمها لصالحه. أما الضرب الثاني من القوانين الإلهية: فيتحقق فقط عن طريق الحرية والاختيار، أي عندما تتحقق في وضع يكون فيه تحقيقها أو عدم تحقيقها إمكانيتين متميزتين. وتلك هي القوانين الخلقية. إنها تتعايش مع قوانين الطبيعة، بمعنى أنها تتحقق دائمًا في سياق من الأشياء والأشخاص والعلاقات في العالم الواقعي، لكنها تنتمي إلى ضرب مختلف عن الواقع المحتوم. إنها عملية أولويات. فأن تصبح جزءًا من الموقف الواقعي وأن تتحقق من خلاله أولًا، أمر يعتمد على تحقق ذلك الموقف، أو على المتطلبات الخاصة بهذه القوانين الخلقية. إنها تتطلب ممارسة الشخص لإرادته ممارسة حرة. ولهذا فإن"السماوات والأرض والجبال"عجزن عن حمل"الأمانة"الإلهية لعدم وجود هذه الإرادة لديهن. وحملها الإنسان لأنه دون باقي المخلوقات يتمتع بهذه الحرية الأخلاقية. وهذه الإمكانية لديه جعلته في وضع أسمى من الملائكة الذين لا يتمتعون بالحرية في أن يطيعوا أو لا يطيعوا. وهذا هو السبب في أمر الله لهم أن يسجدوا لآدم. فكان انعدام حرية الإرادة لديهم سببًا في إنزالهم عن مرتبة الإنسان. هم كاملون ويستطيعون فقط أن يطيعوا أوامر الله. إنهم يقدسون الله ويسبحونه دائمًا ولا يعصون له أمرًا. وعلى هذا، فإن طاعة الإنسان لله أعلى قيمة من طاعة الملائكة، وما ذلك إلا بسبب أنها تصدر عن إنسان لديه القدرة أن يفعل عكس ذلك. فإعراض مثل هذا الإنسان عن طريق الشر، أو ترفعه عما هو أدنى، أو إعراضه عن الخير المادي النفعي الأناني، ثم اتجاهه بمحض اختياره إلى فعل ما يتطلبه القانون الأخلاقي إنما هو إحراز لقيمة أسمى. إن الحياة الأخلاقية لهي ضرب من الحياة أعلى وأنبل وأعظم. وإن النمط الأعلى من الإرادة الإلهية يدخل التاريخ ويصبح واقعا حين يختار البشر في حرية أن يحققوه. ومن هنا، فإن الإنسان يعتبر وصلة كونية بين الإرادة الإلهية والواقع الحقيقي. وواضح أن وجوده عظيم الأهمية.
ب- الخلافة: إن حمل الإنسان للأمانة الإلهية يجعله في مقام الخلافة أو النيابة عن الله. وتتمثل خلافته في إنفاذ القوانين الأخلاقية التي هي والقوانين الدينية شيء واحد، وإن كانت الأخيرة تتحكم كذلك في الشعائر التعبدية وهي قليلة. لكن حتى هذه لها جوانب ليست تعبدية أو أخروية محضة، وإنما لها - من حيث خصائصها وآثارها - علاقة قوية بهذه الدنيا. أما باقي التشريعات الدينية أو الأخلاقية فكلها عبارة عن ممارسات فعلية للحياة والوجود والعمل. وما تضيفه هذه القوانين للممارسات الفعلية إنما هو الصفة أو المنظور أو الطريقة التي يتم بها تصريف تلك الممارسات المتشابهة. إن من الطبيعي أن يشتهي الناس وأن يكبروا ويتمتعوا، أن يطلبوا وأن يتملكوا، وأن يحبوا وأن يتزوجوا وأن ينجبوا، وأن يتسلطوا وأن يمارسوا القوة الخ، والإسلام يحب لكل هذه الأنشطة أن تستمر، إنه لا يشجبها ولا يود لها أن تتوقف كما هو شأن النصرانية والبوذية ، كل ما يطلبه الإسلام ما الناس أن يقدموا على هذه الأفعال بدوافع مختلفة وأن يؤدوها بطريقة مختلفة. الدافع المختلف هو أن يبتغوا بها وجه الله. والأسلوب المختلف هو أن يؤدوها بالعدل وبالحق بحيث تؤدى إلى تحقيق غاياتها النفعية والأخلاقية دون أن يلزم من ذلك حدوث نتائج غير مرغوبة أو غير عادلة أو غير أخلاقية.
والوحدة المشار إليها سابقًا بين القوانين الأخلاقية والعبادات الدينية تأتي من أن الإسلام لا يفضل الدين عن الدنيا. فمن وجهة نظره، توجد حقيقة واحدة فقط لا حقيقتان كما هو شأن الأديان التي تقسم الحياة إلى قطاعين: ديني مقدس وعلماني. ليس هناك شيء مقدس بهذا المعنى سوى الله. كل شيء في نظر الإسلام مخلوق وليس مقدسًا، ويفترض أنه خير ما دام من صنع الله. وطريقتنا في أداء ما نفعل هي التي تحقق المتطلبات الدينية أو الأخلاقية أو لا تحققها . فإن فعلت فالعمل خير، وإلا فهو شر. وعلى هذا، فإن أفعال الإنسان وحده هي التي يمكن أن تكون خيرًا أو شرًا بناء على ما تؤول إليه من تحقيق العدل والحق والجمال والسعادة أو عكس ذلك. وعلى هذا، فصفة"التدين"لا تعني أن ينسحب الإنسان من الممارسات المعتادة في الحياة ولا أن يقتصر على الأعمال الخالية من أي قيمة نفعية. فأمر الدين كله إنما هو صفة لنفس الممارسات الحياتية. وعلى هذا الأساس يبقى الإسلام ملتحمًا بواقع الحياة والتاريخ. وفي خارج نطاق الحياة والتاريخ ليس ثمة فضيلة ولا تقوى، بل ولا إسلام. وقد ترى النصرانية والبوذية الدين في غير مجريات الحياة والتاريخ، وقد تفرضان إذلال النفس والتنسك والرهبنة والمجاهدة، بل وتجميد تلك المجريات نفسها. إنهما تفعلان ذلك لأن مجريات الحياة والتاريخ في نظرهما أهل للشجب على أساس أنها شر ومحكوم عليها بالهلاك. فالمسيحية تؤمن بأن الخليقة"آثمة"و"شر"و"لا خير فيها"، وترى الخلاص من ذلك في الإيمان بالمسيح وتقليده. كذلك، فإن البوذية تؤمن بأن الخليقة"شر"لا شيء فيه سوى الألم والمعاناة، وتفرض إنكار الذات وإنكار الحياة كباب للخلاص من مجريات الحياة والتاريخ.
أما الإسلام فإنه ينكر مثل هذه المسلمات المسبقة التي تلعن الحياة والتاريخ، ويرى أن الخلقة خير وأن الله سبحانه وتعالى خلقها لغاية طيبة ، وأن تحقيقها يتأتى بالإخلاص لله وطلب العدالة للبشر. والمشاركة في مجريات الحياة من أساسيات نظرة الإسلام للإنسان. لقد عين الله سبحانه وتعالى للإنسان هدفين ليحققهما. الأول، أي أن يعيد ترتيب جزئيات الحياة بحيث تصبح بكل طاقاتها في خدمة الحاجات الإنسانية، يستوي في ذلك الجزئيات المادية (من طعام ومأوى وراحة وإنجاب) والخلقية والفكرية والجمالية. الثاني، أن على البشر في عملية توجيه الخليقة نفسها أن يستعْلوُا بالقيم الخلقية فينتقوا منها - للدخول في عمليات التوجيه تلك وعلى أسس أخلاقية - ما يحقق ما يقتضيه الإخلاص لله وتحقيق العدالة البشرية.