يقول ابن الجوزي معلقا: وهذا مذهب المحبين بلا خلاف فمن أحب الله ورسوله كان أدنى شيء منهما أحب إليه من كل هذه الدنيا وما فيها.
فالمسألة الاندفاعية في العاطفة هذه قضية عظيمة ومن أمثلتها: التقديس والتبخيس والتهوين والتهويل: من أحببناه جعلناه ذلك الرجل الذي كأنما هو ملك مبرأ من كل عيب أما علمه فغزير وأما رأيه فسديد وأما منطقه ففصيح وأما تصرفه فحكيم، كأنما لم يكن فيه عيب مطلق ونحن حينئذ نقول: هو الأول وهو الآخر وهو الذي ينبغي أن يكون … أين هذا من ذلك الاتزان حتى النبي عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) ويقول: (قولوا بقولكم أو ببعض قولكم) يعني يجعل هذا الاعتدال في شخصه عليه الصلاة والسلام وهو من هو في عظمته ومكانته عند ربه سبحانه وتعالى ولذلك مما رواه أبو هريرة وهو من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان الرسول صلى الله عليه وسلم أحب شيء إلينا رؤيته فإذا أقبل علينا لم نقم له لأنا نعرف كراهيته لذلك.
وأحيانا إذا انتقصنا إنسانا وكان غير مقنع لنا فلا نكاد نرى له حسنة من الحسنات:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
وهذه قضية واضحة ونعرف الأمثلة في هذا قصة سلمان رضي الله عنه ولا أريد أن أطيل.
إذن هل نحن الآن مع الحماسة؟ وإلا فترت حماستنا للحماسة والمتحمسين لكننا نقول: لا للتهور، الحماسة التي قلناها باقين على عهدنا بها وعلى تأييدنا لها.
الحماسة المتهورة:
ثم نمضي مرة أخرى إلى الحماسة المتهورة: ما أسباب هذا الذي رأيناه من قبل؟ لابد أن نعرف العلل من خلال أسبابها وبداياتها حتى نجتنبها وحتى نتقيها فالوقاية خير من العلاج أول هذه الأسباب:
1-قصور في العلم:
مشكلة الجهل هي آفة الآفات ومن الجهل: جهل بسيط وجهل مركب كما تعلمون، الجهل الذي نقصده هناك غياب كثير من الأصول العلمية المهمة:
معرفة النصوص الشرعية في كثير من الميادين الحياتية والمسائل الآنية المستجدة، معرفة القواعد الشرعية كما قلت التي هي خلاصة إستقراء للأدلة النصية ، معرفة المقاصد الشرعية التي هي خلاصة غايت هذا الدين وأهدافه، معرفة السنن الربانية في طبيعة هذه الحياة وطبيعة قيام الدول وسقوطها وطبيعة مآل المتقين وعاقبة المكذبين والكافرين قضايا كثيرة لابد أن ندركها ونعرف أنها سنن ماضية لا تتبدل:
{ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } (فاطر: من الآية43) .
لابد أن يكون عندنا يقين ومعرفة وتشرب لهذه المعاني حتى لا نندفع مع العاطفة بعيدا عن هذه الأصول العلمية المهمة وكما قلت الأمثلة قد تطول ولكنني أذكر عندما نتلو قول الله سبحانه وتعالى:
{ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ } (محمد: من الآية7) .
عندما نقول:
{ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } (هود: من الآية49) .
{ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُون َ} (الروم:60) .
هذه معاني مهمة النبي عليه الصلاة والسلام طبقها والصحابة على سبيل المثال بعض الأمثلة.
في سنن أبي داود نفر من الصحابة كانوا في سفر شج أحدهم أصابته الجنابة استفتى أصحابه، قالوا: لا لابد أن تغتسل الجو بارد والرجل مشجوج، قالوا: لابد أن تغتسل، فاغتسل فمات، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (قتلوه قتلهم الله، أ فلا سألوا إذ لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال) كم من القضايا الضخمة الهائلة والمسائل الكبيرة التي من المفترض أن لا يتكلم فيها إلا أكابر العلماء مجتمعين وإذا بك تجد ذلك الشاب في مقتبل العمر يتناول الحديث فيها ويفتي فيها ويعطي القول الحاسم والجازم ويرفض كل ما يخالف رأيه وقوله وهذا في غالب الأحوال ليس عن أساس علمي وإنما هي عن اندفاعات عاطفية وخليط ومزيج من هذه التجاذبات التي تجتمع لدى هذا أو ذاك وكما قلت المسائل كثيرة.
2-النقص في الوعي:
والوعي هو: إدراك المسائل من جميع جوانبها ومعرفتها من كل وجوهها، كثيرا ما تكون النظرة إلى جانب واحد تذكرنا بالقصة المشهورة للعميان الثلاثة الذين اتفقوا هل رأوا الفيل؟ فأحدهم وقعت يده على خرطومه، والآخر وقعت يده على أذنه، والثالث فكل عندما وصف إنما وصف الجزئية التي رآها وكان الوصف أبعد ما يكون عن الحقيقة لأنه لم تكتمل الأجزاء حتى تتكامل الصورة بشكل واضح معرفة الواقع أصل مهم في تنزيل الحكم الشرعي على هذه المسائل وهذه مسألة طويلة وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد فصولا نفيسة في هذه المسألة وقال: إن كل عالم ينبغي أن يكون عالما بالشرع وبصيرا بالواقع حتى يستطيع أن ينزل هذا على ذاك نقص لوعي لما وراء هذه الأمور وم يترتب عليها من المفاسد والمصالح والرؤية التكاملية إذا غابت فإنها في غالب الأحوال يقع لها يعني بها مثل ذلك الذي أشرنا إليه.
3-الضعف في التربية:
كثيرة أجيال الشباب الذين لم يتلقوا تربية متكاملة منهجية على الأصول الإسلامية كثيرون منا كنا في أوقات ليس عندنا أحد يرشدنا أو ربما لقد كنا سرنا في طرق من التسيب أو التفلت أو تجاوز المحارم أو نحو ذلك ثم بعد ذلك عدنا أو كانت لنا ثقافات خليطة ثم بعد ذلك حاولنا أن تكون لنا ثقافة أصيلة هذا الخليط فيه ضعف في التربية ليس فيه تعود على منهجية متكاملة على سير واضح على تخطيط بين على صبر وانضباط كثيرا ما يكون عبارة عن هذه الردود الانفعالية وكثيرا ما نرى الجوانب المتضادة فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بغير أن تمر أو بغير أن يكون هناك مرور على منطقة الوسط وهذا مشاهد في كثير من الجوانب.
4-إحباط في الشعور:
وهو لعله من أخطرها وأكثرها تأثيرا في الشباب الذين يتهورون وهو: الإحباط في مشاعرهم من نواح عدة أول هذه النواحي:
تسلط الأعداء وهيمنتهم على أحوال وأوضاع بل وبلاد الأمة الإسلامية في عجز فاضح وتخاذل واضح وسلبية مؤلمة ومحزنة:
هذه عند الشباب المتحمس يرى ذلك فتغلبه عاطفته وتتقد حماسته وربما عند غياب ما سبق تضيع الرؤية وطيش العقل وينعدم الرأي السديد المبني على العلم الصحيح وهذا نحن نعرف واقعه ونعرف كم هي بلاد الإسلام التي احتلها الأعداء وتسلطوا عليها ليس لسنة ولا سنتين ولا لعقد ولا عقدين بل لما هو أكثر من ذلك ولعل فترات الزمن الأخيرة كان فيها كثير مما يعد هزائم وتراجعات المسلمين على مستويات عدة بل على المستويات الحضارية والعلمية وهذا عند من تتقد نفسه غيرة وحمية لابد أن يكون لها أثر فإذا زاد حجم هذه القوة حجم هذا العدوان وحجم هذه الهزائم أصبحت أكبر من أن تحتملها نفسه فيخرج إلى غير حد اعتدال وإلى غير تصرف الاتزان وهذا أمره أيضا واضح.
الأثر الثاني في إحباط الشعور: أيضا كثرة الانحراف والخلل والتجاوز في مجتمعات المسلمين نفسها في حدود الله عز وجل:
نحن نعرف كم في بلاد المسلمين من هذه التجاوزات كم في بلاد المسلمين من إقرار المنكرات والقيام بها وإعلانها وتبنيها، كم فيها مما هو مخالف لشرع الله ويمنع شرع الله ويبيح ما يخالف شرع الله وهذ قضية لا شك أن كل ذي غيرة وإيمان يضيق صدره بها وتغلي نفسه ويشتعل قلبه حزنا وألما ورغبة في أن لا يكون مثل ذلك لكن عندما تفقد بعض هذه الصور يكون أيضا ما ذكرناه.
وجانب ثالث: وهو سوء المعاملة والظلم في التعامل مع هؤلاء الشباب: