فهرس الكتاب

الصفحة 800 من 3028

ومن الحقائق المؤكدة أن التدخل الامريكي في جميع بقاع الأرض كان لإجهاض الديموقراطية وليس نشرها، ووصل الأمر إلى إعطاء الإدارات الأمريكية المتعاقبة بعض الدول في العالم الثالث الضوء الأخضر لتزوير الانتخابات، والمشهد الفلسطيني ليس عنا ببعيد حين فازت حماس في انتخابات شهد العالم كله بما في ذلك أحد رؤساء أمريكا السابقين بأنها كانت نزيهة، ولكن الإدارة الأمريكية فرضت عليها الحصار المالي، ولم تعترف بها وتآمرت من أجل الإطاحة بها.

لماذا عادت ظاهرة الاستعمار العسكري من جديد باحتلال العراق وأفغانستان بعد أن تخلصنا من المستعمر الأوروبي منتصف القرن الماضي بعد جهاد طويل ودامٍ؟

احتلال أراضي الدول الأخرى ونهب ثرواتها خاصة إذا كانت هذه الثروات ترتكز على النفط المطلوب لإدارة الآلة الصناعية الغربية جزء أصيل من الرؤية الغربية، فمنذ منتصف القرن التاسع عشر بلورت المنظومة الحضارية الغربية رؤيتها للعالم وللآخر وللذات، وتنطلق هذه الرؤية من أن العالم في جوهره مادة، وأن ما يحكمها هو قانون الحركة المادية، وأن ما هو غير مادي ليس بجوهري، ولا يمكن أن يُؤخذ في الاعتبار حينما ندير شؤون دنيانا ومجتمعنا، بمعنى أنه لا يوجد معايير إنسانية أو أخلاقية أو دينية تحكم حركة الإنسان والدول.

وفي هذا الإطار تحركت جيوش أوروبا ثم الولايات المتحدة، واقتسمت العالم فيما بينها، وحوّلته إلى مناطق نفوذ، وفرضت رؤيتها على العالم بأسره، وهذه الرؤية يمكن أن نلخص سماتها الأساسية في أن الصراع هو أساس العلاقة بين الدول، وبين الدولة والفرد، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، أي أن ما ساد هو رؤية ميكافيللي وهوبز للإنسان (الإنسان ذئب لأخيه الإنسان) ، وهي ذاتها الرؤية التي طورها داروين عالم الأحياء المعروف واستفاد منها كارل ماركس، وتسيطر هذه الرؤية حاليًا على العلاقات الدولية والإنسانية، وعلى اقتصاديات السوق، سواء على المستوى المحلي أو المستوى العالمي.

باعتقادك، ما هو الإطار الفلسفي الذي يحكم الرؤية الغربية؟

الذي يحكم الرؤية الغربية هو فكرة الدولة القومية التي تركز كل السلطات في يدها حتى يمكنها تجنيد كل عناصر المجتمع في خدمتها، وحتى يمكنها أن تصوغ المواطن حسب قوالب محددة تضمن ولاءه الكامل، الأمر الذي أدى إلى إضعاف المجتمع المدني وتهميشه، إلى جانب سيادة الفكر القومي المتطرف (الشوفيني) ، وهو فكر ليس له مرجعية إنسانية أو أخلاقية.

والانتماء القومي في هذا الإطار يعطي صاحبه حقوقًا مطلقة، فلو قرر أعضاء قومية ما أو عرق ما أن من حقهم ضم هذه الأراضي أو طرد هذا الشعب أو حتى إبادته (كما جري في أمريكا الشمالية وفي ألمانيا النازية وإسرائيل الصهيونية) فهو حق لا يمكن لأحد أن يعترض عليه، وهو حكم لا يمكن استئنافه، وهذا الإطار الفكري والمرجعي أفرز فكرًا عنصريًا كريهًا قسم العالم إلى عالم غربي متقدم وعالم غير غربي متخلف.

ومما زاد من حدة الصراع وشراهة الدول الاستعمارية أن التقدم رُبط بمعدلات الإنتاج والاستهلاك، وهذا أمر منطقي في الإطار المادي المنفصل عن القيم الإنسانية والأخلاقية، بخاصة أن الافتراض الذي ساد هو أن المصادر الطبيعية لا تنفد، وفي هذا الإطار نسيت قيم إنسانية أساسية مثل: العدل والمساواة والتوازن والطمأنينة والحفاظ على البيئة.

هذا هو الإطار العام للمنظومة الحضارية الغربية التي يتحرك العالم بأسره - عن وعي أو عن غير وعي - من خلالها، وقد أدى ذلك إلى بروز محاولات هامة للتصدي للمنظومة الحضارية الغربية تمثلت في حركات التحرر الوطني، التي واجهت الاستعمار، وحاربت قواته حتى استقلت كل الدول المستعمرة، وصفيت كل الجيوب الاستيطانية (باستثناء إسرائيل) لكن الغرب الذي تقوده الولايات المتحدة عاد مرة أخرى للاستعمار تحت دعاوى نشر الديموقراطية وإقامة الشرق الأوسط الجديد، أي في ثوب جديد لتحقيق أطماعه.

مررتم بتحولات فكرية من الشك إلى اليقين، ومن المادية إلى الإيمان، فكيف تم هذا التحول؟ وما هي ملامح رؤيتكم الحالية؟

حين تأملت حياتي ككل وجدت أن أهم ما فيها هو اكتشافي أن الحياة الإنسانية مركبة ومفعمة بالأسرار والثنائيات والتنوع، وليست أحادية، وأن الإنسان كائن فريد في العالم الطبيعي المادي، فهو جسد من طين ونفخة من روح الله سبحانه وتعالى.

ونتيجة هذا التأمل أدركت أن النموذج المادي عاجز عن تفسير سلوك الإنسان وعواطفه ودوافعه، إلى أن عرج بي فهمي للإنسان"الرباني"إلى الإيمان بالله وبدلًا من الوصول إلى الإنسان من خلال الله، وصلت إلى الله من خلال الإنسان، ولا يزال هذا هو أساس إيماني الديني وهو ما أسميه"الإنسانية الإسلامية"التي تنطلق من رفض الواحدية المادية والتي تصر على ثنائية الإنسان والطبيعة المادة، وتصعد منها إلى ثنائية الخالق والمخلوق.

ولم يحدث التحول الكامل من الرؤية المادية الواحدية إلى هذه الثنائية إلاّ في أوائل الثمانينيات، أي أن عملية مقاومة الإيمان من جانبي دامت لما يزيد على ربع قرن، وبالتدريج تحول الإيمان إلى رؤية شاملة للكون، وإطار للإجابة عن كل التساؤلات والمرجعيات بحيث يصبح العالم بلا معنى ولا مركز بدون الرؤية الإيمانية الإسلامية.

وبعد تحولي الفكري أصبحت أرفض كل ما هو غير إنساني، فأرفض عبادة الطبيعة أو التكنولوجيا أو العقل أو العاطفة أو المثالية الخالصة أو الروحية الخالصة، فهذه كلها مكونات متكاملة متناقضة؛ لأن الإنسان هذا الكائن الفريد يقع في نقطة تلاقي بين كل هذه العناصر، وذلك في سياق فهمي لقوله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر:28-29] .

هل لك أن تعطينا فكرة سريعة عن خصائص مشروعكم الفكري؟

مشروعي له بعد إنساني عام اكتسب التوجه الرباني بعد انتقالي إلى رحابة الإيمان، وقد تبدى هذا التوجه في كل مراحل مشروعي الحضاري الفكري سواء حين كتبت عن الصهيونية أو عن الأدب أو قصص الأطفال، وقد تآكل النموذج المادي في فكري لحساب النموذج الإنساني عبر الحكمة القائلة:"من عرف نفسه عرف ربه"، وأيقنت أن الدين نموذج معرفي متكامل وليس مجرد جزء له أهميته في حد ذاته، وأدركت أن المكون الديني ليس مجرد قشرة وإنما هو من جذور كيان الإنسان وهويته، كما بدأت أشعر أن الدين ذو فعالية في الواقع المادي الذي نحياه وليس فقط جزءًا مغلقًا من عالم الغيب أي أن الدين أصبح تدريجيًا في تصوري جزءًا من الكيان الإنساني وليس منفصلًا عنه.

هناك عدد من المفكرين يرفضون مصطلح"الغزو الفكري"فما رأيكم في هذا المصطلح؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت