وقد عقد اتحاد الكتاب المصريين بالقاهرة ندوة حول كتاب (الحرب الثقافية الباردة) وهو عنوان ترجمة الكتاب الأصلي للباحثة البريطانية الشابة فرانسيس سورين سندزر (من دفع للزمار ؟ ) والذي تروى فيه بالوثائق والمستندات الدامغة قصة الحرب الثقافية التي تشنها أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية للسيطرة على عقول شعوب العالم.
الهيمنة الثقافية الأمريكية
في مستهل الندوة أوضح الروائي فؤاد قنديل مقرر اللجنة الثقافية باتحاد كتاب مصر أن المؤلفة البريطانية بذلت جهودًا مضنية لتوثيق كل كلمة قالتها في كتابها ، الذي يقع في خمسمائة صفحة ، وشملت الوثائق مستندات حصلت عليها من أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية، بعد أن تم الإفراج عنها بمضي المدة القانونية ، وأن تلك الأجهزة تخفت وراء واجهة تحمل عنوان (مؤسسة الحرية الثقافية) والتي من خلالها استطاع رجال المخابرات التسلل إلى كل قطاعات الفن والثقافة والفكر في كثير من دول العالم ؛ لمحاربة الشيوعية في البداية ، ثم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بدأت تلك الأجهزة في محاولة بسط الهيمنة الثقافية الأمريكية على شعوب العالم ، تلك الهيمنة التي تمهد للسيطرة الاقتصادية والسياسية في مرحلة لاحقة .
وفى كلمته أشار طلعت الشايب المشرف على إصدارات المشروع القومي للترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة وهو مترجم كتاب (من دفع للزمار ؟) إلى أن ما يحدث اليوم من سيطرة أمريكية ثقافية واقتصادية هو ثمرة العمل الذي تم على مدى نصف قرن من الزمان منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وكان يقوم على استمالة وتجنيد عناصر من اليساريين السابقين ، والمعارضين والفنانين والمفكرين في العديد من دول العالم ، وتم ذلك سرًا ، وكان التمويل تقوم به مؤسسات أمريكية مخابراتية بعضها حقيقي والآخر وهمي تحت أسماء مستعارة ، ولكن الواجهة الكبيرة التي كان يتم ضخ الأموال عبرها هي (وكالة الحرية الفكرية) بهدف توجيه هؤلاء المفكرين والفنانين نحو رؤية أكثر توافقا مع الطرح الأمريكي الذي يقوم على الترويج لفكرة أن أمريكا هي المنقذ وهى التي تمثل عصر التنوير.
وأضاف طلعت الشايب بأن التمويل اتسع ليشمل الإنفاق على العديد من المؤتمرات والندوات والمعارض الفنية في مناطق مختلفة من العالم ، وطبع الكتب والمجلات التي تروج للثقافة الأمريكية تحت واجبات مختلفة ، وفى مرحلة مبكرة سعت المخابرات الأمريكية للتعاون مع الخارجية البريطانية وتم تشكيل إدارة (للعمليات القذرة) تشكلت من أبناء الصفوة في المجتمع الأمريكي والعاملين في مجال القانون والفن والمتفوقين علميًا ، وكان رونالد ريجان مسئول الدعاية في منظمة الحرية الثقافية ، وامتدت فروع تلك المنظمة وبلغ عددها عشرين فرعا في كل أنحاء العالم وأنشأت 20 مجلة منها مجلة (حوار) في بيروت ومجلة (شعر) في القاهرة.
التزام الصمت
وأشار طلعت الشايب إلى الصمت المريب الذي التزمت به الهيئات والمؤسسات الغربية تجاه كتاب"سوندرز"، ويرى أنه من المؤكد أن أحدا لن يجد أي حجة يدافع بها عن الحرب الثقافية التي تقودها المخابرات الأمريكية على شعوب العالم ؛ لأن الكتاب موثق بأدلة ومستندات دامغة ، ولعل بيان المثقفين الأمريكيين الذي نشر مؤخرًا والذي يؤكدون فيه عدالة الحرب التي تشنها أمريكا ضد الشعوب المسلمة تحت زعم محاربة الإرهاب نموذج واضح كل الوضوح لمساندة المثقف الأمريكي لصاحب القرار السياسي ، وتبرير القتل من أجل بقاء السيطرة للحضارة الغربية .
وتحدث الدكتور عبد العزيز حموده الناقد والعميد السابق لكلية الآداب جامعة القاهرة ومؤلف كتابي (المرايا المحدبة) و (المرايا المقعرة) في كلمة وضح فيها مذهب الحداثة الذي حولت المخابرات الأمريكية برامج نرويجية ونشرته، فأوضح أن الولايات المتحدة تسعى لفرض منظومتها الثقافية اتباعًا لمقولة"فوكوياما"حول نهاية التاريخ ، وضرورة عولمة الثقافة باعتبار شعوب العالم قطع تتحرك على وقعة الشطرنج التي تهيمن عليها المخابرات الأمريكية.
وتساءل ماذا نحن فاعلون ؟ وأجاب عن تساؤله قائلًا:
علينا أن نتعلم كيف نخاطب الآخر بلغته ؛ فالعزلة والتقوقع صارا ترفا مستحيلًا . وخطورة كتاب"سوندرز"أنه ملئ بالوثائق الدقيقة حول شيكات وأموال أنفقت واسماء من كلفوا تلك الأموال في مختلف أنحاء العالم ، وهذا يحفزنا إلى التدقيق في الأنشطة الثقافية التي تروج للفكر الغربي ، والتي يتولاها أفراد من بنى جلدتنا ويهدفون من أنشطتهم إبعادنا عن هويتنا العربية الإسلامية والحاقنا بالمنظومة الثقافية الغربية تحت حجج وأسانيد زائفة ، وآن الآوان أن نشجع البحوث والكتابات التي تصب في دعم وتأكيد تلك الهوية خاصة في نفوس النشء.
ومن جانب أوضح الدكتور عاصم دسوقى أستاذ التاريخ بجامعة حلوان أن فكرة إعادة تشكيل عقول العالم الثالث ليست جديدة ، و فكرة الاحتواء والاستيعاب هي قديمة منذ ظهور الاستعمار العسكري ثم بعد الثورة الصناعية وقد اكتشف الأوربيون أنهم مكروهون من الشعوب التي استعمروها ؛ لوجود قواعد عسكرية ، وبعد قيام حركات التحرر الوطني خرجت تلك القواعد ، وبعد التقدم الذي شهدته تكنولوجيا الأسلحة فقد أصبحت تلك القواعد بلا فائدة بعد أن أصبح هناك حاملات الطائرات والصواريخ العابرة للقارات.
تعدد أساليب الغزو الفكري
يضيف الدكتور عاصم دسوقى قائلا ..وحل الاستغلال الاقتصادي من جانب الغرب محل القواعد العسكرية ، وجاءت ظروف الحرب العالمية الأولى مواتية لأن تخرج الولايات المتحدة الأمريكية من عزلتها لتأخذ وضعها كقوة عالمية، وجاء الاعتماد على العمل الثقافي كوسيلة من وسائل الحرب الباردة بين القطبين الرئيسيين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة ونجحت أمريكا نجاحا باهرًا في محاربة المنظومة الشيوعية وسقط الاتحاد السوفيتي أخيرًا لتنفرد الولايات المتحدة بموقع القطب الواحد المهيمن على شئون العالم
وأساليب الغزو الفكري تعددت وتنوعت منها:
إقامة الجامعات الغربية في البلاد العربية ، وإرسال البعثات إلى أمريكا وأوروبا وهناك يتم غسل مخ المتبعث ليكره لغته وتراثه وينهمر بالغرب وثقافته ، ويعود للوطن داعيا مخلصا لتلك الثقافة التى تتصادم مع ثقافتنا العربية الإسلامية.
وأكد الدكتور عاصم دسوقي أن الغزو الفكري أخطر من الغزو العسكري وممن تنبهوا لفاعلية السلاح الثقافي برتمرند راسل عندما كتب (حكومة العالم) حيث طالب فيه بتخفيف جريمة البطولة من كتب التاريخ طاعة قيم البطولة والتضحية التي يتعلمها النشء منذ أيامهم الأولى هي التي تعطيهم المناعة ضد التشبع بالقيم الغربية ، ولعل هذا هو السبب في المحاولات الأمريكية التي تهدف إلى تغيير مناهج التعليم الديني والمقررات المتعلقة بالتاريخ الإسلامي في البلدان الإسلامية.