ولكن الأمة - في التيه - لم تستطع أن ترى السلبيات في"الحضارة"الغربية . فالعين المبهورة لا ترى إلا الأضواء ، وتعجز عن رؤية السواد الذي يحجبه الضوء اللامع ! كما أن دعاة الغزو الفكري كانوا يوجهون تلك العيون المبهورة دائما إلى الأضواء ، ويزجرونها زجرا أن تنقب بين الأضواء لتكتشف اللطخ السود !
لقد كان السواد الأعظم الذي يلقى ظله على العالم الإسلامي - والذي ينبغي أن يكون المسلمون أول من يحس وطأته - هو الاستعمار ، وما يرتكب ذلك الاستعمار من فظائع ، وما يوقعه بالمسلمين من إذلال .
ولقد كان الاستعمار هو التكذيب الفعلي لكل دعاوي الغرب في رفعة قيمه وإنسانية حضارته وإيمانه الحقيقي بما يرفعه من شعارات .. وكان واقعه الأسود قمينا أن يوقظ المسلمين من وهلة انبهارهم إلى حقيقة تلك الحضارة الزائفة ، الموغلة في الأنانية ، المسفّة في وجدانها"الإنساني"إلى الحضيض ، وأن يعودوا إلى أمجاد تاريخهم المهجورة ، ليقارنوا بين حركة الفتح الإسلامي والاستعمار الصليبي ( الذي أخفيت صبغته الصليبية كما ألمحنا من قبل ) ليعرفوا الفارق بين الأمة الربانية ، والمنهج الرباني ، والأخلاق الربانية ، وبين مناهج الشياطين ، وإن كانت بشرتهم بيضاء ، وملابسهم نظيفة ، وألفاظهم منمقة ، وعلومهم فائقة !
وإذا كان الاستعمار - بكل ظلماته ومظالمه - لم يوقظ الأمة المبهورة من غفلتها ، ولم يخرجها من تيهها ، ولم يكشف لها سوءات تلك الحضارة الزائفة ، فلم تكن الأمة لتدرك - من باب أولى - أن"أخلاقيات"الغرب ليست أخلاقيات حقيقية نابعة من إيمان حقيقي بالقيم العليا التي يكثرون الحديث عنها في آدابهم ، إنما هي أخلاق نفعية ، تمارس بقدر ما تجلبه من النفع لأصحابها ، ولكنها تتذاوب إذا تعارضت مع"المصلحة".. والمصلحة مرتبطة بالمنفعة ، وليست مرتبطة بصلاح البشرية ، أو إصلاح"الإنسان"!
وفي التيه اتخذنا قادة أوربا كأنهم قادتنا ! ومفكري أوربا كأنهم مفكرونا ! وأدباء أوربا كأنهم أدباؤنا ، فترنمنا بأسمائهم ، ورددنا كلماتهم ، واتخذنا شعاراتهم ، وحفظنا تواريخهم ، في الوقت الذي أغفلنا فيه ذكر قادتنا ومفكرينا وأدبائنا ، وجهلنا كل شيء عنهم ، حتى الصحابة رضوان الله عليهم ، حتى الوقائع الكبرى التي جرت للمسلمين الأوائل ، وكتب تاريخ هذه الأمة بحروف من النور الوهاج !
ونسينا حركتنا العلمية التاريخية ، فلم ندرك أن المسلمين هم الذين أنشئوا المنهج التجريبي في البحث العلمي ، وهم الذين اكتشفوا كروية الأرض وقاسوا أبعادها ، وهم الذين اكتشفوا الدورة الدموية ، وهم الذين رسموا الخرائط الأولى للعالم ، وهم الذين حددوا مواقع الكواكب ومنازلها ، وهم .. وهم .. وهم .. وخيل إلينا أن العلم كله بدأ في الغرب ، وبزغ من عبقرية الغرب ، وأنه لا عبقرية إلا في الغرب !
ونسينا سمات حضارتنا .. وأنها الحضارة التي تعاملت مع الإنسان كله: جسمه وعقله وروحه ، في شمول وترابط وتوازن ، الحضارة"الإنسانية"الحقيقية ، التي فتحت قلبها للبشر كلهم بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وحتى عقائدهم .. بينما حضارة الغرب حضارة للرجل الأبيض وحده في عنجهية كريهة لا تفيء قط إلى المفهوم الرباني:
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (85) .
"كلكم لآدم ، وآدم من تراب" (86) .
وفي التيه تحول الكتاب المنزل إلى"تراث"..
تراث ورثناه من آبائنا وأجدادنا ، كانوا - هم - يلتزمون به . ولكن لا إلزام له علينا ! نحن أمة أخرى وجيل آخر ! لسنا نحن المخاطبين به ، ولا المطالبين بتنفيذ ما فيه . غاية تعلقنا به - إن تعلقنا - أن نطرب لمن يترنم به ، وتهتز أسماعنا لجرسه .. ولكنه ليس موضع التدبر ، ولا التفكر ، ولا موضع الاستمداد في شئون الحياة اليومية ، ولا الحياة الفكرية ، ولا الحياة الاجتماعية ، ولا الحياة الاقتصادية ، ولا الحياة السياسية .. فتلك كلها صار لها مصدر آخر .. هناك .. عند القوم الذين لا يتكلمون العربية .. ولا يؤمنون بالقرآن !
ولم ينج عالم الأدب من التيه ..
وهل الأدب إلا التعبير عن كوامن النفس وخطرات العقل وتجربة الإنسان في الحياة ؟ وحين تكون هذه كلها ساربة في التيه ، فكيف يكون التعبير عنها في صورة أدبية أو فنية .. إلا أن يكون أدب التيه ، وفن الضياع ؟!
كان أول التيه أننا حملنا أدبنا العربي كله فوضعناه على الميزان الغربي ، فاتضح لنا - ويا للأسف - أنه ليس عندنا أدب !
شعرنا كله - أو جلّه - يندرج تحت بند واحد من بنود الشعر اليوناني ، الذي هو أصل الأصول في فن القول وفن الفكر وفن الحياة .. ذلك البند هو"الشعر الغنائي""Lyrical Poetry"الذي كان الرعاة يتسلون بغنائه وهم يرعون أغنامهم ، فيبثون فيه أشواقهم وأحزانهم ، وذكرياتهم وهمومهم الذاتية .. ولكن ليس عندنا ملحمة ، وليس عندنا مسرحيّة شعرية .. وليس عندنا .. وليس عندنا .. والمأساة الكبرى أنه ليس لدينا في أدبنا مأساة !
المأساة اليونانية هي أدب الدنيا والدين . هي عصارة التجربة البشرية العميقة الواصلة إلى الأغوار .. أغوار النفس البشرية ، وأغوار السنن التي تحكم حياة الإنسان على الأرض .. وخلوّ أدبنا منها عار ما بعده عار !
والمأساة اليونانية في حقيقتها - مع كل"أغوارها"ودقتها وبراعتها في الأداء الفني - هي صراع البشر مع الآلهة !
الإنسان يريد أن يثبت وجوده .. يريد أن يبرز .. يريد أن يكون فاعلا مريدا .. يريد أن يبني ويصنع البطولات والأمجاد والخوارق ( يريد في الحقيقة أن يكون إلهًا ) والآلهة تغار من الإنسان ، فتسعى إلى وضع العقبات في طريقه ، وفي النهاية تحطمه حين يصر على عزيمته ويرفض الانصياع لكيد الآلهة .. وعندئذ تحدث المأساة !
أرأيت ؟!
وأدبنا ليس فيه مأساة .. لأننا أمة سطحية لا طاقة لها بالوصول إلى الأغوار .. تعيش على هامش الحياة ولا تغوص في أعماقها .. !
وقد كنت أَدْرُسُ الأدب الإنجليزي في الجامعة ، وكانت الأصول الإغريقية تدرس لنا باعتبارها المنابع التي كان يستقي منها الأدب الأوربي فترة من الزمن غير قصيرة ، وهي كذلك المعايير التي كان يستقي منها النقّاد نظرتهم إلى الأدب وتقويمهم له ، وكنت في الوقت ذاته أستمع إلى ما يلوكه"نقّادنا"عن الأدب العربي في جملته ، فأعجب في نفسي .. كيف يمسخ الناس إلى هذا الحد ؟!
ليس دفاعًا عن الأدب العربي .. ما كان فيه وما لم يكن .. فليست هذه هي القضية ! القضية هي نحن: كيف ذابت شخصيتنا إلى هذا الحد ، فلم نعد ننظر بعيوننا ، إنما نستعير عيون غيرنا لننظر بها إلى أنفسنا ؟!
ولم أكن أديبا ولا ناقدا ..
ولكن عنّت لي ملاحظة في أثناء دراستي للأدب الإنجليزي ، وهو نموذج للأدب الأوربي عامة ، مع وجود الفوارق الذاتية بطبيعة الحال بين شعب وشعب ، وأديب وأديب ..
إن فكرة الصراع بين البشر والإله ( أو الآلهة كما صورتها وثنية اليونان ) عميقة جدا في الأدب الغربي في جميع أطواره .