لم تذق الأمة الإسلامية في تاريخها كله ظلما أشد من ذلك الظلم الذي أوقعته بها الانقلابات العسكرية .. فقد كان الاستبداد السياسي في العهود السابقة محدود النطاق .. يتعرض له أفراد بأعيانهم أو جماعة بعينها يقع عليها غضب السلطان ، ولكن الإنسان العادي لا يناله من ذلك الظلم إلا طمع الولاة في ماله ، أو ما يفرضونه عليه من الضرائب الباهظة مع فقره.. ولكنه يذهب إلى عمله وهو آمن ، يسمرون ، أو يتبادلون الحديث عن أوجاعهم ومتاعبهم ، أو يشتمون الوالي - في غيبته - وربما تعدوا الوالي فيشتمون السلطان ذاته .. وهم آمنون !
أما الحكم العسكري فقد كان شيئا يفوق في بشاعته كل حد ..
لا أمن ..
فجواسيس الحاكم يعدّون على الناس أنفاسهم . والويل لمن تكلم بكلمة ينتقد فيها عملا واحدا من أعمال الفرعون الجبار .. السجن والتعذيب والتشريد .. وقد يلقى حتفه في معتقله في ليل أو نهار في أثناء التعذيب ، فلا يجرؤ أهله - لا نقول أن يشتكوا - بل حتى أن يسألوا عنه: أحيّ هو أم ميت .. ومن سأل فجزاؤه على سؤاله أن يؤخذ إلى حيث يعود أو لا يعود !
وألوان من التعذيب تعفّ عنها الوحوش ..
فالوحش يفترس ليأكل ، فإذا شبع انصرف وكف عن الافتراس . ولكنه لايفترس من أجل تعذيب فريسته ، والتلذذ برؤية العذاب ينصب عليها ، كما يصنع الإنسان حين يفقد آدميته ، وينتكس أسفل سافلين .
وقد مارس العسكر هذه الوحشية كلها وهم"يحررون"الشعب من الخوف ! ويحررونه من الذل ! ويحررونه من الاستعباد ! وكان أحد هؤلاء الطغاة ينادي وهو يمارس أبشع ألوان الإذلال لشعبه: ارفع رأسك يا أخي ! فقد مضى عهد الاستبداد !!
ذَلَّ الناس .. وانكسرت أنفسهم .. وشملهم الرعب القاتل من"زائر الليل"الذي ينتزع الناس في جوف الليل من ديارهم وأزواجهم وأطفالهم ، ليلقيهم في ظلمات لا يعلم أحد مداها ، بل أخذت النساء كذلك لأول مرة في تاريخ الأمة ليعذبن داخل السجون .
ومع الفزع عم الفقر الشعب كله ، إلا المحظوظين الذين اكتنزت جيوبهم بالمال الحرام المسلوب من الأمة تحت سطوة القهر .. وطُحِنتْ مع كرامة الأمة أخلاقياتها ومثلها وقيمها ، وأصبح الهم الأكبر للناس البحث عن لقمة الخبز ، لهثًا وراءها حتى يجدوها - إن وجدوها - منقوعة في الذل والخوف والهوان .
ولحساب من يحدث هذا كله ؟!
لحساب من يسحق الشعب ، وتلقى كرامته في الأرض وتداس بأقدام الطغاة ؟!
لحساب الصليبية العالمية والصهيونية العالمية ، حتى تأمن إسرائيل وتستقر وتتوسع ، والشعوب الإسلامية حولها مسحوقة لا تملك الاعتراض ، فضلا عن الرفض .. فضلا عن الجهاد المقدس ضد الغاصبين .
وهذا الذي ظفرت به الشعوب التي ثارت على مظالم العثمانيين !!
مرة أخرى نقول: لم تكن مظالم العثمانيين مقبولة ، ولا كان السكوت عليها مقبولا في شرع الله . ولكن العلاج الذي تناولته الأمة - في التيه - كان أفظع بكثير ، وأمرّ بكثير .. كان هو الذل والهوان والضياع .
و من عجب أنه كان في التيه - دائما - طبالون وزمارون ، يطبلون ويزمرون لكل مرحلة من مراحل التيه . فإذا جاء غيرها لعنوا الأولى التي كانوا يطبلون لها ويزمرون ، وبدءوا طبلهم وزمرهم للمرحلة الجديدة بنفس الحماسة ونفس"الولاء"!
حين جاءت الديمقراطية وتشكلت الأحزاب وخاضت"المعارك"ضد بعضها البعض ، هلل الدعاة وكبروا ، وقالوا: الآن تحررت الأمة وارتقت ، وأصبحت تعبر عن إرادتها من خلال الأحزاب .. وحين جاءت الدكتاتورية الاشتراكية قام الدعاة يلعنون"العهود البائدة"التي أفسدت الأمة بالصراعات الحزبية ، وشتتت كلمتها ، وأفقدتها وحدتها .. ويلعنون في الوقت ذاته أنه قد آن الأوان للأمة أن تتوحد ، وتتحرر من الفساد ، وتستعيد شخصيتها المفقودة ، وتسير في طريق الفلاح ..!
ويدور الطبالون والزمارون .. كتابا وصحفيين ، وخطباء وفنانين ، وقصاصين ومسرحيين .. والأمة تدور وراءهم في ظلمات التيه !
ولم يكن ذلك هو التيه الوحيد في المجال السياسي ..
فقد نُشِرَتْ - وانتشرت - دعاوى القومية والوطنية في مقابل الوحدة الإسلامية ..
لم تكن الوحدة الإسلامية في تاريخ هذه الأمة دعوة ولا دعوى .. إنما كانت واقعا معيشيا ، لا تفكر الأمة في غيره ، بحكم أنها تدين بالإسلام .
وقد تفككت"الدولة الإسلامية"أكثر من مرة ، في المشرق والمغرب ، لأسباب كثيرة ، ولكن شعور الأمة بأنها أمة واحدة من المغرب إلى المشرق لم يتأثر بتفكك الدولة ، بل لم يتأثر بالحروب التي قامت بين بعض الدويلات الإسلامية وبعض ."فالدول"بسلاطينها وأمرائها شيء ، و"الأمة"بوحدة عقيدتها ، ووحدة شعائرها ، ووحدة أفكارها ، ووحدة قيمها وتصوراتها شيء آخر ، لا دخل فيه لصراعات السلاطين والأمراء ..
حتى دخلت"الأمة"في التيه ..
عندئذ تفككت وحدتها لأول مرة في التاريخ .. ذلك أن الرابط الجامع لم يعد هو الذي تجتمع عليه الأمة .. وإنما حلت محله الأفكار الدخيلة المستوردة من الغرب ، وهذه من شأنها أن تفرّق لا أن تجمّع .. من شأنها أن تحوّل الأمة إلى فتات ..
ولكن الأمة - في التيه - لم تكن تعي ذلك ..
كانت تظن - وهي تتزيا بزي الوطنية والقومية - أنها ترتدي آخر"موضة"في عالم الفكر السياسي ، وأنها تخلع رداءها القديم البالي الذي مرت عليه القرون الطوال !
وحقيقة لقد كان الثوب قد أخذ يبلى .. لا لأنه قديم ! فهو ثوب من طبيعة خاصة ، تتجدد خيوطه - تلقائيا - مع كل جيل جديد .. إنما كان قد أخذ يبلى لأن"الروح"التي تجدد الخيوط كانت قد خمدت في داخل القلوب .
ولم يكن الحل أن تخلع الأمة رداءها .. إنما كان الحل أن تجدده .. فبمجرد أن تحيا العقيدة في القلوب تتجدد خيوط الرداء من تلقاء نفسها ، كما تتجدد أوراق الشجرة بمجرد أن تتحرك العصارة الحية في أليافها:
( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا .. ) (40) .
ولكن الأمة نظرت إلى ثوبها الذي أخذ يهتريء فلم تقدره حق قدره .. لم تقدر قيمته ، ولم تقدر قدرته العجيبة على التجدد ، التي أودعها الله في الكلمة الطيبة ، كلمة لا إله إلا الله ، محمد رسول الله .
خلعته زاهدة فيه .. وهفت في سذاجة - أو في بلاهة - إلى الأثواب المزركشة المستوردة من الغرب ، ولم تختبرها بعين بصيرة لكي تكتشف رداءة النسيج ..
لقد كانت القومية والوطنية ردود فعل أوربية لأزمة أوربية بحتة .. ولم تكن نتاجا"إنسانيا"كما زعم موردوها إلى العالم الإسلامي .
لقد كان طغيان الكنيسة الأوربية بدينها المحرف أساس البلاء كله الذي وقع في الغرب.
فحين زاد الطغيان عن الحد المحتمل ، أو قل حين دب الوعي بالطغيان في نفوس الأوربيين بعد احتكاكهم بالإسلام ، حاولوا الانسلاخ من نفوذ ذلك الغول البشع الذي يفسد عليهم حياتهم ، فاستقلوا بادئ ذي بدء في كنائس - أي مذاهب - لا تخضع لنفوذ البابا ، وانتهى الأمر إلى أن تصبح تلك السلخ المنسلخة قوميات ووطنيات ..
ثم قامت بينها الحروب التي كادت تعصف بكيان أوربا ، لولا تزامن أمرين اثنين على الأقل أعطيا تلك القوميات قوة ورسوخا ظن الأوربيون أنهما من طبيعة القومية والوطنية فزاد تمسكهم بهما ، حتى أدركوا أخيرا مقدار الشر الكامن فيهما ، فأخذوا يحاولون التجمع تحت رايات جديدة تذيب حواجز القومية والوطنية ، وتجمّع أوربا في وحدة شاملة (41) ..