فهرس الكتاب

الصفحة 763 من 3028

لم يكن الحكم العثماني كله مساوئ كما أُوهِم الناس - عمدا - في ذلك الحين ، لينفروهم من حكم الإسلام ، وييسروا عليهم الانزلاق إلى الحكم بغير شريعة الله !

ويكفي العثمانيين - عند الله وعند الناس - أنهم صدوا الزحف الصليبي أربعة قرون ، وأنهم إلى آخر لحظة من حياتهم لم يفرطوا في فلسطين ، بل جاهدوا مستميتين لصد الزحف الصهيوني إليها ، الذي تؤيده وتباركه الصليبية العالمية بكل ما في وسعها من قوة ، وكل ما تملكه من دهاء ..

ولكن كانت لهم مساوئ ولا شك ..

وكان في حكمهم مظالم كثيرة ..

وقيل للناس: إنه هكذا الحكم الذي يحكم باسم الدين . إنه استبدادي بطبعه ! ولا يمكن أن يكون إلا كذلك ! انظروا كيف كان الحكم الديني في أوربا يوم كان .. كان ظلما كله وتعسفا وطغيانا وهضما لحقوق"الشعب"، ولم تفق منه أوربا إلا حين تخلصت من سلطان الدين ، وحصرته في شئون العبادة ، وأبعدته عن الهيمنة على شئون الحياة ..

و أنتم ..؟!

لا طريق لكم إلا ذات الطريق .. احصروا الدين - على الأكثر - في شئون العبادة ، ونحّوه عن كل مجال آخر ، وعن مجال السياسة بصفة خاصة ، ولا ضير عليكم .. فستظلون"مسلمين!"ولكنكم ستتحررون ؟؟ وستتقدمون .. وستتحضرون !

وفي التيه لم تتبين الأمة - إلا ما رحم ربك - ما في هذا الكلام من زيف وبعد عن الحقيقة .

فالدين الذي نبذته أوربا لتتقدم وتتحضر لم يكن هو الدين المنزل من عند الله ، إنما كان صناعة بشرية فاسدة ، أفسدته تصورات البشر وأهواؤهم وأوهامهم . وكان الخطأ في حياة أوربا هو اتباع ذلك الدين الفاسد ، وعدم الاهتداء إلى ما فيه من فساد ، وتقبل ما يقوله آباء الكنيسة على أنه قول مقدس واجب الاتباع ، على اعتبار أنهم خلفاء بطرس الذي منحه"الرب"- يقصدون عيسى عليه السلام - حق التحليل والتحريم ، كما منحه العصمة كذلك (30) .

( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (31) .

ولكن الدين الذي يدين به المسلمون - وإن انحرفوا في ممارسته - هو الدين الحق المنزل من عند الله ، المحفوظة أصوله في الكتاب والسنة بحفظ الله له:

( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (32) .

وكان الخطأ في حياة المسلمين هو انحرافهم في ممارسة هذا الدين ، إما بالبدع والمعاصي ، وإما بالتفلت من التكاليف ، وإما بأفكار دخيلة كالفكر الإرجائي أو الفكر الصوفي المنحرف .

لذلك يختلف العلاج في الحالتين . فالعلاج في حالة أوربا هو نبذ ذلك الدين الفاسد ، والاستعاضة عنه بالدين الصحيح . والعلاج في حالة المسلمين هو نبذ الانحرافات التي طرأت في سلوكهم ، والعودة إلى التمسك الصحيح بالدين .

وما أبعد هذا العلاج عن ذاك !

فأما أوربا فقد أخذت نصف العلاج اللازم لها وأبت أن تأخذ النصف الآخر ، فخرجت من دينها الفاسد ولم تدخل في الدين الحق ، فنشأت عن ذلك الأزمة التي يعانيها الغرب اليوم ، وتعانيها معه البشرية المغلوبة على أمرها تحت ضغط الغرب الساحق: وهي غلبة الروح المادية وانسحاق الجانب الروحي من الإنسان تحت ضغط المادة أو - بعبارة أخرى - التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي بغير قيم ولا مبادئ ولا أخلاق !

أما الأمة الإسلامية - في التيه - فلم تأخذ نصف العلاج ولا ربعه ولا ثمنه .. إنما تناولت السموم التي قدمها لها الغرب ، فتلقفتها فرحة بها ، متوهمة أنها طريق الخلاص !

فبدلا من أن تعود إلى حقيقة الدين التي كانت قد انحرفت عنها ، نبذت دينها - أو كادت - وفي الوقت ذاته لم تتخذ الأسباب التي اتخذها الغرب في تقدمه العلمي والمادي . فلم تأخذ من العلم إلا قشوره ، وتقاعست عن الجدّ الواجب له ، والجلد والمثابرة والصبر في تحصيله ، والتنظيم الفائق في شئون الحياة ، الذي يجعل الجهد مثمرا ، ويجمّع حصيلة الجهد فلا تتبدد ولا تتناثر !

وأخذت بدلا من ذلك ما في حياة الغرب من فساد ! فتراكم الفساد عندها أضعافا مضاعفة ! فلا هي عالجت أمراضها التي ورثتها من فترة التخلف العقدي ، الذي أنشأ من قبل التخلف الحربي والسياسي والعلمي والمادي ..إلخ ، وأضافت أمراضا جديدة دخيلة على البيئة الإسلامية ، من تحلل خلقي ، وخمر وميسر ولهو وتبجح بالمعاصي الكبائر ..

كذلك لم تدرك الأمة - وهي في التيه - مدى الفارق بين العلاج الذي كان يجب أن تتخذه إزاء مظالم الحكم العثماني ، والعلاج البديل الذي قدمه لها الغرب ..

لقد كان الخطأ في الحكم العثماني هو الاستبداد السياسي .. وكان العلاج الذي يجب أن يقدّم للأمة هو التربية على الروح الإسلامية الصحيحة في السياسة ، وهي السمع والطاعة للحاكم فيما يطيع فيه الحاكمُ الله ورسوله ، ومراقبة الأمة لأعمال الحاكم حتى ينضبط في تصرفاته بضوابط الشريعة . كما يتبين في ذلك المثال الفذ ، حين وقف عمر رضي الله عنه يخطب الناس فيقول: أيها الناس ، اسمعوا وأطيعوا ، فيقول له سلمان الفارسي رضي الله عنه: لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة ! فيقول عمر: ولمه ؟ فيقول: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به ، وأنت رجل طوال لا يكفيك برد واحد كما نال بقية المسلمين ! فلما تبين لسلمان أن البرد الزائد هو برد عبد الله بن عمر رضي الله عنه ، أعطاه لأبيه ليكمل به كسوته ، قال لعمر: الآن مر ! نسمع ونطيع !

وصحيح أن الأمة قد فرطت في حقها الرباني في مراقبة أعمال الحاكم ، والنصح له ، وأطره على الحق أطرا كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا" (33)

وأن هذا التفريط قديم في حياة الأمة من زمن بني أمية ، وأن الاستبداد العثماني لم يكن بدء الانحراف ، وإنما كان مجرد امتداد تاريخي له .. ولكن الواجب يظل واجبا مهما فرطت فيه الأمة ، ولا يسقط بالتقادم مهما طال عليه العهد .. والإصلاح الواجب يظل هو هو لا يتغير .. ينتظر العالم الرباني المجدد المجاهد ، الذي يأخذ على عاتقه إعادة الأمة إلى الأصل الذي انحرفت عنه ، ولو ضحى في سبيل ذلك بحياته كما فعل أكثر من عالم من علماء الإسلام خلال التاريخ .

ولكن العلاج الذي اتخذته الأمة - في التيه - كان مخالفا تماما لهذا الأمر ..

كان العلاج الذي اتخذته هو تنحية الشريعة الإسلامية ، واستجلاب"الدساتير"من الغرب ، من أجل إقامة"دولة حديثة"كالدول الأوربية الحديثة !

ما أبعد المدى بين الطريقين !

لم تدرك الأمة - في التيه - أبعاد القضية على حقيقتها ..

لم يكن الخطأ في حياة الأمة الإسلامية ناشئا من الشريعة ، حتى يكون العلاج هو إلغاء الشريعة ! إنما كان ناشئا من عدم تمسك الأمة بالحقوق التي كفلتها لها الشريعة الربانية .. وعلاج ذلك لا يكون باستيراد أحد النظم الأوربية ومحاولة تطبيقه . فسوف نرى أن استيراد النظم الأوربية لم يحل مشكلة واحدة من مشاكل المسلمين !

لقد كانت مشكلة أوربا في قرونها الوسطى المظلمة نائشة من الحكم"الثيوقراطي"، أي حكم رجال الدين ، الذين استبدوا بالناس نتيجة تسلطهم الروحي على الناس في ذلك الدين الفاسد ، الذي انقلب كهّانه إلى وسطاء بين العبد والرب ، بسبب تحريف العقيدة ، وإضفاء القداسة على من لا تجوز لهم القداسة من البشر ، وتنحية الشريعة كذلك ، وتقديم الدين عقيدة - محرَّفة - بغير شريعة !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت