فهرس الكتاب

الصفحة 757 من 3028

إذن، فقد كانت أخطر دعائم العلمانية في البلاد الإسلامية: استقطاب الخطاب الاستعماري فئاتٍ أصبحت تمثل منظومة الاستكبار الغربية, لكنها غريبةٌ معزولةٌ في ديار الإسلام،"جُزُرٌ في أوطانها"بتعبير (غريغوار) [7] . ويكفي في بيان استضعاف هذه النخبة وانهزامها واستتباعها ما كتبه أحد روادّها (د.طه حسين) :"لقد التزمنا أمام أوروبا أن نذهب مذهبها في الحكم, ونسير سيرتها في الإدارة, ونسلك طريقها في التشريع، التزمنا هذا كلّه أمام أوروبا، وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلا التزامًا صريحًا قاطعًا أمام العالم المتحضر بأن نسير مسيرة الأوروبيين في الحكم والإدارة والتشريع؟ فلو أننا هممنا الآن أن نعود أدراجنا، وأن نجبي النظم العتيقة لما وجدنا إلى ذلك سبيلًا و لوجدنا أن أمامنا عقابًا لا تُجاز ولا تُذلّل, عِقابًا نقيمها نحن, وعِقابًا تقيمها أوروبا؛ لأننا عاهدناها أن نسايرها ونجاريها في طريق الحضارة الحديثة" [8] !

لماذا فشلت المناهج العلمانية في بلاد المسلمين؟

من أهم أسباب الفشل الذريع الذي وجدته العلمانية في العالم الإسلامي: أنها كانت مصادمةً للثوابت الدينية, وأنّ الذين استوردوها قد أغفلوا الفروق بين الواقع الغربي والواقع المسلم, فأسقطوا التجربة الكَنَسِيَّة البابويةَ المحاربةَ للعلم على واقعٍ مخالفٍ تمامًا؛ فهي شجرةٌ قُطِعت من جذورها. ورحم الله مالك بن نبي حيث قال:"إن شيئًا ما قد يموت إذا قُطِع عن وسطه الثقافي المعتاد" [9] ، وإنّ"الفرد إذا فقد صِلََته بالمجال الثقافي فإنه يموت ثقافيًا"، وكما أنّ لكل مجتمع"مقبرة يستودعها موتاه, فإن لديه مقبرةً يستودعها أفكاره الميتة, الأفكار التي لم يعد لها دور اجتماعي" [10] ، وإنّ من أخطر أشكال العدوى:"ذلك الذي ينقل الأمراض الاجتماعية من جيل إلى جيل" [11] ، و"هذه الجراثيم الخاصة أفكار معدية, أفكارٌ تهدم كيان المجتمعات وتعوق نموها" [12] .

وأخيرا نُسجّل ـ بناءً على انبتات العلمانية في ديارنا ـ أنّ تحضُّرَ الإنسان لا يكون إلا بتحدُّره من ثقافته كما يتحدَّر الجُمان، وأنّ الخروج من الانحطاط ليس بحثًا وراء المحيطات ولا استغرابًا أو استيرادًا للفلسفات, بل هو تحرير للذات، وانبعاث للثقافة من مكنونات الأمة, واستنهاض ما فيها من قدرات.

[1] العلمانيّون والإسلام، للشيخ محمد قطب: 16ـ17 .

[2] أساليب الغزو الفكري، د. علي محمد جريشة: 60.

[3] راجع: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي: 2/690.

[4] راجع: مقدّمات الاستتباع، غريغوار منصور مرشو: 52 - 53.

[5] راجع: مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية، الصادر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في مطلع الخامس عشر الهجري. وهو كتاب نافع يقع في مجلدين كبيرين.

[6] انظر: كتابين لـ (هيجل) : دروس في تاريخ الفلسفة، وأساليب فلسفة الحقوق.

[7] مقدمات الاستتباع: 53.

[8] مستقبل الثقافة في مصر، طه حسين: 1/36 - 37.

[9] مشكلة الثقافة، مالك بن نبي: 55.

[10] المرجع السابق: 50.

[11] مشكلة الثقافة: 46.

[12] المرجع السابق: 14.

المصدر: شبكة المشكاة الإسلامية

هلمّ نخرج من ظلمات التيه !

محمد قطب

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [ الأنعام:153]

صدق الله العظيم

مقدمة

"هلم نخرج من ظلمات التيه . . !"

هذا نداء للأمة كلها التي تنطق بلسانها"لا إله إلا الله ، محمد رسول الله".

إن هذه الكلمة العظيمة هي التي أخرجت هذه الأمة إلى الوجود أول مرة ، وهي التي رفعتها إلى مقام الخيرية على كل أمم الأرض ، وكل أمم التاريخ:

( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (1)

وهي التي دفعتها إلى الحركة في كل مجال من مجالات الحياة الإنسانية ، فأوصلتها إلى مرتبة التفوق في جميع الميادين: الحربية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والخُلقية والروحية ، وجعلت لها ذكرا ضخما في الأرض بعد أن كانت على هامش التاريخ !

ولم يكن النطق بلا إله إلا الله هو الذي صنع ذلك كله !

إنما كان هو النطق بها ، واليقين الذي يملأ القلب بحقيقتها ، والعمل بمقتضياتها ، هو الذي صنع كل تلك الأعاجيب التي وعاها التاريخ ، تحقيقا لوعد الله:

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) (2)

لقد كانت الأمة تعيش بكيانها كله في عالم الواقع ، ولكنها تحلق في عالم المثال !

واليوم . . ما أبعد الواقع عن المثال ! بل ما أبعد الواقع عن الحد الأدنى الذي لا يجوز للأمة أن تهبط عنه !

اليوم تخبط الأمة على غير هدى في ظلمات التيه . . إلا ما رحم ربك !

ولقد ابتلى الله أمة سابقة بالتيه: ( أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ) (3) .

وكان سبب ذلك الابتلاء أن تلك الأمة تقاعست عن الأمر الرباني الموجّه إليها لدخول الأرض المقدسة:

( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ، وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ . يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ، وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا ، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ، فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (4) .

وربما كانت حكمة ذلك التيه أن القوم المستضعفين، الذين تربوا على المذلة للفرعون ، لم يكونوا صالحين لحمل الأمانة المنوطة بهم على الوجه الذي يؤهلهم لتحقيق الرسالة الربانية ، وتحقيق منهج الله في الأرض ، فابتلاهم الله بذلك التيه في تلك الفترة المحددة، التي انتهى فيها ذلك الجيل المستضعف المستذل ، وولد بعده جيل جديد . . ولد في التيه . . في المشقة . . في المعاناة ، فكان أصلب عودًا وأقدر على تحمل المشاق . . فأذن الله له أن يدخل الأرض المقدسة ، ومكّن له في الأرض .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت