وعندما يقول قائل: لماذا يطلق مثل هذا القول في كلامه - رحمه الله عليه - عندما قال: و هو أفضل الجهادين ، فنقول: إن الجهاد المعروف إنما تعرف فضيلته ، و تعرف أحكامه ، و تعرف أهدافه و غايته من خلال العلم ، فالعلم هو السابق على الجهاد ، وهو الممهد له ، وهو المهيج عليه ، وهو المبين لغاياته وأهدافه ، وبالتالي هو الذي ينشئه في النفوس انشاءً ، ويبينه في العقول بيانًا واضحًا شافيًا .
9ـ أنتم المدافعون عن الأمة في أخلاقها ، وفي تفكيرها ، وفي حضارتها وفي تقدمها ؛ فإن المعلم كأنما هو أعظم مجاهد في واقع الأمر . لماذا ؟.
لأنه يجاهد الجهلة بالتعليم ، ويجاهد الحماقة بالتقويم ، ويجاهد الشطط بالاعتدال ، ويجاهد الخمول والكسل بالتوجيه إلى الجد والعمل ، يواجه أمورًا كثيرة ، ثم هذا كله يصوغه ويجاهد به في نفوس متغيرة ، وأفكار متبدلة ، وعواطف متأججة ، فعمله صعب شديد ، وأثره عندما يتحقق بإذن الله - عز وجل - قوي ومديد .
ولذلك عندما يريد أعداء الأمة ، أو تريد جهة من الجهات أن تؤثر في مجتمع ، أو في أمة ؛ فإن أوكد اهتمامها ، وأولى همها أن تتوجه إلى التعليم ، وتغير المناهج ، وهذه خطورة ، تصوغ المعلمين ، وإذا عملت في هذين الجانبين ، استطاعت أن تدمر كل المقومات ، استطاعت أن تزعزع العقائد في النفوس ، واستطاعت أن تحرّف السلوك ، واستطاعت أن تغيّر طرائق التفكير ، استطاعت أن تجعل هناك الهزيمة النفسية ، إلى آخر ذلك مما يعلم في قضايا الغزو الفكري ونحوه ، فالمعلمون هم المدافعون عن هذه الأمة عندما يقومون بواجبهم على النحو المطلوب .
10ــ أنتم المصلحون لما يفسده الآخرون ؛ فقد يفسد الطالب أهله ، وقد يفسده مجتمعه ؛ وقد يفسده أحيانا ما يسمعه وما يراه أو ما يقرأه . ومهمتك أن تصلح كل هذا . لماذا ؟ لأن المعلم أثره مستمر ، يبقى مع الطالب وقت طويل و سنوات عديدة ، و من خلال مواقف متكررة من خلال تدريس وتعليم ونشاط وغير ذلك.
بينما المخربون الآخرون أحيانا يكون دورهم مقصور ، إما مقصورًا بالوسائل ، أو مقصورًا في الوقت والزمن ، فيبقى عامل الاصلاح في المعلمين أغلب و أنجح وأكثر تأثيرا واستمرارية من غيره إذا هم أتقنوه وأحسنوه ، وكما يقول البشير الابراهيمي - الذي كان رئيسًا لجمعية العلماء في الجزائر في اوائل هذا القرن - للمعلمين:"أنتم معاقد الأمل في إصلاح هذه الأمة ؛ فإن الوطن لا يعقد رجائه على الأميين الذين يريدون أن يصلحوا فيفسدون ، ولا على هذا الغثاء من الشباب الجاهل المتسكع الذي يعيش بلا علم ولا عقل ولا تفكير ، ولا الذي يغط في النوم ما يغط ، فإذا افاق على صيحة تمسّك بصداها ، و كررها كما يكرر الببغاء".
فنحن نرى أن المعلمون هم المصلحون و هم المقومون .
فإذا كنت - أخي المعلم - مرفوعًا عند الله مندوبًا عن الأمة ، ووارثًا لأعلام النبوة ، ومأجورًا من الله - سبحانه و تعالى - ، ومحسودًا من أهل الإيمان والصلاح ، ومورثًا لكثير من الخير يمتد به أجرك ، وأنت من المجاهدين في سبيل الله - سبحانه وتعالى - ومن المدافعين عن هذه الأمة ، ومن المصلحين فيها ، والمقيمين لأمرها و شانها ، فمن أنت يا أخي ؟
إنك في منزلة يكفي شرفا فيها أن تكون وارث للأنبياء.
نقطه أخرى هنا وهي لا تأثير للقناعات الخاطئة عند الآخرين من غير المعلمين. الخطر عندما ينظر المعلم الى نفسه نظرة خاطئة هنا يقع الخطر فلا يعرف أنه له مهمة عظيمة و لا رسالة ولا فائدة إذا لماذا يعمل ؟ و كيف يعمل ؟ و بأية نفسية سيتوجه الى عمله ..الآخرون لسنا معنيون بهم في هذا المقام ، فإذا اقنعت نفسك بهذا فستسمع كل كلام فلا يؤثر فيك ، و تسمع كل احتقار فلا تكترث له ، حتى تكون حينئذ بهذه الانطلاقة مصلحًا ومغيرًا لأفهام الآخرين بإذن الله - عز وجل - .
عندما يكون بعض الأباء و بعض المدراء و بعض قطاعات في المجتمع لا تدرك هذه الأهمية ! فمن الذي سيغيرها ؟! أقول التغير في أيدي المعلمين في كثير من الجوانب أقوى من أي جهة أو من أي تيار غيره لأسباب كثيرة:
كثرة المعلمين ؛ انظروا إلى أي دائرة من الدوائر ، كم عدد موظفيها ؟ و كم عدد الموظفين القائمين بمهمات التعليم والتدريس ؟ انظروا أيضا الى المحتاجين الى الخدمات في أي قطاع خدمات.. الجوازات أو خدمات المطارات.. خدماتهم فئات قليلة ، لكن التعليم كل الأمة تمر خلاله ، كل مولود في هذه العصر غالبًا في بيئات كثيرة مثل بيئتنا ، لا بد أن يمر في هذا التعليم اذا وعيتم و أجمعتم ، و قررتم ، وعملتم ، وواصلتم يمكن أن تغيروا كل هذه الافكار ، وكل هذه التصورات الخاطئة ، ثم عندكم ثروة عجيبة يمكنكم أن تغزوا عقول الآباء والأمهات من خلال أبنائهم ، يمكنكم أن تغزوا المجتمع من خلال الذين تخرجونهم على أيديكم ، ويكونون غدًا موظفين ومعلمين ومهندسين وأطباء إلى غير ذلك .
يمكنكم أن تغيروا كل شيء ، لأن عندكم أكبر قوه تغيرية ، وهي القوة البشرية لا تغيير بالقوة المادية ، ولا القوة الإعلامية ، ولا أية قوه أخرى ، وإن كانت هذه لها تأثيرها .
القوة البشرية ، والقناعة الفكرية ، والتربية السلوكية ، والحقائق الإيمانية التي تزرعونها في طلابكم يمكن أن تغيروا ولا يكون التغيير الإيجابي في غمضة عين و انتباهتها ، ولا بين عشية وضحاها ، وإنما لهذا وقته ، ولكن المهم أن تكون مقتنعًا به ، أن تكون متفاعلًا معه ، حينئذ يمكن أن يكون لك مثل هذا الحظ .
وأما هذه النظرات التي أشرت إليها عند إخواننا المدرسين ، وأذكر لهم بعض ما قد يوافق هوى بعضهم من باب الطرافة ، أو من باب التحميس ، أو النظر الى بعض النماذج .. الاستاذ علي الطنطاوي - رحمه الله - له في مذكراته كلام عن المدرسين ، من حيث همومهم ، و تجد أنه يصف لك دور المدرس عندما يصحح الكراريس ما يجعلك تحزن لهذا المدرس حتى كأنك في جنازة و مأتم ، و تجد أنه يعبر بتعبيراته الأدبية بأمور لا يقصدها ولا يعينيها ، و إنما يعبر عن الحقيقة والمعاناة التي لا يلمسها الآخرون ، فهو يعبر عن هذا ثم يقول: و ماذا حظي بعد ذلك ؟ بعض الطباشير التي يقذفها على الطلاب و بعض الامور كذا و كذا … الخ و كما عبر شاعر معلق و معارض لقصيده شوقي:
قم للمعلم ووفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولًا
قال هذا القائل من أهل التعليم أو من المتعاطفين معهم قال:
شوقي يقول و مادرى بمصيبتي قم للمعلم ووفه التبجيلًا
و يكاد يقلقني الأمير - أمير الشعراء - بقوله كاد المعلم أن يكون رسولا
لو جرب التعليم شوقي مرة لقضى الحياة شقاوة وخمولا
يا من يرد الانتحار و خبرته إن المعلم لا يعيش طويلا
و هو إن كان يعاني ، و لكن لا بد أن يدرك هذه القيمة العظمى لأهميته ومنزلته ، والحديث برقيات والبرقيات لا بد أن تكون مختصره .
ثانيًا: ما هو عملكم ؟
1-المعرفة والتعليم
لأن هذا هو الأمر المتبادر الى الذهن ، وهو أن المعلم يعطي الطلاب معلومات يفرغونها ، و يحفظونها ، ثم يسألون عنها فيكتبونها ، وهذا في حد ذاته جزء أساسي لا شك في أهميته ، لكنه ليس وحده كما سيأتي.