فهرس الكتاب

الصفحة 732 من 3028

عندما صعد حزب العدالة والتنمية التركي لتولي الوزارة بقيادة (رجب أردوغان) من خلال الانتخابات ظهر الزعيم التاريخي لحزب الرفاه ورئيس وزراء تركيا السابق (نجم الدين أربكان) في أحد حلقات برنامج (بلا حدود) بقناة الجزيرة ليقول إن قيادات الحزب مجموعة من العملاء صعدوا إلى الحكم من خلال مساعدة أجهزة أجنبية نافذة في الدولة، وأنهم يعملون لتطويع الإسلام للمصالح الأمريكية في المنطقة وأنهم يقومون بتقديم تنازلات للعلمانية القائمة في الدولة تفقدهم الصفة الإسلامية. ولكن ما نسيه الزعيم الكبير أنه نفسه أول من أدخل الإسلاميين هذه اللعبة بتقديم التنازلات الحاسمة للعلمانية؛ وذلك بزيارته لقبر صنم العلمانية الأكبر (كمال أتاتورك) وإعلانه أمامه التزامه بالدستور العلماني في الحكم واقتصار جهوده على ممارسات سياسية واقعية في ظل مرجعية علمانية قائمة، وإذا كان هو قد فعل ذلك فعليه ألا يندهش أن يأتي تلامذته إلى الحكم بالتحالف مع السياسة الأمريكية. وإذا كان (أربكان) أعلن التزامه بالدستور العلماني أمام الصنم الأتاتوركي فإن تلامذته من قيادات العدالة والتنمية يستاؤون الآن من إطلاق صفة الإسلاميين عليهم، ويعلنون أنهم علمانيون. فالذي يحدث الآن أن التنازلات التي قام بتقديمها للعلمانية بعض زعماء الإسلاميين من باب المراوغة ـ على أفضل فروض حسن الظن ـ يقوم بها الآن وأكثر منها بعض تلاميذهم من باب الاقتناع، وما أن تبدأ بالتنازل عن بعض الإسلام حتى تنتهي على الفور بالإسلام؛ حدث ذلك في تركيا، ويحدث مثله في تونس ومصر وأماكن أخرى. والنتيجة هي كما تقول مجلة الشاهد البريطانية (1) : «إن الصفقة التي تطبخ الآن تسعى إلى جعل الإسلام التركي مفرغًا من ثوابت الدين» ولكن الأهم من ذلك هو ترويج هذا النموذج التركي نفسه على أنه النموذج الإسلامي الليبرالي المعتدل الذي ينبغي الاقتداء به في كل دول العالم الإسلامي إلى درجة أن كبار القادة الأمريكيين مثل (الرئيس بوش) و (كولن باول) و (كوندليزا رايس) أعلنوا مرارًا أن النموذج التركي هو النموذج الذي ينبغي أن يسود في المنطقة، بل إن اليميني المحافظ الصهيوني المعروف بعدائه وتعصبه الشديد للعالم الإسلامي (وولفويتز) أعلن أن «الأتراك يقاتلون من أجل مجتمع حر وديمقراطي ومتسامح يمكن أن يصبح نموذجًا مفيدًا لدول أخرى في العالم الإسلامي» . بل إن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يقوم في الأساس على الارتكاز الفكري لمفهوم الإسلام الليبرالي «بدأت تسريبات معالمه مع زيارة رئيس وزراء تركيا (رجب أردوغان) إلى واشنطن في 28/1/2004 ونشرت صحيفة (يني شفق) التركية (معناها: الفجر) في 30/1/2004 عرض الرئيس الأمريكي (بوش) على (رجب) معالم هذا المشروع الذي يمتد من المغرب حتى أندونيسيا مرورًا بجنوب آسيا، وآسيا الوسطى والقوقاز، وقد ابتدأ العرض على تركيا لتتولى الترويج لنموذجها الديمقراطي واعتدالها الديني (بحسب خبر الصحيفة) . والمقصود انبطاحها لأمريكا وأخوّتها لإسرائيل لدرجة أن الرئيس الأمريكي اقترح أن تبادر تركيا إلى إرسال وُعَّاظ وأئمة إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي ليتولوا التبشير بنموذج الاعتدال التركي المطبق في تركيا.

هذه الأخبار ذكرها المحرر الرئيس للصحيفة المذكورة والذي كان ضمن الوفد الصحفي المرافق لأرودغان» (2) .

الليبرالية والديمقراطية:

أظهرنا فيما سبق أن الليبرالية خصوصًا عند منظِّرها الأكبر (جون ستيوارت مل) تجعل من الفردية ـ أي من الفكر العقلي للأفراد وحسابات المصالح والأضرار ـ المرجعيةَ الوحيدة لكل أمر من الأمور، وتجعل من الحرية الشخصية منطقة محرمة لا يحق للمجتمع التدخل فيها؛ بينما تجعل الديمقراطية من الأغلبية معبرة عن إرادة الأمة، ومن ثم فعلى الأفراد الخضوع لأحكامها.

ومع ذلك تظل الديمقراطية هي أداة عملية معبرة عن الليبرالية التي تظل تعمل في الوقت نفسه على وضع العوائق في مواجهة الإرادة العامة للأغلبية لمنعها من التدخل في المنطقة الخاصة بالحرية الشخصية.

إذًا؛ فالتداخل كبير بين الديمقراطية والليبرالية، والترويج لليبرالية في المنطقة يعمل أساسًا من خلال الترويج للديمقراطية كمدخل ضروري لها، ومن ثَم فإن مناقشة موقف الإسلام من الليبرالية يقتضي بشكل حتمي مناقشة موقفه من الديمقراطية.

موقف الإسلام من الديمقراطية:

وتُعَرَّف الديمقراطية بأنها «مذهب يراد به إرجاع أصل السلطة السياسية أو مصدرها إلى السلطة العامة للأمة. أما الديمقراطية كنظام للحكم فيراد به النظام الذي يُرجِع أصل السلطة السياسية أو مصدرها إلى الإرادة العامة للأمة» (3) .

والديمقراطي «هو ذلك الإنسان القادر على تعديل أوضاع حياته وأفكاره ومبادئه وقيمه وفقًا للمتغيرات الاجتماعية المحيطة به، وينبع التغيير من الإيمان بأن البُنى الاجتماعية لا تُبنى على قواعد ثابتة، بل هي نتاج لتفاعل الأفراد وخبراتهم واتفاقهم، ولذلك فما يراه الأفراد ممثلًا للحق والعدل فهو الحق والعدل؛ فالإطار الذهني الديمقراطي يُبنى على الثقة المتناهية في العقل الذي يُمَكِّن الإنسان من الحياة في إطار المجتمع التعددي بتقبله لنمط حياة الآخرين مما يعكس قدرًا كبيرًا من العقلانية» (4) .

والديمقراطية توجد «إذا توفرت عدة شروط؛ منها: الانتخابات الدورية، والتعددية السياسية، والمنافسة والمشاركة السياسية، وهي التي تشكل في مجملها الأسس العامة للديمقراطية الليبرالية والتي تتمثل في التعددية السياسية، والتي تظهر في شكل تعدد حزبي وتداول على السلطة بين الأحزاب المتنافسة، وخضوع القرارات السياسية للتفاعل السياسي بين القوى السياسية المختلفة، وخضوعه للمساومة، والحل الوسط، واحترام رأي الأغلبية، والمساواة السياسية بمنح صوت لكل مواطن، وترسيخ مفهوم الدولة القانونية القائمة على الفصل بين السلطات مع وجود دستور مكتوب، وخضوع الحكام للقانون» (5) .

وعلى الأساس السابق فإن الإشكالية الأساسية في تحديد موقف الإسلام من الديمقراطية هي في شبهة التشابه بينها وبين الشورى في مبدأ حق الأغلبية في اتخاذ القرار، ومن ثَم الانحياز إلى إرادة الجماهير في مواجهة استبداد الفرد. ولكن هذا التشابه أو التقاطع في هذه النقطة لا يؤثر أدنى تأثير في التناقض بين الإسلام والديمقراطية كمنظومة متكاملة بوجه عام؛ فبينما يتم اتخاذ قرار الأغلبية في الإسلام في إطار المرجعية الإسلامية؛ فإن اتخاذ قرار الأغلبية في الديمقراطية يتم دون إطار على الإطلاق؛ أي دون الالتزام بأيَّة قواعد عقائدية أو فكرية أو أخلاقية، وينطلق من الأرضية العلمانية في التفكير التي تقتصر على العقل الإنساني وخبراته في إدراك حقائق الوجود وتصريف شؤون الحياة «فوجود منظور أخلاقي واحد للقيم في المجتمع يتعارض مع الفكر التعددي، ومن ثَمَّ؛ فأولئك الذين يرغبون في رؤية قيم عقائدية أو أخلاقية واحدة تسود في المجتمع لا بد أن ينتهي بهم المطاف إلى معارضة التعددية. وبناء عليه فالمجتمع الديمقراطي غير ملزم بتبني منظور أحادي للوحدة الاجتماعية، وحين يسود أو يسعى أي منظور عقائدي أخلاقي لفرض رؤيته على المجتمع فإنه من المتعذر بناء مجتمع ديمقراطي؛ وذلك لأن الديمقراطية تبنى على المنظور العلماني للمجتمع» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت