وفي خطوة تالية يشرح (ستيورات مل) تناقضاته مع الديمقراطية ذاتها (والتي يشاع بين الكثيرين من الكُتَّاب والسياسيين لدينا أنها والليبرالية شيء واحد) فهو ينكر على الشعب استخدام أي وسيلة من وسائل الإجبار ضد حرية التعبير «أنكر على الشعب الحق في ممارسة مثل هذا الإجبار سواء عن طريقه أو عن طريق الحكومة؛ فمثل هذه السلطة غير مشروعة في ذاتها، ولا يجوز لأرقى الحكومات أو أقلها شأنًا أن تلجأ إليها، وهي إذا صدرت بمشيئة الرأي العام فقد تكون أفظع وأشنع مما لو صدرت رغمًا عنه وبمعارضته» (6) .
وتنطلق المسألة هنا أساسًا من رؤيته الفلسفية العلمانية التي انتهت لديه إلى النسبية المعرفية والقيمية المطلقة، ومن ثمَ فإنه على كافة الناس والحكومات أن يتصرفوا على قدر طاقاتهم، وأن يبذلوا أقصى جهدهم؛ فليس هناك شيء يسمى التعيين المطلق، وإنما هناك ثقة كافية لتحقيق غايات الحياة البشرية، ويجوز لنا أو يجب علينا أن نفترض صحة آرائنا لكي نسترشد بها في تصرفاتنا.
وليس ثمة ما يمكن فصله عن البحث والنقاش والجدال بما في ذلك المعتقدات والقيم حتى لو اجتمعت الأجيال على صحة هذا المعتقد أو ذاك الرأي «فإنه من الواضح تمامًا أن الأجيال ليست أكثر مناعة من الأفراد في الوقوع في الخطأ؛ فإن كل جيل مضى كان يعتنق كثيرًا من الآراء التي اكتشفت زيفها وتفاهتها أجيال تالية» (7) ثم يعمل (ستيورات مل) بعد ذلك على اتخاذ مثل تاريخي بارز لانتصار المسيحية الغربية على معارضيها ليستخدمه في دحضها بعد ذلك؛ فالإمبراطور (مارقس أوربليوس) كان أكثر معاصريه علمًا وأدبًا وحرصًا على أن يسود العدل؛ وعلى الرغم من ذلك «كان من أشد الحكام اضطهادًا للمسيحية؛ فبالرغم من استيعابه لجميع علوم الأقدمين وتبحره في حكمة الأولين ومن اتساع تفكيره وبُعد نظره.. إلا أنه لم يدرك أن المسيحية ستعود بالخير لا بالشر على العالم» (1) .
وهكذا تأتي الخطوة التالية لهدم المسيحية الغربية في قوله: «بَيْدَ أننا نخالف الإنصاف ونجانب الحقيقة إذا توهمنا أن (مارقس أوريليوس) لم يكن لديه ـ وهو يكافح المسيحية ـ كل المعاذير والحجج التي يلتمسها اليوم أنصار المسيحية لمكافحة ما يناقضها من الآراء. فما كان اعتقاد أحد من المسيحيين في كذب الإلحاد وفي أنه يؤدي إلى تداعي المجتمع وتفككه بأشد ولا أرسخ من اعتقاد (مارقس أوريليوس) في بطلان المسيحية وفي أنها تفضي إلى انحلال المجتمع وانهدام أركانه» (2) .
ولا يكتفي (ستيوارت مل) بمهاجمة العقائد المسيحية الغربية، ولكنه يهاجم آدابها أيضًا؛ والمفارقة هنا أنه يقدم آداب الإسلام عليها على الرغم من اعتباره له أنه دين وثني؛ حيث يذهب إلى أنه «بينما نجد آداب الأمم الوثنية الراقية تصنع الواجبات الاجتماعية في أرفع منزلة من الاعتبار حتى تضمن في سبيل ذلك الحقوق الشخصية والحرية الفردية نرى الآداب المسيحية البحتة لا تكاد تشعر أو تعترف بتلك الواجبات المقدسة؛ وها نحن نقرأ في آداب الإسلام هذه الكلمة الجامعة: (كل والٍ يستكفي عاملًا عملًا وفي ولايته من هو أكفأ له فقد خان عهد الله وخليفته) » (3) .
ولأنه يضرب بكل القواعد الأخلاقية عرض الحائط إذا مست بحرية الفرد فهو يعترض على الذين يتساءلون: «إذا كانت المقامرة والقذارة والسُّكْر والدعارة والبطالة من الآفات المزرية بالسعادة شأن الكثير من الأفعال المحظورة بنص القانون؛ فلماذا إذن لا يحاول المشرع قمعها بقدر ما تسمح حالة المجتمع؟ ثم لماذا لا يتقدم الرأي العام ليسد الفراغ الذي لا بد أن يتركه المشرع وينظم رقابة شديدة على هذه الرذائل وينزل العقاب الصارم بمن يوصم بها؟» (4) .
وموقفه من هذا التساؤل هو أن معيار تجريم ذلك اجتماعيًا هو إلحاق الضرر المباشر بالمجتمع «فمثلًا ليس من الحق أن يعاقب إنسان لمجرد السُّكْر، ولكن الجندي الذي يسكر وهو قائم بواجبه جدير بالعقاب.. أما الضرر العَرَضي ـ أو الضرر التقديري - الذي يصيب المجتمع عنماد يتصرف الفرد تصرفًا لا ينحل بأي واجب معين نحو الجمهور ولا يلحق أي أذى بأحد غير نفسه؛ فهو ضرر تافه خليق بالمجتمع أن يتحمله عن طيب خاطر في جانب ما ينشأ عن الحرية من الخير العميم» (5) .
وخلاصة موقفه من الدين تتحدد في ذهابه إلى أنه من واجب الإنسان حمل غيره على إطاعة أوامر الدين هي الأصل لكل ما ارتكبه البشر من ألوان الاضطهاد.
ليبرالية العلمانيين العرب:
إذا كانت هذه الليبرالية كما نظَّر لها الفلاسفة الغربيون فإن الليبرالية التي يدعو إليها العلمانيون العرب تستهدف تحديدًا الإطاحة بالعقائد والمفاهيم والقيم الإسلامية أو تذويبها تمامًا. يقول (الدكتور أحمد أبو زيد) في هذا السياق: «لقد أفلحت الثقافات الليبرالية في الغرب في تحرير الفرد من كثير من القيم التقليدية المتوارثة والأحكام التي تفرضها تلك القيم؛ وبخاصة الأحكام المتعلقة بمفهومي الصواب والخطأ، فيتحرر الفرد من القواعد الأخلاقية والتعاليم الدينية، ويرفض أن تكون تصرفاته وحياته الخاصة وتعامله مع الآخرين محلًا للتقويم والحكم عليه اجتماعيًا وأخلاقيًا كما يحدث في المجتمعات أو الثقافات المحافظة أو غير الليبرالية. فالصواب والخطأ مفهومان تعسفيان صاغهما أشخاص سوداويون متسلطون لإخضاع الآخرين لإرادتهم ووجهة نظرهم المتعسفة الضيقة؛ ولذا يجب رفضهما حتى يحيا الفرد حياته بالصيغة التي تروق له» (6) .
أما (جمال البنا) فيحدد أهم ما تستهدفه هذه الليبرالية في ضرب الثوابت؛ حيث يقول: «إن أهم ما يفترض أن تتجه إليه الحرية هو هذه الثوابت بالذات التي وإن كانت تقوم بالحفاظ والاستقرار للمجتمع وتمسكه من الانزلاق أو التحلل، إلا أن عدم مناقشتها يجعلها تتجمد، بل وتتوثن وتأخذ قداسة الوثن المعبود؛ هذا كله بفرض أن الثوابت هي دائمًا صالحة ولازمة؛ ولكنها لا تكون كذلك دائمًا» (7) .
موقف الإسلام من الليبرالية:
ولسنا هنا بصدد نقد الليبرالية أو تقييمها فلسفيًا؛ وإن كنا نود أن نسجل مبدئيًا أن الأمر يتعلق بالأساس بالرؤية الفلسفية التي يصدر عنها فكر المفكر أو الفيلسوف؛ فقد تكون الليبرالية قابلة للأخذ والرد انطلاقًا من الرؤية العلمانية التي تقتصر على العقل وخبراته في إدراك حقائق الوجود وتصريف شؤون الحياة. أما إذا كان المفكر أو الفيلسوف يتبع عقيدة أو مذهبًا معينًا فإن أول ما تمثله له هذه الليبرالية هي مطالبته بالتخلي عن هذه العقيدة أو هذا المذهب تمامًا؛ وهذا ما يحدو بنا إلى مناقشة الفكرة الأساسية التي تتمحور عليها هذه الدراسة، وهي: هل من الممكن أن يتوافق الإسلام مع هذه الليبرالية؟
فالإسلام دين مبدئي شمولي لا يقبل التجزُّؤ يقوم على عقيدة متكاملة وقواعد ثابتة ومنظومة تجمع بين تصوراته لحقائق الوجود وقواعد السلوك التي ينبغي اتباعها من جهة الفرد والمجتمع على السواء وكذلك القيم الأخلاقية الموجهة لها. وإذا كان الإسلام يتسامح في الحرية العقائدية والفكرية فإنه يستهدف أيضًا إقامة مجتمع مستقر يستمد مرجعيته من قواعده العقائدية التي ارتضاها هذا المجتمع.