فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 3028

ومما لا ريب فيه أن الإسلام ملائم لكل جوانب التفكير والحياة والوجود. وهذا التلاؤم يجب أن يظهر بوضوح تام في كل علم. فالكتب الدراسية المستخدمة في كل علم يجب أن تُكتب من جديد بحيث تضع هذا في موقعه كجزء تكاملي من الرؤية الإسلامية للحقيقة، بل ويجب أن يتلقى المدرسون المسلمون تدريبًا على كيفية استخدام الكتب الدراسية الجديدة ، وأن يعاد تشكيل جامعات المسلمين وكلياتهم ومدارسهم بحيث تستأنف قيادتها الرائدة في تاريخ العالم... لقد كانت"المدرسة الإسلامية"التي استمدت حياتها من رؤية الإسلام هذه هي التي أوجدت لنفسها أوقافا هي التي أعطتها شخصيتها القانونية المشتركة واستقلالها؛ مما جعلها نموذجا تحتذيه جامعات باريس وأكسفورد وكولون في القرن العشرين... كذلك فإن هذه الرؤية الإسلامية هي التي جعلت"المدرسة الإسلامية"رائدة في كل مجال من مجالات البحث الإنساني، وكانت هي القالب الذي تصاغ فيه الشخصية الإنسانية وخصائصها ، وهي المخطط لكل إنجازات الأمة في الثقافة والحضارة. وكانت هذه"المدرسة"تراعى برنامج الإسلام الذي يبدأ يومه بصلاة الفجر وينتهي بصلاة العشاء. وكان نشاطها التعليمي عملية معايشة يتعايش فيها الطالب والمعلم بصفة دائمة ويعملون معا وليس أمامها إلا هدف واحد - هو تطبيق سنن الله في الخليقة... كان منهجها التربوي يقوم على شخصية الشيخ المفعمة بالتقوى والتلميذ الذي عليه أن يحاكى شيخه. وكان افتتاحها بإلباس الشيخ تلميذه"العمامة" (وهي أصل القبعة والرداء اللذين يلبسان في حفل التخرج في الوقت الحاضر) وذلك رمزا إلى الثقة الكاملة التي يجب أن يتكلم بها التلميذ بإذن شيخه ونيابة عنه. كانت مستويات التعليم في أعلى درجة وذلك نظرا للخطورة البالغة لوضع كرامة الشيخ وسمعته في يدي الطالب. كان الوصول إلى هذا"الإحسان" [أو الإتقان] ممكنا لأنه قام على أساس الرؤية الإسلامية، ولأن العزيمة والتفاني في طلب الحقيقة كانا ممحضين لله وحده.

ومع هذا، وعلى الرغم من كل هذا، فقد وجد المسلمون أنفسهم في مطلع القرن الخامس عشر الهجري محاصرين بطوفان من الطلاب، وليس في أيديهم مخططات لنظام تعليمي ينمو نموًا طبيعيًا، [يواجَهون] بانفجار في المعرفة على كل الجبهات مع انعدام المخططات التي تمكن الأساتذة والمؤسسات التعليمية من مواجهته بنجاح... والنتيجة أن العالم الإسلامي استمر يرسل إلى الغرب أعدادا متزايدة من شبابه ليتعلموا ويتدربوا ، ولكنه ظل مع ذلك يعانى فقده لهم نتيجة"هجرة الأدمغة". وزيادة في المأساة ، كان مطلع القرن الخامس عشر الهجري صدمة للضمير الإسلامي إذ تزامنت معه الحرب الدائرة بين العراق والجمهورية الإسلامية في إيران ، وغزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان وغزو إسرائيل للبنان وضم مرتفعات الجولان ومخططات ضم فلسطين كاملة وحروب الصحراء الغربية المستمرة واستمرار احتلال وضم كشمير وبنجلادش ، واضطهاد الشعب المسلم في الهند (وهم يشكلون أكبر أقلية عرفها التاريخ) . والأمَرُّ من هذا، أن العاملين لإنهاض المسلمين أصبحوا على مستوى العالم هدفًا للاتهام والاضطهاد والتشويه. وأصبح مستقبل الإسلام نفسه في خطر.

كل هذه الظواهر لفَّت"الأمة"في ظلمة وكآبة ... وليس ثمة موقف عصيب إلى درجة المأساة أكثر من أن يصبح مفكرو"الأمة"وكل همهم أن يركزوا فكرهم في تشخيص دائها والبحث عن علاج له... إن صرخة الجهاد"الله أكبر"لم تكن يوما مطلبًا ملحًا في التاريخ الإسلامي على المستوى الفكري أكثر منها اليوم.

عسى أن ينهض مفكرو"الأمة"ويرتفعوا إلى مستوى التحدي ! أسأل الله تعالى أن يحفهم دائما بهدايته ، وأن يوفقهم إلى أن يحققوا في هذا المجال ما يرضى الله تعالى ورسوله (r) وجميع المؤمنين.

ذو الحجة 1402 هـ/ 1982 م

إسماعيل راجي الفاروقي

مدير المعهد العالمي للفكر الإسلامي

وينيكوت ، بنسلفانيا

الولايات المتحدة الأمريكية

الفصل الأول

المشكلة

أولا: اعتلال الأمة

تقف الأمة الإسلامية اليوم في مؤخرة ركب الأمم ... ولم يشهد هذا القرن أمة تعرضت لمثل ما تعرضت له الأمة الإسلامية من هزيمة وإذلال. لقد هزم المسلمين وقتلوا وسلبت منهم أوطانهم وثرواتهم، بل وأرواحهم وآمالهم... لقد خُدعوا فاستُعمروا واستُغلوا؛ وفُتنوا في عقيدتهم وأُدخلوا بالقوة أو بالرشوة في أديان أخرى... وقام أعداؤهم من الخارج مستعينين بعملائهم في الداخل فحولوهم إلى علمانيين أو عبيد للغرب وجردوهم من إسلامهم. كل هذا حدث في كل دولة وكل ركن في العالم الإسلامي ، ورغم أن المسلمين كانوا ضحايا الظلم والعدوان في كل ناحية ، فقد ساهمت كل الأمم في تشويه صورتهم وتلطيخ سمعتهم ، إن صفحتهم هي أشد الصفحات سوادا في عالم اليوم... وقد دأبت وسائل الإعلام في أيامنا هذه على تصوير"المسلم"على أنه عدواني ، مخرب ، مخادع ، مستغل ، قاس ، متوحش ، متمرد ، إرهابي ، همجي ، متعصب ، متحجر الفكر ، متخلف ، سقيم الرأي... وقد أصبح لذلك محل الكراهية والاحتقار من غير المسلمين جميعهم سواء أكانوا متقدمين أم متخلفين، رأسماليين أم ماركسيين ، شرقيين أم غربيين، متحضرين أم همجيين... ولا يعرفون عن العالم الإسلامي إلا ما فيه من صراعات وانقسامات واضطرابات وتناقضات وحروب تهدد السلام العالمي، وإلا ما فيه من ثراء فاحش وفقر مدقع ، ومجاعات وأمراض وبائية ، إن"العالم الإسلامي"في نظر الناس اليوم هو"الرجل المريض" [المنتظَر موته] ، ويريد الأعداء أن يجعلوا العالم يقتنع بأن"دين الإسلام"يقف وراء كل هذه الشرور... والأمر الذي يجعل هذه الهزيمة وهذا الإذلال والتشويه أمورا لا تطاق أبدًا أن تعداد هذه الأمة يفوق المليار ، وأنها تملك أوسع رقعة من الأرض المتصلة وأغناها ، وأن إمكانياتها من الموارد البشرية والمادية و الاستراتيجية أعظم من غيرها ، وأن عقيدتها"الإسلام"دين متكامل وصالح ، وإيجابي وواقعي.

ثانيا: الأعراض الرئيسية للمرض

1.على الصعيد السياسي:

"الأمة"منقسمة على نفسها... لقد نجحت القوى الاستعمارية في تفتيت"الأمة"إلى نحو خمسين وحدة سياسية أو أكثر ، وجعلت كلا منها عدوا للأخرى. وقد أقيمت الحدود بين الدول الإسلامية بحيث تخلق خلافات دائمة بين كل دولة والدول المجاورة لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت