أما حلقات تحفيظ القرآن ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، فيكفيها شرفًا أنها تعتني بكتاب الله، ولكن أعداء الدين يعلمون أن هذا الأمة ما دامت متمسكة بكتاب الله حفظًا وعملًا به في شؤون حياتها ودينها، فإنهم لن ينالوا منها .
خاتمة القول: كلنا ينبذ الإرهاب ويمقته، ولكن ينبغي أن تحرر المفاهيم والمصطلحات، وأن توضع النقاط على الحروف، ولا يكون الحرب على الإرهاب عباءة يتدثر بها الحاقدون على الإسلام -لا كثرهم الله -، أو ذريعة وسلمًا للطعن في عقائدنا وديننا. فالله ناصر رسله وأوليائه وحزبه المؤمنين . وصلى الله وسلم و بارك على نبينا محمد وعلى آله وسلم ، والحمد لله رب العالمين .
الشيخ المجاهد مصطفى السباعي رحمه الله تعالى
أحد رواد دراسة الاستشراق في العالم الإسلامي
د.مازن بن صلاح مطبقاني
نشرت جريدة الحياة اللندنية مقالة لموريس أبو ناضر زعم فيها أن كتاب إدوارد سعيد (الاستشراق) هو أول دراسة تحليلية نقدية للاستشراق متجاهلًا الجهود الكبيرة التي بذلها علماؤنا الكبار في هذا المجال. ولأن مثل هذا الرأي بعيد عن الصدق والموضوعية فقد اخترت في هذه المقالة أن أعرف برائد حقيقي في دراسة الاستشراق في العالم الإسلامي . كما وجدت أن جامعة اكستر البريطانية قد عقدت ندوة أو مؤتمرًا بمناسبة مرور الذكرى الثانية لوفاة المؤرخ المصري محمد عبد الحي شعبان الذي عمل في هذه الجامعة رئيسًا لقسم الدراسات الإسلامية مدة طويلة . وقد اطلعت على بعض إنتاج المؤرخ المذكور فوجدته أساء إلى التاريخ الإسلامي أكثر مما قام بمثله كثير من المستشرقين، وهاهم يحتفلون بذكره أو ذكراه، فكم من مؤتمر عقدنا في الجامعات العربية الإسلامية احتفاءً بذكرى السباعي رحمه الله وأمثاله ممن قدموا جهدًا ونتاجًا فكريًا مباركا؟
نشأته وتعليمه
ولد الشيخ مصطفى السباعي عام 1334ـ1915م في مدينة حمص السورية لأسرة عريقة في العلم والتدين والجهاد. فقد كان والده حسني السباعي من علماء حمص المعدودين، وكان خطيب الجامع الكبير فيها. بدا رحمه الله تعليمه بحفظ القرآن الكريم ومبادئ العلوم الشرعية، ثم التحق بالمدارس النظامية حتى أنهى الدراسة الثانوية عام 1930م، ولم يكن التعليم النظامي المصدر الوحيد للتعليم لدى السباعي.
و في عام 1933م التحق بقسم الفقه في الجامعة الأزهرية بالقاهرة، ثم انتقل إلى كلية أصول الدين ونال الماجستير منها، أما بحثه للدكتوراه فكان بعنوان السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي الذي ردّ فيه على شبهات المستشرقين حول السنة وبخاصة شيخهم المجري اليهودي إجناز جولدزيهر بأسلوب علمي رصين
حياته التعليمية
بدأ السباعي التدريس في المدارس الثانوية بحمص، و لم يجد في المدارس ما يشفي غليله من ناحية المنهج أو الأهداف التربوية فأسس المعهد العربي في دمشق و كان أول مدير له. و في عام 1950 انتقل للتدريس في كلية الحقوق بجامعة دمشق، و لكنه كان يرى أن الشريعة الإسلامية يجب أن تحظى بكلية خاصة فدعا إلى ذلك و أسهم إسهامًا كبيرًا في إنشائها و كان أول عميد لها حينما تأسست عام 1955م
و لم يقتصر عمله على التدريس أو العمل عميدًا للكلية أو رئيسًا لقسم الفقه ومذاهبه في الكلية نفسها بل كان له نشاط مكثف في إلقاء المحاضرات العامة رغم ما كانت تسبب له من إرهاق شديد، وكان يقاوم متاعبه الجسمية للقيام بهذه المهام الصعبة وكان يقول:"خير لي أن أموت وأنا أقوم بواجبي نحو الله من أن أموت على فراشي فالآجال بيد الله ، وإن ألمي من حرمان الطلاب من دروس التوجيه أشد وأقسى من آلامي الجسدية ، وحسبي الله عليه الاتكال"
حياته العملية والسياسية
بالإضافة إلى هذه الأعمال العليمة التي تحتاج إلى فريق من الناس، فقد تطلع السباعي إلى خدمة أمته في مجالات أخرى حيث دخل البرلمان نائبًا عن مدينة دمشق، وقد اختير نائبًا لرئيس المجلس، كما اشترك في وضع مسوّدة الدستور ، فكان له جهد مبارك في تأكيد هوية البلاد الإسلامية
ومن المجالات التي عمل فيها السباعي: الصحافة حيث أنشأ جريدة"المنار"واستمرت حتى عام 1349م حيث تم إيقافها. وفي عام 1955م أسس جريدة"الشهاب"واستمرت في الصدور حتى عام 1958م. وفي الوقت نفسه أصدر السباعي"مجلة المسلمون"التي أصبحت تحمل اسم مجلة"حضارة الإسلام"منذ عام 1958م
علامات بارزة في حياة السباعي
إن المتتبع لحياة الشيخ الدكتور السباعي يجدها غنية بالمواقف و النشاطات و الإنتاج العلمي الغزير. و من هذه المواقف مقاومته للغزو الفكري المتمثل في المدارس الأجنبية و الإرساليات التنصيرية فقد ذكر محمد بسام الأسطواني أن السباعي رحمه الله كان صاحب مواهب وحماسة و همة و إمكانات أكبر بكثير من سنّه ،فقد كان أول عمل من أعماله محاربة الغزو الفكري الذي اتخذ من المدارس الأجنبية أداة لتنفيذ هذا الغزو،"يضيف الأسطواني"وكان أول عمل قام به تأليف جمعية سرية لمقاومة مدارس التبشير الأجنبية التي أنشئت بمساعدة وحماية السلطات الاستعمارية أيام الانتداب ، هذه المدارس كانت تنفث سمومها الاستعمارية الخبيثة في أبناء (الطبقة الراقية) و تحبب إلى طلابها الثقافة الغربية والأخلاق والعادات الإفرنجية، وتعمل على إبعادهم عن عقيدتهم وثقافتهم الدينية والعربية، فعمل على محاربتها وأخذ يكتب المنشورات ويعمل على طبعها سرًا أو يتولى مع رفاقه توزيعها على الناس داعيًا فيها إلى محاربة الاستعمار ومدارسه ومظالمه وجرائمه."مجلة حضارة الإسلام: عدد تذكاري جمادى الآخرة -رجب 1348هـ.تشرين الأول-كانون أول 1964م."
السباعي والاستشراق
ولقد بدأ الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى خطوة عملية في مواجهة الاستشراق سبق بها زمنه بعشرات السنين، ولكن هذه الخطوة لم تجد من يواصل طريقها اللاحب، لذلك عندما ظهر كتاب إدوارد سعيد"الاستشراق"ظن كثيرون أنه أول من فضح الاستشراق وعرّاه. وبالرغم من أهمية كتاب إدوارد سعيد إلاّ أن أعمال الشيخ السباعي لم تنل ما تستحقه من الاهتمام والإشادة بها، فهي محطة بارزة في المواجهة مع الاستشراق. وقد تمثلت خطوات السباعي أولًا برسالة الدكتوراه حول السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي التي انتقد فيها موقف المستشرق المجري جولدزيهر كما ردّ على كثير من الآراء الاستشراقية حول علماء الحديث كالإمام الزهري وغيره
و في عام 1956م اتخذت جامعة دمشق خطوة مباركة حيث أوفدت الدكتور السباعي رحمه الله لزيارة الجامعات الغربية للاطلاع على مناهج الدراسات الإسلامية هناك. فزار تركيا وإيطاليا وبريطانيا و إيرلندا وبلجيكا وهولندا و الدنمارك والنرويج و فلندا والنمسا وسويسرا وفرنسا. واجتمع في هذا البلاد كلها بالمستشرقين من أساتذة الدراسات الإسلامية والشرقية، وكانت هذه الزيارة فرصة لمناقشة المستشرقين في مؤلفاتهم وتوضيح أخطائهم المنهجي، وكان السباعي صاحب حجة وبيان مما دعا بعض المستشرقين إلى التراجع عن افتراءاتهم وأخطائهم.