وهاهو السامرائي يسهم من جديد في تناول مسألة الاهتمام بالاستشراق في المملكة العربية السعودية بمحاضرة أوجز فيها ملامح هذا الاهتمام، واضطر- لطبيعة المحاضرة والوقت المخصص لها- أن يوجز وأن يحذف الكثير. وكان من الممكن أن يتوقف قليلًا عند قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة فيتحدث بإيجاز عن تأسيس القسم، والمناهج التي تدرّس فيه، والعلماء الذين عملوا في القسم والإنجازات العلمية لهذا القسم من رسائل علمية أو مشاركات في مؤتمرات عالمية أو إقليمية، وغير ذلك. ولعل باحثًا آخر يهتم بالاستشراق في المملكة العربية السعودية فيعرج على هذه الموضوعات ويوفيها حقها من البحث.
لم يكن عملي في الترجمة صعبًا؛ حيث إن معظم النصوص العربية التي استشهد بها المحاضر متوفرة لدي، والحمد لله، وقد عدت إليها، وما بقي من تعليقات وتحليلات للدكتور السامرائي فإن معرفتي الشخصية به وقراءاتي لكتاباته الأخرى أسهمتا في تسهيل المهمة إلى حد ما. ومع ذلك فلا أدّعي الكمال لعملي فأشكر من يقدم إليّ تصويبًا أو نقدًا، وأشكر الدكتور السامرائي على مراجعته للترجمة وموافقته على نشرها.
وثمة ملاحظة أخيرة في هذه المقدمة أن الدكتور السامرائي أعد محاضرة جديدة عام 1999م عن الاهتمام بالاستشراق في المملكة العربية السعودية وألقيت في ليدن بهولندا، ونظرًا إلى التشابه الكبير بين النصين فقد اخترت بعض الفقرات من النص الجديد ودمجتها في هذا النص راجيًا أن تتاح الفرصة لي أو لغيري لترجمة النص الجديد كله، وذلك لاطلاع الدكتور قاسم السامرائي على النشاطات الفكرية في المملكة العربية السعودية.
النص المترجَم:
لا تكاد توجد جهود أكاديمية (جامعية) في عالم الدراسات الإنسانية أسوأ حظًا في سوابقها من الدراسات الإسلامية في الغرب (158) . بهذه العبارة استهل عبد اللطيف طيباوي المقالة الأولى من مقالتيه في نقد المستشرقين الناطقين باللغة الإنجليزية. وبصفتي أول رئيس لوحدة أنشئت حديثًا (1401هـ/1981م) في مركز البحوث بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية باسم وحدة الاستشراق والتنصير، فقد طُلب منّي أن أترجم مقالتي طيباوي إلى العربية. وقد قال مدير الجامعة في تقديمه للترجمة محددًا دوافع إنشاء الوحدة لتصبح قسمًا أكاديميًا في المدينة المنورة ضمن كلية الدعوة:"فقد عُنيت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالدراسات الاستشراقية منطلقة في ذلك من رسالتها العلمية التي توجب عليها رصد البحوث والنشاطات العلمية التي تتخذ من الإسلام ولغته وحضارته وشعوبه مجالًا لبحوثها، فكان أن أنشأت وحدة خاصة بتلك الدراسات في مركز البحوث بالرياض وقسمًا دراسيًا خاصًا بها في المعهد العالي للدعوة الإسلامية (كلية الدعوة حاليًا) بالمدينة المنورة" (159) .
وواصل معالي المدير حديثه قائلًا:"ولا أريد في هذه المقدمة القصيرة أن أدخل في تفاصيل قضية الاستشراق وموقفنا من المستشرقين، ولكني أشير إلى حقيقة مهمة، وهي أن الخطوة الأولى لمقاومة أي فكر منحرف أو تيار معاد هي التعرف عليه وسبر أغواره، وجمع المعلومات الشاملة عنه، وتحليل تلك المعلومات ونقدها بدقة وأمانة، ومعرفة الأطوار والمراحل التي مر بها، والمنطلقات التي انطلق منها، والأهداف التي يسعى إليها" (160) .
وفي الحقيقة فإن كلمات المدير في العبارات المقتبسة أعلاه تعكس جزئيًا الأجواء الحالية التي تسيطر على الاتجاهات الأكاديمية، والصحافية كذلك، في المملكة العربية السعودية في الوقت الراهن، وموقف الغالبية العظمى من النخبة الفكرية الإسلامية.
وليست هذه هي الصورة كاملة، فمن المؤكد أن الساحة الفكرية ليست خالية تمامًا من أولئك الذين يدافعون عن نشاطات المستشرقين الإيجابية بحماسة ومن دون تحفظ، بينما يشيرون في الوقت نفسه إلى سلبياتهم. إن تأثير هؤلاء محدود بشكل يرثى له ، وصوتهم إنما هو صرخة في واد كما سنرى فيما بعد.
وقد لاحظ دونالد ليتل Donald Little بحقٍ عام 1979م أن"ثمة كمية كبيرة من الكتابات حول الاستشراق والمستشرقين كتبت باللغة العربية واللغات الإسلامية الأخرى أعدت خصيصًا للاستهلاك المحلي" (161) . ولكن ما عدّه ليتل كميّة كبيرة قد أصبح ضخمًا جدًا بعد ثلاث عشرة سنة من ظهور مقالته، وللدقة نقول إنّ هذه الكتابات ليست معدة فقط -كما يقول- للاستهلاك المحلي، ذلك أن معظمها قد كتب أو ترجم إلى إحدى اللغات الغربية.
ولإعطاء فكرة حول أهمية موضوع الاستشراق والمستشرقين في الساحة السعودية المعاصرة فمن الكافي أن نذكر أنه وفقًا للمادة الببليوغرافية التي بين يديَّ فقد صدر أكثر من مئتي كتاب، وليس أقل من ألفي مقالة في السنوات الأخيرة إما بأقلام سعودية أو عرب آخرين يعملون في السعودية. وحتى إن بعض الدوريات المهمة قد خصصت أعدادًا خاصة لهذا الموضوع مثل"عالم الكتب"و"الفيصل"و"المنهل"ضمت مقالات مؤيدة أو معارضة للاستشراق. (162) وقد أصدر مكتب التربية لدول الخليج العربي كتابًا من جزأين ضم مجموعة بحوث حول"مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية (163) . وقد أسهم في هذا العمل عشرون متخصصًا تقريبًا من جامعات ومؤسسات علمية مختلفة في العالم العربي بتقديم بحوثهم حول النتائج التي تم التوصل إليها خلال القرنين الأخيرين من الاستشراق."
وبالإضافة إلى ما سبق فإن معظم الجامعات السعودية السبع تنظم سلسلة من المحاضرات من حين إلى آخر يدعى إليها علماء من هيئة التدريس من هذه الجامعات أو من الخارج ( بما في ذلك أوربيون) ، وبالطبع فمن موضوعات هذه المحاضرات الاستشراق والمستشرقون. وتُسجَّل هذه المحاضرات عادة - على أشرطة كاسيت، وإما أن توزع مجانًا وإمّا أن تباع لدى المحلات المتخصصة في بيع أشرطة الكاسيت، وتوزع هذه التسجيلات على نطاق واسع. والنقطة التي يجب التأكيد عليها هنا أن كلًا من المثقف والعامي ينجذب بسرعة لدرجة أن عنوان مقالة أو عنوان كتاب يحتوي على مصطلح استشراق أو مستشرقين فإنه يثير حب المعرفة لدى القراء، وذلك ببساطة لأن هذه المصطلحات مرتبطة عادة بسوء تمثيل الإسلام وتشويهه، بل للعداء أو التعصب والتحيز ضده. ومع ذلك فإن تحليل كل العوامل التي ساعدت على إيجاد هذا التصور أو تطويره تقع خارج نطاق البحث. وقد ناقش باحث في السعودية هذا الأمر بقوله:"إن (أزمة) المستشرقين (الفكرية) و (الأخلاقية) والمشكلات الناتجة عنهما قد أساءت إليهم أيما إساءة، فيكاد تشويه الحقيقة الفكرية دينية أو تاريخية أو لغوية أو علمية يصبح ظاهرة عامة في العمل الاستشراقي المبطن والسافر، المباشر وغير المباشر. والنتيجة بسيطة وواضحة: شعور عميق بالنفور مما يخلق موقفًا متسمًا بالشك إن لم يكن العداء السافر لأعمال المستشرقين، ونتيجة لذلك فإن ظاهرة الاستشراق كمجال علمي من السهل الشك فيها، كما أن مكانة المستشرق تصبح موضع تساؤل" (164) .