( والنحو الرابع: ما وجه إعجازه ..؟ فقالت طائفة: وجه إعجازه كونه في أعلى مراتب البلاغة ، وقالت طوائف:- إنما وجه إعجازه أن الله منع الخلق من القدرة على معارضته فقط ، فأما الطائفة التي قالت: إنما إعجازه لأنه في أعلى درج البلاغة ، فإنهم شغبوا في ذلك ، بأن ذكروا آيات منه، مثل قوله تعالى:( ولكم في القصاص حياة) 57 ونحوهذا ، وموه بعضهم بأن قال: لو كان كما تقولون من أن الله تعالى منع من معارضته فقط ، لوجب أن يكون أغث ما يمكن أن يكون من الكلام ، فكانت تكون الحجة بذلك أبلغ ) . وبعد رده على هذين الدليلين قال: (فلا بد لهم من هذه الخطة ، أو من المصير إلى قولنا: إن الله منع من معارضته فقط ) .
وقال: ( فصح أنه ليس من نوع بلاغة الناس أصلا ، وأن الله منع الناس من مثله ، وكساه الإعجاز ، وسلبه جميع كلام الخلق ) ، ثم قال في آخر كلامه:- [ والحق من هذا هو ما قاله الله تعالى: ( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ..) 58 وأن كل كلمة قائمة المعنى ، يعلم إذا تليت أنها من القرآن ، فإنها معجزة ، لا يقدر أحد على المجيء بمثلها أبدا ، لأن الله تعالى حال بين الناس وبين ذلك ] 59 .
ولو تأملنا قول ابن حزم السابق ( منع الناس عن مثله وكساه الإعجاز ) نجده كلاما فيه تناقضا ، لأنه لا معنى لأن يكسوه الله الإعجاز ، إذا كان عجز البشر عنه منعا منه سبحانه ، وما دام الوجه هو منع الناس ، فلا يوصف النظم بالإعجاز ، لأن المعجز هو منع الناس عن الإتيان بمثله ، فالمنع يخلع صفة الإعجاز عن النظم ، وينقلها إلى المنع .
وقال بها كذلك: إمام الحرمين ( أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني ت478هـ) ، فبعد أن قرر في كتابه -الإرشاد 60-أن وجه الإعجاز في القرآن هو ( اجتماع الجزالة مع الأسلوب ،والنظم المخالف لأساليب كلام العرب ، فلا يستقل النظم بالإعجاز على التجريد ، ولا تستقل الجزالة أيضا ، ثم الإخبارعن الغيوب الماضية والمستقبلية) ، يتراجع في (العقيدة النظامية ) 61ويناقض رأيه معلنا: أن وجه الإعجاز هو: الصرفة فقال: (وقد أكثر الناس في وجه إعجاز القرآن ، وتقطعوا فيه أيادي سبأ ، وصار معظم الناس إلى أن القرآن تميز على صنوف الكلام بمزية البلاغة والجزالة ، خارج عن المعتاد في ذلك ، ثم زعم زاعمون: أن إعجازه في شرف جزالته ، وذهب آخرون: إلى أن إعجازه في الجزالة الفائقة ، وأسلوبه الخارج عن أساليب النظم والنثر ، والخطب ، والأراجيز، ثم يقول: - من رام أن يثبت إعجاز القرآن بأنه في جزالته خارق للعادات ، مجاوز لفصاحة اللدد البلغاء ،واللسن الفصحاء ، فقد حاد عن مدرك الحق ) ، ثم يقرر الجويني: أن عجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن كان بسبب الصرفة ، فيقول:-(فتبين قطعا أن الخلق ممنوعون عن مثل ما هو من مقدورهم ، وذلك أبلغ عندنا من خرق العوائد بالأفعال البديعة في أنفسها ، ومن هدي إلى هذا المسلك فقد رشد إلى الحق المنير ، وانعكس كل مطعن ذكره الطاعنون عضدا وتأييدا .
إلى أن يقول: فإذا لم تجر المعارضة ، لم يبق لامتناعها ، مع توفر الدواعي عليها محمل إلا صرف الله الخلق ، فكيف يهتدي إلى إعجاز القرآن ، من يحاول أن يثبت خروجه عن العادة في الجزالة ، وشفاء الصدور في الحكم ؟ فإن مثله من مقدورات الخلق ، ولكنهم مصدودون ممنوعون بصرف الله إياهم )62
وعدها الغزالي (أبو حامد محمد بن محمد ت 505هـ ) :- وجها من وجوه الإعجاز، فقال في كتابه -الاقتصاد في الإعتقاد:( فإن قيل:ما وجه إعجاز القرآن ؟ قلنا: الجزالة والفصاحة مع النظم العجيب ، والمنهاج الخارج عن مناهج كلام العرب في خطبهم وأشعارهم ، وسائر صنوف كلامهم ، والجمع بين هذا النظم وهذه الجزالة معجز خارج عن مقدور البشر ، نعم ، ربما يرى للعرب أشعار وخطب حكم فيها بالجزالة ، وربما ينقل عن بعض من قصد المعارضة مراعاة هذا النظم بعد تعلمه من القرآن ، ولكن من غير جزالة ، بل مع ركاكة ، كما يحكى عن ترهات مسيلمة الكذاب حيث قال: الفيل وما أدراك ما الفيل .. الخ ، فهذا وأمثاله ربما يقدر عليه ، مع ركاكة يستغثها الفصحاء ، ويستهزئون بها ، وأما جزالة القرآن فقد قضى كافة العرب منها العجب ، ولم ينقل عن واحد منهم تشبث بطعن في فصاحته ، فهذا إذن معجز وخارج عن مقدور البشر من هذين الوجهين ، أعني من اجتماع هذين الوجهين .
فإن قيل: لعل العرب اشتغلت بالمحاربة والقتال فلم تعرج على معارضة القرآن ، ولو قصدت لقدرت عليه ، أو منعتها العوائق عن الاشتغال به ، والجواب: - إن ما ذكروه هوس ، فإن دفع تحدي المتحدي بنظم كلام أهون من الدفع بالسيف ، مهما جرى على العرب من المسلمين بالأسر والقتل والسبي ، وشن الغارات ، ثم ما ذكروه غير دافع غرضنا ، فإن انصرافهم عن المعارضة لم يكن إلا بصرف من الله تعالى ، والصرف عن المقدور المعتاد من أعظم المعجزات .)63
وهنا أقول مع شيخ مشايخنا ، محمد عبد العظيم الزرقاني: -( إني لأعجب من القول بالصرفة في ذاته ، ثم ليشتد عجبي وأسفي ، حين ينسب إلى نفر من علماء المسلمين ، الذين نرجوهم للدفاع عن القرآن ، ونربأ بأمثالهم أن يثيروا هذه الشبهات في إعجاز القرآن . على أن الحق لا يعرف بالرجال ، إنما يعرف الحق بسلامة الاستدلال ، وها قد طاش هذا الرأي في الميزان - كما سنبين - ، فلنرده على قائله أيا كان .
وليس كل خلاف جاء معتبرا إلا خلاف له حظ من النظر )64
المبحث الخامس
القائلون بالصرفة من الشيعة الإمامية الاثنى عشرية
قال بها الشيخ المفيد في كتابه أوائل المقالات ، وإن حكي عنه غيره ، وقال بها الشريف المرتضى في رسالة خاصة له ، تحت عنوان: ( الموضح عن جهة إعجاز القرآن ) ، والشيخ الطوسي: في شرحه لجمل ( الشريف المرتضى ) ، وإن رجع عنه في كتابه ( الاقتصاد ) ، وقال بها كذلك ابن سنان الخفاجي .
قال الشيخ المفيد (محمد بن محمد النعمان البغدادي ت338هـ ) في وجه إعجاز القرآن:- ( إن جهة ذلك: هو الصرف من الله تعالى لأهل الفصاحة واللسان عن معارضة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله في النظام ، عند تحديه لهم ، وجعل انصرافهم عن الإتيان بمثله - وإن كان في مقدورهم - دليلا على نبوته ، واللطف من الله تعالى مستمر في الصرف عنه إلى آخر الزمان ، وهذا أوضح برهان في الإعجاز ، وأعجب بيان ، وهو مذهب - - النظام - وخالف فيه جمهور أهل الاعتزال ) 65 .
هذا وقد نقل المجلسي في: - بحار الأنوار- قولا آخر للشيخ المفيد في بيان وجوه إعجاز القرآن ، جاء فيه:- ( ما ذهب إليه الشيخ المفيد ، وهو أنه إنما كان معجزا من حيث اختص برتبة في الفصاحة خارقة للعادة ، قال:- لأن مراتب الفصاحة إنما تتفاوت بحسب العلوم التي يفعلها الله في العباد ، فلا يمنع أن يجري الله العادة بقدر من العلوم ، فيقع التمكن بها من مراتب في الفصاحة محصورة متناهية ، ويكون ما زاد على ذلك غير معتادة ، معجزا خارقا للعادة ) 66.
وقال بها كذلك -الشريف المرتضى: ( علي بن الحسين بن موسى بن محمد ت355هـ) :- فقد نقل عنه الطوسي قوله: - ( إن الله سلب العرب العلوم التي كانت تتأتى منهم بها الفصاحة التي هي مثل القرآن ، متى راموا المعارضة ، ولو لم يسلبهم ذلك لكان يتأتى منهم ) 67