وتعود بداية الاهتمام بالاستشراق إلى المرحلة التي وقعت فيها معظم البلاد العربية الإسلامية تحت وطأة الاحتلال الغربي وكان للمستشرقين والاستعماريين اهتمام كبير بثقافة الأمة الإسلامية وعقيدتها وتاريخها ومختلف المجالات المعرفية الخاصة بها. كما تولى المستشرقون مسؤوليات وزارات التربية والتعليم فكان لهم اليد الطولى في وضع المناهج الدراسية حتى أصبح التعليم في العالم العربي والإسلامي ينقسم إلى نوعين من التعليم: التعليم الشرعي والتعليم المدني. وظهرت في العالم الإسلامي الحركات التحررية الحقيقية على أيدي العلماء العاملين فكان في الجزائر على سبيل المثال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلى رأسها الشيخ عبد الحميد بن باديس فكتب يرد على كثير من افتراءات المستشرقين والمسؤولين الفرنسيين في تهجمهم على الإسلام كما كان يتابع الصحافة الفرنسية حتى إنه كتب ذات مرة ( جريدة الطان وسياسة وخز الدبابيس)
ولكن لم يظهر تخصص أو كتابات متخصصة في الرد على المستشرقين حتى مع وجود بعض الكتابات المحدودة كرد الشيخ محمد عبده على الفيلسوف الفرنسي رينان وهناتو وما كتبه الأستاذ محمد كرد علي وغيرهم عن الاستشراق.
ولعل أول من تنبه إلى أهمية دراسة الاستشراق دراسة منتظمة هو الشيخ الدكتور مصطفى السباعي الذي يمكن أن نعدّه بحق رائد دراسة الاستشراق في العصر الحاضر حيث زار المستشرقين في معاقلهم وكلياتهم وجامعاتهم ودخل معهم في محاورات ومناظرات. وكم كتب رحمه الله في مجلته (حضارة الإسلام) كما نشر كتابًا مهمًا في هذا المجال يرد على جولدزيهر وهو كتابه ( السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي) . الذي صدرت طبعته الأولى عام 1368هـ (1949م) هذا بالإضافة إلى كتابه القيم الصغير حجمًا الكبير في أهميته وقيمته العلمية (الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم) . وبإمكاننا أن نضيف كذلك كتابه القيم عن المرأة بعنوان ( المرأة بين الفقه والقانون) ولعل ممن شارك في الريادة كذلك الدكتور محمد البهي رحمه الله في كتابه: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي الذي صدرت طبعته الأولى عام 1376هـ (1957م)
ولكن ما أهمية دراسة الاستشراق وما موقعه بين المذاهب الفكرية المعاصرة؟ صحيح أن الغرب ألغى مصطلح استشراق في المؤتمر الدولي للجمعية الدولية للمستشرقين (عام 1973م) التي أصبحت تسمى"الجمعية الدولية للدراسات الإنسانية حول آسيا وأفريقيا"ثم أصبحت"الجمعية الدولية للدراسات الأسيوية والشمال أفريقية"، ولكننا في العالم الإسلامي ما نزال نصر على هذا المصطلح. وقد يكون للغرب مبرره في رفض التسمية وللمسلمين مبرّراتهم في الاحتفاظ بهذا الاسم. ومهما يكن الأمر فإننا في العالم الإسلامي نَعُدُّ الاستشراق (الدراسات العربية والإسلامية في الغرب) من المواد التي تدرس ضمن مقررات الدراسات الإسلامية بصفته أحد المذاهب الفكرية الهدّامة، ولذلك فإن العديد من الكتب المتخصصة في الاتجاهات الفكرية أو المذاهب الفكرية المعاصرة تجعل الاستشراق أحد هذه المذاهب أو الاتجاهات. وتتناول الاستشراق بصورة نمطية مكررة نشأة الاستشراق، دوافع الاستشراق، وأهدافه، ومدارسه الجغرافية أو الفكرية.
ولكن الحقيقة أن مصطلح استشراق ما زال قائمًا في الغرب حتى وإن تخلوا عنه رسميًا فهذه شبكة المعلومات العالمية أو الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) تقدم آلاف المواقع المتخصصة في الاستشراق قديمًا وحديثًا. فهم وإن تخلوا عنه في العلن فإنه ما زال قائمًا في أدبياتهم وفي نشاطاتهم الفكرية المعاصرة.
فهل الاستشراق حقًا أحد المذاهب الفكرية أو الاتجاهات الفكرية ؟ وهل ينطبق على الاستشراق ما ينطبق على الوجودية أو الماركسية أو العولمة أو الماسونية ؟ هل يمكن البحث في الاستشراق بعيدًا عن مثل هذا التصنيف ؟وهل يمكن البحث فيه دون الأفكار المسبقة بأن الاستشراق شر كله؟
ينوي الباحث في هذا البحث محاولة التوصل إلى أسباب تصنيف الاستشراق ضمن الأفكار الهدّامة بهدف الخروج من الأفكار المسبقة محاولًا التوصل إلى جعل الاستشراق ضمن دراسة الغرب دراسة شاملة بحيث لا تأخذ دراستنا لهم في مجال الدراسات العربية الإسلامية أكثر مما يجب. ويمكن أن نتساءل هل يشغل الغرب نفسه بما نقوله عنه ،وهل جعل لهذا الأمر أقسامًا علمية ؟
وينبغي أن ندرك أنّ الدراسات العربية الإسلامية في الغرب تستمد قوتها وانتشارها من خلال الإمكانات الضخمة المتوفرة لها التي تكفل لها الانتشار في أنحاء العالم ، فرابطة دراسات الشرق الأوسط الأمريكية تضم آلاف الباحثين من شتى أقطار الأرض، فهل نسعى نحن في العالم الإسلامي إلى دراسة أنفسنا وتكوين الرابطات المتخصصة في ذلك ويكون لنا يد في توجيهها الوجهة التي توضح الصورة الحقيقية للإسلام والمسلمين مع اعتبار أن دراسة الإسلام والمسلمين حق من حقوق أي شعب يريد أن يقوم بهذه الدراسة.
هذا وسوف ينقسم هذا البحث إلى مبحثين أحدهما موقف العلماء المسلمين في كتاباتهم حول الغزو الفكري والاتجاهات الفكرية المعاصرة من الاستشراق. أما المبحث الثاني فهو أين يجب أن تقع دراسة الاستشراق في العصر الحاضر.
المبحث الأول
الاستشراق والغزو الفكري والاتجاهات الفكرية المعاصرة
يمكننا أن نبدأ بتعريف التيارات الفكرية المعاصرة بأنها المذاهب التي يتخذها مجموعة من الناس ويعتنقوها ويسعون إلى نشرها وترويجها بكل الوسائل المتاحة لهم. ولهذه المذاهب أدبياتها وأعلامها ومصادرها ومناهجها. وقد تكون هذه التيارات فلسفية أو اجتماعية أو دينية. ولعل من المذاهب الفكرية المعاصرة التي اتفقت معظم الكتب في دراستها الوجودية والبهائية والقاديانية والشيوعية والاشتراكية والرأسمالية. ولهذه المذاهب أعلامها الذين لا يمكن فهمها إلاّ من خلال سيرهم ( كما فعل العقاد بالشيوعية) وكتاباتهم ونشاطاتهم.
وقبل أن نحدد فيما إذا كان الاستشراق أحد المذاهب الفكرية المعاصرة نتناول أولًا بعض ما كتبه عدد من الباحثين المسلمين حول الاستشراق. وقد وجدت أن جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية حينما عقدت مؤتمرًا حول الفقه الإسلامي عام 1396هـ جعلت محورًا من محاوره الغزو الفكري ونشرت هذه البحوث في كتاب تحت عنوان (الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام ) وقد جاء الحديث عن الاستشراق في أكثر من بحث حيث جاء في أحدها قول الباحث عن الدراسات الاستشراقية بأنها"دراسات في كثير من نواحيها تتميز بالصبر والجلد ومحاولة الاستيعاب والتحليل، ولكنها في نفس الوقت تحتوي على أخطاء جسيمة: عمدًا أو جهلًا ثم هي في غالبها لم يقصد بها خدمة العلم والفكر، ولإشباع رغبة خاصة أو عامة في البحث والاطلاع، وإنما كانت في جملتها خدمة مباشرة للدول الاستعمارية أو للكنائس الأوروبية، بغرض تطويق الإسلام وضربه على وعي به وبصر به واقتلاع جوهره الحي النابض الذي يشكل أكبر الأخطار بالنسبة لهم." (1)