العلمانية في تركيا ومصر، وسائر بلاد المسلمين، وبدأت على يد هؤلاء معركة ما يسمى بالصراع بين القديم والجديد ( ) ، والحق أنها معركة التحرر من الإسلام من الداخل، فقامت حركة منظمة قوية على أيدي عصابات متماسكة يحكمها، الهدف الواحد والمصير الواحد، وتوزعت حسب تخصصات أفرادها وقدراتهم، في السياسة والأدب والفكر والتعليم والثقافة، وغيرها، ومنهم من ساهم في أكثرها كالدكتور طه حسين !. وأكثر ما تتضح الاتجاهات العلمانية التي تهمنا، في تلك المؤلفات التي انهالت على الناس في كل جوانب الإسلام وأصوله إنكارًا أو تشكيكًا وتشويهًا وتحريفًا، أو تهكمًا وسخرية بقيم الإسلام ومثله ومطالبة باستبداله بالإنتاج الغربي الراقي - على حد زعمهم - بصراحة حينًا وبالمراوغة والمكر أحيانًا، فكان النصف الأول - من هذا القرن - كله بحق عهد الإنتاج الفكري للاتجاهات العقلية الحديثة، حيث ساهم أكثر روادها في هدم جانب أو أكثر من جوانب الفكر والسلوك الإسلامي. ففي عام 1900م أخرج قاسم أمين كتابيه: ( تحرير المرأة ) ، ( المرأة الجديدة ) ( ) . ثم نشر سلامة موسى كتابه: ( اليوم والغد ) وهو مجموعة مقالات نشرت بين عامي 1925م - 1926م دعا فيه إلى ترك الإسلام واللغة العربية صراحة ( ) . وكتب الدكتور طه حسين كتابه ( الشعر الجاهلي ) عام 1926م طعن فيه بصحة بعض القصص التي وردت في القرآن وزعم أن القرآن نتاج بشري، وأشياء أخرى تمس العقيدة في الصميم ( ) ، ثم مقالاته وبحوثه وكتبه تباعًا، فيها التشكيك والطعن في الإسلام بكل وسيلة سواء ما كان في غير الإسلاميات مثل: ( مستقبل الثقافة في مصر ) ، ( وفي الأدب الجاهلي ) و ( حديث الأربعاء ) ، ونحوها، أو ما كان في إسلامياته ولا تقل خطرًا عما قبلها مثل: ( على هامش السيرة ) و ( الفتنة الكبرى ) ، التي لم تسلم منها العقيدة الإسلامية وقد تجرد فيها من كل شيء حسب مبدئه إلا من الدس والطعن والتشكيك في القيم والأخلاق الإسلامية ! وكتب الشيخ علي عبد الرازق كتابه ( الإسلام وأصول الحكم ) عام 1925م زعم فيه أن الإسلام لا صلة له بالدولة، أنه بريء من التدخل في السياسة والحكم والقضاء. وكتب الدكتور محمد حسين هيكل كتابه ( حياة محمد - 1935م ) اهتم فيه بالجانب الإنساني، في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وترك جوانب الوحي والنبوة والغيب وأنكر المعجزات، بدعوى أن العلم الحديث لا يصدقها وعرض السيرة النبوية على نمط الدراسات الغربية المادية. وكتب الدكتور أحمد أمين موسوعته الإسلامية، في تاريخ الحياة العقلية للأمة الإسلامية في ( فجر الإسلام وضحاه وظهره ) أكد فيه أثر الجانب العقلي في العقيدة الإسلامية، وقد تأثر بالعقلية المادية الغربية في بعض دراساته وهذا ما سأعرض له في مقالة أخرى إن شاء الله. وكتب الشيخ محمود أبو رية كتابه ( أضواء على السنة المحمدية ) طعن فيه بالسنة النبوية وحجيتها طعنًا مكشوفًا، كما طعن في عدالة بعض الصحابة رضي الله عنهم. وكتب محمد أحمد خلف الله ( رسالة ماجستير ) زعم فيها أن القرآن اشتمل على الخرافات والأساطير، وطبعها في كتاب بعنوان ( الفن القصصي في القرآن ) . هؤلاء من المشاهير والرواد في مصر وحدها ولم تكن تركيا وبقية بلاد العالم الإسلامي بأقل حظًا منها. فالاتجاهات العلمانية في تركيا قد واكبت أو سبقت أختها في مصر والشام، وقد تمخضت عن الثورة الكمالية، بجهود رواد جمعية الاتحاد والترقي، الذين هم من أقوى دعاة العلمانية والتجديد وإلغاء الخلافة والشريعة الإسلامية من الأرض وتحرير الشرق من الدين بزعمهم ( ) ! وقد اتخمت المكتبة الإسلامية، والصحف والمجلات ومناهج التعليم بهذه الأفكار في العالم الإسلامي كله، وكما أتت هذه الاتجاهات ثمارها فكريًا، كذلك أتت ثمارها عمليًا وسياسيًا، فتمخضت عن العلمانية في تركيا أولًا، ثم في العالم الإسلامي كله تباعًا. ثم عن القوميات والوطنيات التي مزقت أرض الإسلام وشتت المسلمين ثم عن الاشتراكية، والناصرية، والشيوعية، والبعثية، والرأسمالية، وتسلطت العصابات على رقاب المسلمين، فجاست خلال الديار، وعاثت في الأرض فسادًا. في هذا الجو المتوتر المشحون بالفتن نمت وترعرعت وأثمرت جهود أعداء الإسلام في غزو المسلمين فكريًا في عقر دارهم، فالله أسأل أن يعيد للمسلمين عزهم وهيبتهم ومجدهم بالعود الحميد إلى دينه وصراطه المستقيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. الحواشي ( ) أذكر منهم على سبيل المثال: 1- جريردي أورالياك (938 - 1003م) ابتعث إلى الأندلس ودرس في جامعاتها الإسلامية ثم رجع، فكان أوسع علماء عصره في بلده ( فرنسا ) حتى وصل إلى البابوية وأنشأ مدارس عربية بين قومه. 2- قسطنطين الإغريقي - توفى عام ( 1087 م) رحل إلى بغداد وخرسان والشام ومصر والقيروان والهند ثم رجع إلى بلاده. 3- ميخائيل سكوت ( 1175 - 1236م ) رحل إلى الأندلس وتعلم فيها وترجم كثيرًا من الكتب الإسلامية إلى لغات غربية، وألف كثيرًا من الكتب نقلًا عن المسلمين. 4- رايمند ولوليو ( 1235 - 1314 ) . تعلم العربية وحفظ القرآن، ثم رجع إلى باريس، وانضم إلى الرهبانية وأشرف على مدرسة لتعليم العربية في ميراما، وتخرج منه رهبان كثيرون ودعا إلى تعليم اللغات الشرقية في أوربا.. للإفادة من الحضارة الإسلامية، وألف كثيرًا من الكتب التي أفادها من العلوم الإسلامية وكانت سببًا في بذور الوعي في بني قومه. 5- بوستل ( 1505 - 1581م ) تعلم العربية وكثيرًا من اللغات الشرقية واشترى كثيرًا من المخطوطات الإسلامية وصار أستاذًا للعربية والعبرية في عهد فرانسوا الأول، حيث تخرج على يديه نفر من طلائع المستشرقين، ثم أستاذًا للعربية في جامعة فيينا، وألف كثير من الكتب عن الإسلام والمسلمين راجع ( المستشرقون ) لنجيب العقيقي ص 133 - 135، 120، 121، 127، 128، 171، 172 المجلد الأول. ( ) راجع الفكر الإسلامي الحديث للدكتور محمد البهي ص281 إلى 288. ( ) وكثر المفكرون الذين قادوا الحركة العقلية أمثال ولف ولسنج ونيتشة في ألمانيا، وفولتير وبيلي ولاندي في فرنسا، ولوك في إنجلترا، فكانت ثورة عقلية عارمة شملت جميع أوجه الحياة ونشاطاتها العلمية والعملية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ( ) مثل الحركات الثورية الدموية، وعصابات التخريب والاختطاف والاغتيالات والسرقات. ( ) راجع ( المستشرقون ) نجيب العقيقي ص54 المجلد الأول. ( ) راجع ( المستشرقون ) نجيب العقيقي ص 360 - 361 المجلد الأول. ( ) راجع في ذلك: 1- الاستشراق والمستشرقون لمصطفى السباعي ص 21 - 25. 2- أجنحة المكر الثلاثة - عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني ص 94 - 98. 3- الفكر الإسلامي الحديث - د. محمد البهي 48 - 63. ( ) راجع الإسلام والثقافة العربية لنور الجندي ص18. ( ) راجع المذاهب المعاصرة وموقف الإسلام منها د عبد الرحمن عميرة ص275. ( ) راجع الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار للدكتور محمد البهي ص41، 42، 43. ( ) راجع تاريخ الأمة العربية ( عصر الانبعاث ) محمد سعد أطلس من ص 74 إلى ص 87. ( ) المصدر السابق. ( ) راجع الكتب التالية: - التبشير والاستعمار لمصطفى الخالدي وعمر فروخ الطبعة الخامسة 1973م - الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية الطبعة الثانية 1397هـ. - أجنحة المكر الثلاثة - عبد الرحمن بن حسن حنبكة - فصل خطط العدو لغزو الإسلام ص 201. - الفكر الإسلامي الحديث من ص 27 إلى ص 47. ( ) درج الكتاب