فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 3028

وهذه النتيجة - مع الأسف - صرح بها وكررها كثير من الباحثين المعاصرين من أمثال أحمد أمين، وطه حسين، وشوقي ضيف (6) ..وغيرهم من مؤرخي الأدب وألمح إليها الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه (تاريخ الإسلام السياسي) وغيره من المؤرخين الذين كتبوا في تاريخ هذه الفترة (7) ... وهذه الصور مع افتراض صحة كل الأخبار التي أوردها صاحب الكتاب - وهو افتراض بعيد - لا تعطي الحقيقة كلها، ولا تصلح حجة لإصدار حكم عام على المجتمع المدني والمكي ، لأن كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني خاص بالأغاني العربية ، كما يدل عليه اسمه ، وكما صرح مؤلفه في مقدمة كتابه فهو إذن حديث عن فئة خاصة أقلية النسبة للمجتمع، وأيضًا في أضعف نوعيات المجتمع وهي فئة المغنين والجواري والعبدان وأصحاب اللهو والمجون ، ثم إن صاحب الكتاب يعرض الجانب الضعيف من حياة هذه الفئة، ولا يذكر مواطن الجد والشجاعة والرجولة والاستقامة من حياتهم ، ثم هي فئة لاتمثل المجتمع بأي شكل من الأشكال وإنما ينظر إليها العقلاء في كل وقت وعصر حتى مع تغير المفاهيم وبعد كثير من الناس عن حقيقة الدين إلى أنها فئة ساقطة ومحتقرة وخاصة في المجتمع الذي يتحدث عنه صاحب الكتاب، فهذا الإمام مالك إمام دار الهجرة يقول عنهم:"إنما كنا نسميهم الفساق" (8) وليس من الأمانة العلمية أن نصدر حكمًا عامًا على مجتمع من المجتمعات أو أمة من الأمم من واقع شريحة واحدة من شرائح المجتمع ، كبيرة كانت أم صغيرة ، بل لابد من النظر إلى كافة جوانب حياة الأمة الإيجابية منها والسلبية.

6-إضعاف دراسة التاريخ الإسلامي ومزاحمته بغيره:

إن من وسائل دعاة الغزو الفكري إضعاف دراسة تاريخ الأمة الإسلامية في المدارس والجامعات ومراكز العلم في العالم الإسلامي ، ومزاحمته من تواريخ الأمم الكافرة سواء القديم منها والحديث ،مما يضعف شأنه في نفوس الدارسين ، حيث يعطى لهم بصورة مختصرة ومشوهة ، بينما يفسح المجال لدراسات واسعة في التاريخ القديم ، ويربط سكان كل منطقة بتواريخ الأمم الجاهلية التى عاشت فيها ، ففي مصر الفرعونية ، وفي العراق البابلية والسومرية ، وفي بلاد الشام الفينيقية ، وفي اليمن السبائية والحميرية ، مما يوجد الوطنيات العرقية الضيقة ويفتت الوحدة الإسلامية ، ويشتت أوصال التاريخ الإسلامي ، بحيث يبدو وكأنه نقطة في بحر أو جدول صغير في نهر .

7-جعل واقع المسلمين في العصور المتأخرة الصورة الحقيقية لتعاليم الإسلام:

في عرض التاريخ الإسلامي في مثل تلك المراكز يجعل واقع المسلمين المتخلف هو الصورة الحقيقية لتعاليم الإسلام ، وهذا تشويه متعمد ومغالطة للحقائق العلمية والواقع والغرض من ذلك تزهيد المسلمين في دينهم والفصل بينهم وبينه حيث يصورون لهم الدين من خلال درس التاريخ بالصورة المتخلفة التي أنتجها واقع المسلمين المنحرف عن تعاليم الإسلام ، ثم يجعلون المسلم بين خيارين إما أن يصبر على التخلف إذا أراد التمسك بدينه ، وإما أن يأخذ سبيل التقدم لكن عليه أن ينبذ دينه كما نبذت أوربا دينها ، ويخفون في دهاء ومكر الخيار الثالث الذي هو البديل الصحيح عن الخيارين السابقين، وهو النهوض بالأمة والرجوع بها إلى مستوى دينها الحق، وبيان أن ما وقعت فيه الأمة من التخلف والانحطاط هو نتيجة طبيعية لتخلفها في عقيدتها وإسلامها ، لا نتيجة تمسكها به كما يصور ذلك أعداؤها... ثم إن هناك فرقًا بين الدين الحق دين الإسلام ؛ وبين الخرافة التي كانت عليها أوربا وتسميها دينًا ، حقًا إن أوربا لم تتقدم ماديًا وعسكريًا وعلميًا إلا بعد أن نبذت الخرافة وتخلت عنها وحررت عقلها من آثارها فإنها لم تكن على دين بل كانت على خرافة. ولا شك أن هذا الأسلوب في عرض المسألة وتصويرها هو من التلبيس المتعمد والتشويه المقصود الذي حاول المستشرقون زرعه في قلوب الناشئة من أبناء العالم الإسلامي.

8 -إبراز دور الفرق الضالة وتضخيمه:

لقد وجد دعاة الفتنة من المستشرقين ومن لف لفهم وسلك طريقهم غايتهم المنشودة في الفرق المنحرفة والخارجة على سبيل السنة مثل الخوارج، والرافضة، والقرامطة وإخوان الصفا، والمعتزلة ، وإلجهمية وأيضًا من الشخصيات الضالة مثل ابن سبأ ، وعبيد الله بن ميمون القداح ، والحاكم العبيدي ، وصاحب الزنج ، والحلاج ، وابن عربي ، وغيرهم فنشروا تراثهم واعتنوا بتاريخهم وضخموا أدوارهم وأقاموا المراكز والجمعيات لخدمة ذلك ، مع تصويرهم لحركاتهم وإبرازها على أنها حركات إصلاحية ومعارضة للفساد ، وهذا كله تزوير للحقائق وإخفاء للأهداف الحقيقية التي تسعى تلك الفرق وأولئك الأشخاص إلى تحقيقها وهي تحطيم الخلافة الإسلامية ، وتبديل مفاهيم الدين الصحيحة بمفاهيم باطنية ووضعية ، والكفر ملة واحدة والكفار بعضهم أولياء بعض لذلك لا نستغرب من المستشرقين إحياء تراث الفرق المنحرفة والشغب بها وبرجالها على التاريخ الإسلامي ، ومزاحمة سير رجاله وأبطاله ودعاته بسير قادة الفرق الضالة واتهام المؤرخين المسلمين بالتعصب ضدهم وتحريف تاريخهم، لا نستغرب ذلك لأنه مقتضى كفرهم وعداوتهم لأهل التوحيد والإيمان فهم يكيدون للمسلمين ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، ولا يتوقع من ملل الكفر عدل ولا إنصاف، ولكن المستغرب أن يناصرهم ويشايعهم من ينتسب للإسلام فيقوم بنشر سمومهم بين بني جلدتهم من المسلمين ليصرفوا به الأغرار عن الصراط المستقيم .

9-تجاهل الترتيب الصحيح لمصادر التاريخ الإسلامي:

التاريخ الإسلامي له مصادر أصيلة دونها أهل العلم وفق منهجية علمية أصيلة مستقلة ولها مراتب في التوثيق وفق شروط معلومة في المؤرخ وفي ما يكتب ، ولكن دعاة الغزو الفكري من المستشرقين والمنصرين وأعوانهم من داخل العالم الإسلامي لا يعرفون هذا الترتيب ، وإذا عرف بعضهم تجاهل ولم يلتزم حتى يحقق رغبته في تشويه التاريخ الإسلامي وأهله ، ولذلك نجدهم -كما سبقت الإشارة في سمات المنهج العلمي عندهم - يرجعون إلى كتب الحكايات والسمر وكتب الأدب مثل المستطرف ، والأغاني والحيوان ، وغيرها من كتب الطرائف والنوادر التي لم يقصد مؤلفوها تدوين الحقائق التاريخية بقدر ما قصدوا إلى جمع الأخبار والحكايات التي فيها تسلية وتغذية للمجالس بينما يغفلون كتبًا من أوثق الكتب بما تضمنت من الحقائق التاريخية مثل كتب الحديث النبوي من المصنفات والسنن والمسانيد والجوامع التي تذكر أخبار السلف بالأسانيد، ومثل كتب الفقه التي تذكر السوابق التاريخية والقضايا التي وقعت من القضاة والفقهاء والحكام ، ومثل كتب السير والتراجم .

ثم هم لا يوجد لديهم ميزان للمرويات غير منهج التوسم (9) ، والاستعادة والترجيح العقلي، وهذا غير كاف لمعرفة صحة الرواية ونقد الأسانيد الذي اعتنى به العلماء المسلمون في علم الجرح والتعديل ومصطلح الحديث وقوانين الرواية، ومن المعلوم أنه لابد من إثبات صحة الأخبار والوقائع قبل البحث في تفسيرها وتعليلها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت