فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 3028

نظرة شرعية في فكر: علي حرب

-علي حرب مفكر لبناني معاصر ، يكتب في الفلسفة وفي ما يُسمى"النقد التفكيكي"على وجه الخصوص .

-وهو لايؤمن بجميع الأديان - لا الإسلام ولاغيره - ! وقد جهر بهذا في مواضع من كتبه ، منها: قوله:"إنني أسعى إلى التحرر من كل أدلوجة، وأحاول النهوض من كل سباتٍ عقائدي؛ أكان نبويًا أم فلسفيًا، دينيًا أم علمانيًا، أصوليًا أم حداثيًا". (الفكر والحدث، ص237) .

-وقد اعترف في النهاية بأنه لا يملك مشروعًا فكريًا ! إنما هو الهدم للعقائد ، وعلى رأسها الإسلام ! ، يقول:"لا أزعم أنني صاحب مشروع فكري وثقافي" (الفكر والحدث، ص94) . ويقول - أيضًا -:"لا مشروع عندي". (السابق، ص265) .

-ويقول معترفًا بعلمانيته"الملحدة":"إنني إذ انتقد الأطروحة العلمانية لا أعني بذلك التخلي عن العلمانية". (الممنوع والممتنع، ص26) .

-ويقول ملمحًا إلى هدفه من نقده التفكيكي:"إن المنحى الحفري التفكيكي شكَّل أهم حدث فكري في النصف الثاني من القرن العشرين عند من يرى ويسمع، أو يقرأ ويفهم. به تزعزعت ثوابت فكرية راسخة، وتداعت قلاع ما ورائية حصينة". (الممنوع والممتنع، ص24) .

-أما عن مناقشة فكره التفكيكي فأتركها لأحد المتخصصين:

قال الأستاذ حسن الأسمري في رسالته الجامعية التي لم تُطبع بعد"موقف الاتجاه الفلسفي المعاصر من النص الشرعي" ( ص 385-395 ) مناقشًا فكر علي حرب:

"يعتني الدكتور علي حرب بالنص، وتقوم دراساته حول النصوص الفكرية والفلسفية، وسبب اهتمامه بالنصوص أن النص (لم يعد مجرد أداة للمعرفة، بل أصبح هو نفسه ميدانًا معرفيًا مستقلًا، أي مجالًا لإنتاج معرفة تجعلنا نعيد النظر فيما كنا نعرفه عن النص والمعرفة في آن. من هنا فهو يستأثر الآن باهتمام الباحثين، وينشغل به أهل الفكر على اختلاف ميادين عملهم ومجالات اختصاصهم) (30) النص (بات يشكل منطقة من مناطق عمل الفكر. وهذا ما يجعل منه منطقة من مناطق عمل الفكر) (31) ، وتصور النص عند علي حرب تحكمه رؤية (جديدة مفتوحة تستبعد منهجين كلاهما يقوم على الحجب والاستبعاد، فهي تستبعد أولًا المنهج اللاهوتي الماورائي الذي يعتبر أن الخطاب هو مجرد تعبير عن معنى قائم بذاته موجود في عقل أعلى أو متعال، إلهي أو إنساني يتصف بالمعنى والقصد، وتستبعد ثانيًا المنهج الواقعي الموضوعي الذي يحكم على النص بإسناد الخطاب إلى مرجع خارجي أو من خلال مطابقة الكلام لموضوعه.. وحدها النظرية الجديدة التي أوثر تسميتها"أنطولوجيا النص"تعيد الاعتبار في آن، للنص ولتفاسيره وقراءاته..) (32) ، منهج يهتم بالنظر إلى النص فقط، دون اعتبار لقائله والمتكلم به، ودون اعتبار لأي ظروف محيطة به، ويبقى الإشكال مع النصوص الدينية، فالنصوص الدينية لا تقبل الانفصال عن قائلها، فالقرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى، والحديث هو من الوحي الذي تكلم به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأي نظرة إلى كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم تستبعد المتكلم تقع في محاذير كثيرة، فإن هذه النصوص لا تنفصل عن قائلها وعن مراده، وأي نظر إليها دون النظر إلى مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم يفتح الباب للقول فيها بالظنون والأقوال الباطلة."

وعلي حرب مع اهتمامه بالنص على الصورة السابقة، إلا أنه يهتم أكثر بنقد النص، والنقد والنص مفهومان مصنوعان في حضارة الغرب، مفهومان مفروضان من قبل الثقافة الغربية، بصورة ضيقة معروفة في بعض المنهجيات الفكرية الغريبة، وقد أخذ علي حرب هذين المفهومين وأنزلهما على الإسلام.

أي أن علي حرب لا يتعامل مع النص بصورته الواقعية المعروفة وإنما بصورته التي صنعتها بعض الاتجاهات الفكرية الغربية، فهو يتعامل مع (نص) صورته مصنوعة في فترة زمنية معينة، ومن قبل فئة معينة، وإذا أتى زمنٌ آخر وفئة أخرى بصورة جديدة للنص، انتقلنا إليها، وهكذا.

بعد هذا ننتقل إلى الأمر الثاني وهو النقد التفكيكي، خاصة أنه أصبح من أهم المفاهيم المنتشرة في الفترة الأخيرة عند كثير من الاتجاهات، وإن كان أكثر في الجانب الأدبي، إلا أنه موجود كذلك مع الاتجاه الفلسفي، مع أن أهل الاتجاه الأدبي التفكيكي لا يفرقون بين النصوص، فالأدبية والدينية والفكرية نصوص متساوية ينطبق عليها هذا المنهج، لكنهم يركزون نشاطهم فقط على النصوص الأدبية، ويرجع ذلك في أغلبه إلى طبيعة تخصصهم من جهة، ولظروف المكان الذي يعيشون فيه من جهة ثانية.

حرب والنقد التفكيكي:

إذا كان علي حرب يتعامل باهتمام مع النص، فإن نقده للنص هو أهم ما يميز تعامله مع النص، وذلك تحت مفهوم جديد وهو (النقد التفكيكي) ، والآن نحاول التعرف على هذا النقد:

في البداية ينبه علي حرب، ويكرر ذل مرارًا بأنه لا يمارس النقد بصورته التقليدية، فنقده (لا يقوم على نقد المذاهب والمدارس والأدلوجات على أساس التفريق بين الصحيح والفاسد، أو بين الصادق والكاذب، أو بين العلمي والخرافي) (33) وإن كان أحيانًا يذكر أهمية مثل هذا النقد، ولكنه لا يمثل أهمية كبيرة تعادل نقده الجديد، بل ويصب نقده اللاذع لمثل هؤلاء النقاد.

وهذه عادتهم جميعًا ، فلا بد من البدء بإلغاء الآخرين، وإلغاء المنهجيات الأخرى والتصورات الأخرى التي تخالفه، ثم يأتي وكأنه المنقذ وصاحب المنهج السليم.

يقول عن نقده بأنه يمثل (النقد الحديث كما مورس ابتداءً من كنط وكما تطور واغتنى بعده وبخاصة لدى المعاصرين بدءًا من نيتشة وانتهاءً بآخر المدارس النقدية) (34) .

وتتمثل شخصيات النقد التفكيكي في نيتشه وهيدغر وميشال فوكو وأخيرًا جاك دريدا (الذي تبنى المصطلح وبرع في استثمار التفكيك حتى اشتهر به) ويأتي أحيانًا معهم جيل دولوز (35) إضافة إلى الذين ساهموا في تشكيل التيار البنيوي فقد مارسوا هذا النمط من التفكير أمثال ألتوسير ولا كان وليفي شتراوس وبارت (36) ، أما فوكو ودريدا وجيل دولوز وألتوسير ولا كان وليفي وبارت فهم من المتأخرين في الثقافة الأوروبية، وأغلبهم يعيشون في مكان واحد، وبيئة واحدة، في فرنسا، ولهم تأثر كبير بالعلوم الاجتماعية الحديثة إضافة إلى علم اللغة الحديث الذي افتتحه دوسوسير، وكذلك يجمع بينهم إلغاء الإنسان أو إعلان موته، أو موت المؤلف، وذلك بعد أن أعلن نيتشه موت الله، وفي المقابل نجدهم يعلون من شأن بعض الأنظمة الفكرية واللغوية بصورة يجعلونها متحكمة في مصير البشر والفكر والمعرفة والتصورات إلى حد جعلها أشبه بالخالق المدبر لهذا الكون والمتصرف فيه.

ننتقل من النقاد إلى بعض الملامح العامة حول النقد عنده، ونرى تصوره للنقد، فالنقد عبارة عن (بحث في قبليات المعرفة وشروط إمكان الفكر… يرمي إلى البحث في المؤسسات والأبنية والممارسات التي تتيح للخطابات أن تتشكل وتنتشر …. باختصار إن النقد بالمعنى الحديث بل الأحدث، هو قراءة في النصوص والتجارب لسير إمكاناتها واستنطاقها عن مجهولاتها. وهذا هو النقد بالمعنى الأنطولوجي للكلمة… يستقصي المجهول والمغيب والمستبعد…) (37) وبهذا يتخطى النقد (نقد الفرق والمذاهب إلى نقد أصول المعرفة الإسلامية. نتخطى نقد التفاسير والشروحات إلى نقد الوحي نفسه، وذلك بالتعامل معه كمعطى يخضع للمعرفة النقدية وشروطها..) (38) والفضل في افتتاح هذا النقد يعود إلى محمد أركون (39) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت