فكان من تلك الجماعات ما تخصص في العلم ونشره ، ومنها ما تفرع للدعوة والأعمال التربوية ، ومنها ما توجه نحو مشاريع الرعاية الاجتماعية والأنشطة الخيرية ، وبينما انتصبت جماعات للسعي في الإصلاح ليكون الإسلام هو الحل من خلال وسائل وقنوات سياسية ، رأى آخرون أن ذلك الحل لن يتحقق إلا عبر مشروعات تغيير جهادية ، تقوم على فرض حلول عسكرية للنوازل التي بدأت عسكرية ، بغزو الكفار للمسلمين في عقر ديارهم حتى وصل الأمر إلى ذروته باحتلال الإنجليز لعاصمة الخلافة الأخيرة ( إسطنبول ) - القسطنطينية سابقًا - عام 1918م وكان ذلك تتويجًا لمسيرة طويلة من الاجتياح العسكري لبلاد المسلمين ، اشتركت فيها الدول الاستعمارية بمذاهبها النصرانية الثلاثة: البروتستانية ، والكاثوليكية ، والأرثوذكسية ، فالإنجليز البروتستانت اشتركوا مع الفرنسيين الكاثوليك منذ وقت مبكر في التربص بجزيرة العرب ، فضربوا مدينة جدة عام 1858م ، ثم احتل الإنجليز الإمارات الخليجية عام 1866م ، واحتلوا مصر عام 1882م ، و السودان عام 1899م ، وكانوا قد بسطوا هيمنتهم على جنوب اليمن قبل ذلك في العام 1839م واحتلوا عُمان عام 1858م ، هذا في القرن التاسع عشر أما في القرن العشرين فقد احتل الإنجليز العراق عام 1917م ، و فلسطين عام 1918م ، و سوريا عام 1920م ، وها هم يعودون إلى العراق في القرن الحادي والعشرين بالاشتراك مع الأمريكيين في العام 2003م ، ولا يزالون يتربصون مع الأمريكيين بقائمة أخرى من البلدان العربية والإسلامية في السنوات القليلة المقبلة .
وأما فرنسا الكاثوليكية فقد احتلت مصر عام 1799م ، واحتلت الجزائر عام 1830م ، و تونس عام 1882م ، و المغرب 1911م ، و موريتانيا 1903م ، وسوريا 1918م ، واحتل كذلك الإيطاليون الكاثوليك إريتريا عام 1878م و ليبيا عام 1911م ، وحتى النمسويون احتلوا أراضي المسلمين في البوسنة و الهرسك عام 1887م .
أما الروس الأرثوذكس ، فقد بطشوا بالمسلمين أيام روسيا القيصرية ، وفي عهد روسيا الشيوعية وإلى اليوم بعد أن عاد الروس نصرانيتهم الأرثوذكسية ، فقد احتلوا بلاد القوقاز عام 1864م ، و طشقند عام 1878م ، و أوزبكستان و تركستان الغربية عام 1890م ، وضموا طاجيسكتان عام 1929م ، و تركمستان عام 1925م ، وهم إلى اليوم يتربصون بالوجود الإسلامي في آسيا ؛ فبعد غزوهم لأفغانستان عام 1979م ؛ غزوا الشيشان عام 1994م ، ثم انسحبوا منها ، ثم غزوها مرة أخرى عام 1999م .
وقد رأى الذين اختاروا الحل المسلح أن المنافقين العلمانيين الذين خلفوا المستعمرين الكفار في بلاد المسلمين لم يكونوا يقلون عن الأعداء الظاهرين إفسادًا وعداءً للإسلام وأهله ، لأنهم نابوا عنهم في كل ما جاؤوا من أجله: إقصاء الشريعة ...
مطاردة الدعوة .. هدر الثروات .. شق الصفوف .. إفساد الأجيال .. ترسيخ التبعية ...
توطين الطغيان ورهن الأوطان ؛ فقد كانوا باختصار خلفاء للاستعمار باسم مستعار وهو: الوطنيون الأحرار .
وبغض النظر عن تعيين الخيار الأنجع والأوقع من بين تلك الخيارات التي توزع إليها العمل الإسلامي ؛ فإن الأمة بمجموعها كانت تحتاج إلى التنويع بين كل ذلك ؛ فاختلاف أحوالها زمانيًا ومكانيًا ؛ كان يفرض بين آن وآخر ومكان وآخر ؛ التركيز على لون من ألوان تلك التوجهات ؛ فبينما وجد الإسلاميون أنفسهم في ساحات معينة غير قادرين إلا على التوسع في النشاطات السلمية الرسمية ، اضطر آخرون لاتخاذ موقف الدفاع في جبهات معارضة سياسية ، أو أقحموا في منازلات ومواجهات عسكرية ، وبخاصة عندما كان يأتي الخطر من الخارج عبر الداخل من خلال المنافقين أو المغفلين ، مثلما حدث في كل البلاد التي احتلها الكفار وآخرها أفغانستان التي احتلها الروس الملحدون في أول القرن الهجري الحالي ، ثم احتلها النصارى الصليبيون آخر الربع الأول منه ، وكذلك العراق التي احتلت مؤخرًا ، ووجد الإسلاميون فيها أنفسهم فجأة في مواجهة عدو غازٍ محتل ، لا يملكون خيارًا في مواجهته إلا حمل النفس على حمل السلاح دون سابق إعداد أو استعداد .
لقد كان كل فصيل من فصائل العمل الإسلامي في الجملة يقوم بدور مكمل لأدوار الآخرين ، بحيث لا يمكن الزعم بأن جهدًا واحدًا منهم كان يمكن أن يغني عن جهود الآخرين ، فلم يكن بوسع الأمة في مرحلة ما أن تتحول كلها إلى مجاهدين ، ولم يكن مطلوبًا منها في أخرى أن تفرغ كل جهدها خلف السياسيين ، ولم يكن واجبًا عليها في يوم من الأيام أن تحول كل العاملين إلى علماء أو طلاب علم أو مفكرين ، كما أنها لم يكن في مستطاعها أن ترهن كل أنواع التغييرات التحتية انتظارًا للتغييرات الفوقية .
كان لا بد للسفينة أن تمضي وتسير مهما حاربتها الرياح وعرقلتها الأعاصير ، صحيح أن فصائل العمل الإسلامي لم تنسق مسبقًا لتوزيع الأدوار ، ولم تتفق قبلًا على تنويع المهام ، إلا أن الأمور سارت بقدر من الله نحو تكامل معقول أدى فيه العاملون للإسلام بمجموعهم ولا يزالون الكثير مما كان يجب أن تقوم به الأنظمة والحكومات ، تلك التي كانت في غالبها الأعم لا تكتفي بكف يدها عن الإصلاح الشرعي المطلوب لأحوال الأمة ، وإنما تعدت ذلك إلى سد الأبواب أمام المصلحين ، وفتحها أمام المفسدين والمنحرفين .
لقد كان هذا التكامل - غير المقصود - بين تخصصات العمل الإسلامي برهانًا على خيرية الأمة ، ودليلًا على قابلية التشريع ؛ لأن يعيش فيها وبها في ظل أحلك الظروف ، فحتى مع غياب (1) أخرجه أبو داود في سننه ، (3740) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (599) .
الكيان الجامع المسؤول عن القيام بكل هذا في عالم المسلمين - أعني به نظام الدولة الواحدة ( الخلافة ) - فإن سفينة الإسلام سارت ولا تزال تسير - ويا للعجب - بغير ربان ولا قبطان .
وعندما أقول أنها سارت ولا تزال بلا ربان ولا قبطان ؛ فإني أعني بذلك غياب الولاية العالمية العامة للمسلمين ، بشقيها: السياسي والعلمي لنحو قرن من الزمان ، فلم يكن لهم طوال أكثر من قرن مضى ولاية سياسية موحدة تُخضع الجميع ، ولا ولاية علمية عامة تقنع الجميع وتجب لها طاعة الجميع كما أمر الله تعالى في قوله: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ] (النساء: 59) .
لهذا سارت السفينة خلال قرن مضى تعترضها الأخطار ، وتصارعها الأمواج ، وتصفق فوقها الصواعق والبروق فلا تنتهي ، وتجري عكسها الرياح بما لا تشتهي ، كل ذلك وقلة من المخلصين من ركابها ينوبون عن ربانها الغائب في القيادة الجماعية القائمة على غير خبرة أو اختصاص ، وعلى غير ترتيب سابق ولا تنسيق لاحق ، لكن السفينة سارت ، وبقيت في سيرها للآن محاولة الوصول إلى بر الأمان .
إن أي تقويم لنتائج العمل الإسلامي في حقبه السابقة لا بد أن يستصحب ويستحضر هاتين المقدمتين المهمتين:
غياب الولاية السياسية العامة ،
وغياب الولاية العلمية العامة ؛
لأن غيابهما قد حول أحوال الأمة إلى ظرف استثنائي ، تعسّر فيه علاج المعضلات على أصولها ، وتعذَّر جمع الآراء حول حل لها ، فأصبح الضعف العام في الأمة لذلك يكاد يبدو بدهيًا في ظل تلك الأوضاع غير الطبيعية .
? إنجازات رغم الصعوبات:
مع كل ما اقترن بمسيرة العمل الإسلامي من عراقيل وعقابيل ؛ فقد أنجز العاملون للإسلام على اختلاف أطيافهم وانتماءاتهم إنجازات كبيرة في ظل ظروف الأزمة تلك ، ويمكن تعداد أبرزها فيما يأتي: