فعلينا أن نحذر من الاتجاه"الإطرائي"للواقع ، ومحاولة تحسينه وإبراز صورته سالمة من كل عيب ، منزهة عن كل نقص ، وغضّ الطرف عن العيوب الكامنة فيه ، وإن كانت تنخر في كيانه ، واتهام كل من ينقد هذه العيوب والآفات بأنه مشوش ، أو مبالغ أو متطرف .
ونحذر كذلك من الاتجاه"التشاؤمي"الذي ينظر إلى الواقع بمنظار أسود ، يجرده من كل حسنة ، ويلحق به كل نقيصة ، ولا يرى فيه إلا ظلمات متراكمة ، موروثة من عهود التخلف ، أو وافدة مع عهد الاستعمار . جماهير مُضلَّلة ، وأقطار هي مجموعة"أصفار"!! وما يرجى من تغيير ، أو يؤمل من إصلاح ، فهو سراب يحسبه الظمآن ماء .
ومثل ذلك: الاتجاه"التآمري"الذي يرى وراء كل حدث ـ وإن صغر ـ أيادي أجنبية ، وقوى خفية ، تحركه من وراء ستار . ونحن لا ننكر التآمر والكيد ولكن تضخيم ذلك بحيث يجعلنا"أحجارًا على رقعة الشطرنج"يفتُ في عضدنا ، وييئسنا من أي توجه إيجابي لإرادة التغيير ، ويريحنا بأن نشعر أننا أبدا ضحايا من هو أقوى منا ، ولا حلَ أمامنا غير الاستسلام للواقع المر . ومن ناحية أخرى يجعلنا هذا لا نعود على أنفسنا باللائمة ولا نحاول إصلاح ما فسد ، وتدارك ما وقع .
إن أوْلى من تعليق أخطائنا على مشجب التآمر الخارجي ، أن نردَها إلى الخلل الداخلي ، أي الخلل في أنفسنا قبل كل شيء: (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ).
وقريب من ذلك الاتجاه"التنصلي"في تفسير الواقع ، بمعنى أن أحدًا لا يريد أن يتحمل مسؤولية ما في هذا الواقع من سوء وانحراف ، فكل واحد ، وكل فريق ، يريد أن يحمل وزره على غيره ، أما هو فلا ذنب له ، ولا تبعة عليه .
الكل يشكو من الفساد ، ولكن من المسؤول عن فساد الحال ؟ وأين الخلل ؟ جمهور كبير من الناس يحملون المسؤولية على العلماء ، والعلماء يحملون المسؤولية على الحكام ، والحكام يحملونها على الضغوط الخارجية أو الضرورات الداخلية .
والحق أن الجميع مسؤولون ، كل حسب ماله من طاقة وسلطة: الجماهير والعلماء ، والمفكرون والمربون والحكام: (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) ). ( متفق عليه من حديث ابن عمر . صحيح الجامع الصغير برقم 4569) .
ومن التفسيرات الخاطئة للواقع: التفسير التسويغي التبريري الذي يحاول أن يضفي على الواقع ، ما يجعله مقبولًا ومشروعًا ، وإن حاد عن الحق وسواء السبيل ، وفي هذا لون من التدليس والتلبيس ، بإظهار الواقع على غير حقيقته ، وإلباسه زيا غير زيه .
إننا نريد معرفة واقع عصرنا وعالمنا عموما ، وواقع أمتنا خصوصًا كما هو ، دون تحريف ولا تزييف ، ولا تهويل ولا تهوين ، ولا مدح ولا ذم ، مستخدمين الأساليب العلمية الموضوعية في الكشف والرصد والتحليل ، وفي هذا ما يساعدنا على تشخيص الداء ووصف الدواء .
إن أعداءنا يعرفوننا تمامًا ، فنحن مكشوفون لهم حتى النخاع ، فهل عرفنا نحن أعداءنا ؟ وإذا كنا لم نعرف أنفسنا كما عرفها غيرنا ، فكيف نعرفهم ؟ بل هل عرفنا أنفسنا مثلما عرفها خصومنا ؟
عصرنا بين الإيجابيات والسلبيات
إنه عصر الإيجابيات:
عصر العلم والتكنولوجيا .
عصر الحرية وحقوق الإنسان واستقلال الشعوب .
عصر السرعة والقوة والتغيرات السريعة ، والتطورات الهائلة .
عصر الاتحاد والتكتلات الكبيرة .
عصر التخطيط والتنظيم لا الارتجالية والفوضى والتواكل .
عصر اقتحام المستقبل ، وعدم الاكتفاء بالحاضر ، فضلًا عن الانكفاء على الماضي .
وهو أيضًا عصر السلبيات:
عصر غلبة المادية والنفعية .
عصر تدليل الإنسان بإشباع شهواته .
عصر التلوث بكل مظاهره .
عصر الوسائل والآلات ، لا المقاصد والغايات .
عصر القلق والأمراض النفسية ، والتمزقات الاجتماعية .
والناس قسمان حيال العصر: منهم من يهرب منه إلى الماضي خوفًا منه بدل المواجهة ، ومنهم من يندمج فيه إلى حد الذوبان ، والخير في الوسط حين نستعمل إرادتنا واختيارنا أمام هذه المؤثرات لنأخذ ما ينفعنا وندع ما يضرنا .
ويجب أن ننتبه الى نقطة أن العصر ليس الغرب وحده وإن كان هو المهيمن والمسيطر ، فهناك العالم الإسلامي ، وعالم الشرق الأقصى بدياناته وفلسفاته .
ويردد كثير من تجار الثقافة دعوة مشبوهة هي استيراد الثقافة الغربية بكل عناصرها بدعويين: عالمية هذه الثقافة ، وأنها ثقافة لا تتجزأ .
أما عالمية الثقافة فهي شبهة خاطئة لأنهم يخلطون بين العلم والثقافة ، فالعلم كوني ، والثقافة خاصة بكل قوم وكل جماعة . العلم واحد والثقافات متنوعة متعددة .
أما دعوى أن الثقافة لا تتجزأ فهي مرفوضة تاريخيًا وواقعيًا . لقد أخذ العرب عن الأمم كثيرًا مما عندها من العلوم والمعارف ، ولكنهم لم يأخذوا ثقافتها ، وبقوا محافظين على لغتهم وعقيدتهم وعاداتهم وأعرافهم . أما في العصر الحديث فقد أخذ اليابانيون عن الغربيين العلم والمناهج ، ولم يأخذوا عنهم عقائدهم وشعائرهم وتقاليدهم .
2-العلم والتكنولوجيا:
إن أصالتنا لا تمنعنا من أخذ هذا العلم والاقتباس منه والانتفاع به ، بل هي توجب علينا ذلك إيجابًا . إن التكنولوجيا لا تشترى شراء ، فتلك التي تشترى لا تطور المجتمع ، فهي تساعد على الاستهلاك لا الإنتاج ، والتقليد لا الاتباع . إن التكنولوجيا يجب أن تنبت عندنا ، وأن تتفاعل مع واقعنا ، وأن نحملها نحن . ولا يظنَنَ ظان أن ما نملكه اليوم من أجهزة ومعدات يجعلنا عصريين .
3 -النظرة المستقبلية:
إن من طبيعة المعاصرة ألا نستسلم للحاضر بل نتطلع دائمًا إلى المستقبل . إن النظرة إلى المستقبل لا تقوم على الكهانة والتنجيم ، ولكن على الإحصاء والتخطيط ، والدراسة والرصد وبناء النتائج على المقدمات . يجب أن نفيد من دراسات المستقبل التي ازدهرت في الفترة الأخيرة ازدهارًا كبيرًا .
والناس بين الماضي والمستقبل على ثلاثة أنواع:
أ . الماضويون: المشدودون دائمًا إلى الوراء لا ينظرون أمامهم أبدًا . ومن سماتهم أنهم يضفون لونًا من القداسة على التراث فهو برأيهم حق كله لا يمكن أن نترك شيئًا فيه . ويسرفون في ردّ كل جديد إلى قديم من التراث ، وإن لم يقم على ذلك برهان: فالطب الحديث مأخوذ من الرازي وابن سينا ، وعلم الاجتماع المعاصر يوجد عند ابن خلدون ، واللسانيات المعاصرة عند سيبويه ... وهلم جرَا . وهم يعتبرون كل زمن شرًا مما قبله ، ومتعلقون بالصورة والشكل لا بالروح والجوهر .
ب . المغرقون في المستقبلية: ينظرون دائمًا إلى الأمام ولا يلتفتون إلى الوراء لأن الإنسان يتطور دائمًا إلى ما هو أحسن وأمثل ، إنهم كما وصفهم أحد المفكرين:"كأنما يريدون أن يلغوا الماضي من الزمن ، و (أمس) من اللغة ، والفعل الماضي من الكلام ، ويحذفوا الوراء من الجهة ، والذاكرة من الإنسان". التراث عندهم متهم ، والماضي بغيض ، والسلف متخلفون ، وتاريخ الأمة ظلمات بعضها فوق بعض . يسكتون عن حسنات التراث ، ويضخمون ما فيه من فتن وانحرافات .
ج - دعاة الوسطية: هم الذين سلموا من إفراط الأولين وتفريط الآخرين ، يعلمون أن التطور والتغير ليس دائمًا إلى الأحسن والأمثل . يرحبون بالتطور إذا كان ارتقاء إلى ما هو أفضل ، وينكرونه إذا اتجه نحو الهبوط والانحدار . إنه تيار الوسطية الذي لا يغفل المستقبل ولا ينسى الماضي .
4.العناية بحقوق الإنسان:
يصور كثير من الباحثين أن حقوق الإنسان نبت غربي لم يكن قبلا في الأمم السابقة ، والحقيقة أن هذه نظرة مبتسرة قاصرة .