فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 3028

لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في بيت المقدس ، وكانت جثث القتلى تحوم في الدم .. وكانت الأيدي والأذرع المبتورة تسبح كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها !! وأباد الفرسان الصليبيون الأتقياء جميع سكان القدس من المسلمين واليهود والنصارى .. وكان سلوك الصليبيين غير سلوك الخليفة الكريم عمر بن الخطاب حين وصل القدس منذ بضعة قرون .. ولا يسعنا سوى الاعتراف بأننا لم نجد بين وحوش الفاتحين من يؤاخذ على اقترافه جرائم قتل كتلك التي اقترفت ضد المسلمين" (2) ،"

أما المستشرق روم لاندو فيقول:"مثل هذا الإفناء البشري باسم المسيح كان لا بد له أن يُذهل الإنسانية ، ولقد عجزت القرون المتعاقبة عن محو هذه الوصمة … وإن كَرّ السنين لم يخفف من أعمال اللا تسامح التي قام بها الصليبيون باسم الله" (3) .

أمّا كنه هؤلاء"الأتقياء"فيحدّده أسقف عكا (جاك دوفيتري) :"كان لا يُرى منهم في أرض الميعاد غير الزنادقة والملحدين واللصوص والخائنين" (4) .

صفحة من تاريخنا

بعد حطين ، فتحت مدينة القدس أبوابها للسلطان صلاح الدين ، ثم أمر رجالًا ينادون في الصليبيين ، أن كل عاجز عن دفع الفداء له أن يخرج ، فهو حر لوجه الله تعالى"وكان موقف صلاح الدين معاكسًا للمذابح التي ارتكبها النصارى فأطلق الأسرى وقدم الهبات للأرامل واليتامى" (5) .

مَلكنا فكان العفو منّا سجيةً *** فلما ملكتم سال بالدمِ أبطُحُ

وحلّلْتمُ قتل الأسارى ، وطالما *** غدونا على الأسرى نَمُنُّ ونصفحُ

وما عجبٌ هذا التفاوتُ بيننا *** فكلُّ إناءٍ بالذي فيهِ يَنضحُ

الأحفاد المتحضّرون!

عاشت هزيمة الغرب في حطين في الذاكرة الجماعية للغرب حتى اليوم ، وتجلت بشكل روح غربية عدائية امتدت على مر القرون .

لقد امتد الغزو الصليبي للعالم الإسلامي في المكان ، وامتد في الزمان ، فعوضًا عن أن يعتذر الغربيون عما ارتكب أجدادهم من فظائع ، نراهم يحتفظون بعداءٍ تاريخي للعرب وللمسلمين، فحتى هذا العصر ! عصر العولمة والانفتاح العالمي الحضاري ! لا زالت جمعية متطرفة تعقد اجتماعًا سنويًا في جنوب فرنسة في مكان انطلاق الحملة الصليبية الأولى ، حيث تلقى الخطب المهووسة المحاكية لخطب (أوربان الثاني) !وتعيد تمثيل انطلاق هذه الحملة ! (6)

ولست أدري ما الذي يجعل هؤلاء"الأتقياء !"يتركون الحاضر ليجترّوا أحقاد الماضي ؟! وما الذي يمنعهم عن مواصلة (حملتهم المقدسة) إلى القدس اليوم لتحريرها من رجس أعداء مريم والمسيح ؟! يقول الدكتور عمر فروخ في كتابه القيم ( التبشير والاستعمار) :"يدّعي الغربيون أنهم مسيحيون ثم هم يُسلِّمون مهد المسيح لأعداء المسيح!".

وإن المرء ليعجب من الغرب المتطرف في علمانيته ! كيف يحمل صليبه أمام المسلمين ليصبح شديد التدين ؟!.

وإن المرء ليعجب من الغرب المسيحي في كنيسته ،والصهيوني في سياسته ،والمادي في حياته! .

"تلك أمانيهم"

"لا تستطيع أمريكا إلا أن تقف في الصف المعادي للإسلام ، لأنها إن فعلت غير ذلك تنكّرت للغتها وثقافتها ومؤسساتها ! إن هدف العالم الغربي في الشرق الأوسط هو تدمير الحضارة الإسلامية ، وإن قيام إسرائيل هو جزء من المخطط ، وليس إلا استمرارًا للحروب الصليبية !" (7) . هذا ما صرح به يوجين روستو ، رئيس قسم التخطيط بوزارة الخارجية الأمريكية سابقًا . وتؤكد رئيسة وزراء بريطانية السابقة تاتشر هذه المخططات فتقول:"يقف الغرب اليوم مع الشرق الأرثوذكسي والكاثوليكي في خندق واحد لمجابهة العدو ، وهو الإسلام" (8) .

وينفخ المستشرق المعاصر فرانسيس فوكوياما نار الصراع ليزيد من الرُّهاب اللمرضي الغربي من الإسلام فيقول:"إن هناك عدوًا قادمًا للحضارة الغربية هو الإسلام … وهذه الإيديولوجية ستصبح النقيض للإيديولوجية الغربية ، وبالتالي لا بد أن ينتصر أحدهما وينهزم الآخر ، لأن العالم لن يستمر في حالة صراع بين العقيدة الغربية والإسلام" (9) !

أما ( دي ميسنيل ) فيعلن هدفه بوضوح أكثر:"إن الهدف الذي يتعين علينا تحقيقه هو تحطيم قوة التماسك الجبارة التي يتميز بها الإسلام ، أو على الأقل إضعاف هذه القوة" (10) .

وقد تَنسُبُ السُّمَّ للحمامةِ حيّةٌ !

هذا الحقد الصليبي لم ينج منه حتى أطفال المسلمين ، وإذا أردنا أن نعرف تخوم هذا الحقد فلنسأل أطفال فلسطين أو أطفال البوسنة والعراق ، وتحت عنوان (الطفل المسلم قنبلة موقوتة ) يقول ت. س. إليوت:"إن الغرب سينتهي ليس بانفجار بل بنشيج ، لعله نشيج طفل مسلم في مهده" (11) .

وليس هذا فحسب ، بل طال الحقد حتى المقدسات ، واقرأ هذا التشبيه الحاقد اللا أخلاقي للرئيس السابق بل كلينتون:"في مدينة نيويورك تحولت محطة هارلم للسكك الحديدية مع الوقت إلى (مكة) يحج إليها المتعاملون بالمخدرات ، ورجال العصابات ، والمجرمون من جميع الأنواع" (12) .

قلت: هذه المقولة تؤكد صدق نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:"إنهم لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القِبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين" (13) .

الحروب الصليبية الجديدة في البوسنة

على أبواب سراييفو سقطت كل الأقنعة ، فبدت الوجوه الكالحة والحاقدة على كل مسلم ولو كان أوربيًا ، وقد اعترف بهذه الحقيقة ريتشارد نيكسون:"إن العالم لم يهب لنجدة سراييفو لأن غالبية سكانها مسلمون"! .

وأكد هذه الحقيقة د.مراد هوفمان فكتب ساخرًا:"لم يتدخل العالم المتحضر عسكريًا لإنقاذ مسلمي البوسنة ، ولكن انشغل بالمساعدات الإنسانية ! وعمل بجد واجتهاد حتى يضمن للمسلمين أن يُعذَّبوا أو يُغتصبوا أو يموتوا وهم شبعانون ! لقد سمّت وسائل الإعلام الغربية ضحايا البوسنة بالمسلمين ، ولكنها أغفلت تمامًا الإشارة إلى ديانة القتلة المعتدين"! (14) .

ويتساءل وزير الخارجية السوري الأستاذ فاروق الشرع:"لو كان مسلمو البوسنة الذين يتعرضون لعمليات التطهير العرقي والترحيل الجماعي والاغتصاب الوحشي ينتمون إلى عرقٍ ودينٍ آخر هل كانت هذه المذبحة ستستمر؟! إننا لا نستطيع أن نثق بأن الغرب يستهدف فعلًا رفع الظلم عن الإنسان ، وإحقاق حقوقه في كل مكان وزمان .. إن من يخرق الحقوق الأساسية للشعوب ، هم أولئك الذين يرفعون شعار حقوق الإنسان" (15) .

كما يتساءل وليد نويهض عن أسباب ما جرى من جرائم:"كيف نفهم تصرفات الصرب في البوسنة وأمام عدسات الكاميرا ؟ ولماذا الانتقام من الحجر بعد البشر ؟ هل هو اقتلاع للذاكرة ومسحٌ للتاريخ ؟ وهل التقدم هو (تقدم) في وسائل الفتك أيضًا ؟!" (16) .

بلى ففي هذه الحضارة السؤال المهم هو: ما هويتك ؟ ومن البوسنة إلى كوسوفا إلى الشيشان إلى فلسطين يمكن أن تعني الإجابة الخاطئة على هذا السؤال رصاصة في الرأس !! .

هذه الروح المتوحشة انتشرت في أوربة ، ففي فرنسة صدر أمر بابوي بطرد رئيس الكنيسة الكاثوليكية بمدينة (افروه) من أسقفيته لأنه أعلن تأييده للمسلمين في البوسنة والشيشان (17) . أما في ألمانية فقد نقلت صحيفة (الديلي تلغراف) أن أطفالًا بوسنيين قد استُخدموا لإجراء اختبارات تصادم السيارات .. يقول د. مراد هوفمان:"إن إبداء موقف إيجابي من الإسلام في ألمانيا وإنجلترا هو بلا شك خطأ فادح بل قاتل" (18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت