ومن هذه الآداب أنَّ الساحة طالما كانت مشتركة فلا يجوز بحكم الشراكة أن يحدث طرف ما يسبب الضرر على الآخر ، فلا ضرر ولا ضرار .
الشرط السابع: وضوح مفهوم الولاء والبعد عن خط الاحتواء
أحيانًا بسبب عدم وضوح الأهداف والوسائل يحدث كثير من خلط الأوراق ، ويظن أن الدعوة إلى المنهج السلفي يعد نوعًا من التعصب أو الحزبية ، والأمر خلاف ذلك ، فالدعوة هنا إلى منهج لا إلى أشخاص ، والمنهج في حد ذاته معصوم لأنه لا يتقيد إلا يالكتاب والسنة والإجماع ، فالولاء هنا لله ولرسوله لا لفلان وفلان من الشيوخ
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (20/5) :"فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحب الله ورسوله ، وأن يبغض ما أبغضه الله ورسوله مما دل عليه في كتابه فلا يجوز لأحد أن يجعل الأصل في الدين لشخص إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا بقول إلا لكتاب الله عز وجل ، ومن نصب شخصا كائنا من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو { من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا } الآية وإذا تفقه الرجل وتأدب بطريقة قوم من المؤمنين مثل: اتباع: الأئمة والمشايخ ; فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم العيار فيوالي من وافقهم ويعادي من خالفهم فينبغي للإنسان أن يعود نفسه التفقه الباطن في قلبه والعمل به فهذا زاجر . وكمائن القلوب تظهر عند المحن . وليس لأحد أن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها لكونها قول أصحابه ولا يناجز عليها بل لأجل أنها مما أمر الله به ورسوله ; أو أخبر الله به ورسوله ; لكون ذلك طاعة لله ورسوله . وينبغي للداعي أن يقدم فيما استدلوا به من القرآن ; فإنه نور وهدى ; ثم يجعل إمام الأئمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ; ثم كلام الأئمة . ولا يخلو أمر الداعي من أمرين:"
الأول: أن يكون مجتهدا أو مقلدا فالمجتهد ينظر في تصانيف المتقدمين من القرون الثلاثة ; ثم يرجح ما ينبغي ترجيحه .
الثاني: المقلد يقلد السلف ; إذ القرون المتقدمة أفضل مما بعدها . فإذا تبين هذا فنقول كما أمرنا ربنا: { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا } إلى قوله: { مسلمون } ونأمر بما أمرنا به . وننهى عما نهانا عنه في نص كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى:"وما آتاكم الرسول فخذوه"الآية فمبنى أحكام هذا الدين على ثلاثة أقسام: الكتاب ; والسنة ; والإجماع أهـ
وهنا تأتي مسألة التميز والاستقلالية ، فنحن نحتاج إلى دعاة متمايزين ، لأنَّ من شأن هذا التميز أن يغطي أكبر قدر من احتياجات الناس ، وبهذا يخدم كل داعية شريحة معينة من المجتمع ، ولذلك يتكرر التنبيه على نبذ التقليد بكافة صوره ، ولا يتأتى لنا ذلك إلا بوضوح المنهج والبعد عن الحزبيات والتعصب المقيت ، فلا يكون لواء الولاء والبراء إلا لله ورسوله .
وينبغي أن ندرك أنَّ من صور التميز الالتزام المطلق بشرائع الإسلام فإنها شهادة حق أما التقصير فإنه مرفوض ولا مسوغ له وإن تعددت الذرائع فإنَّ التفريط ولو في القليل شهادة باطل توصم بها الدعوة ككل .
الشرط الثامن: النصيحة للإصلاح
قال تعالى:"والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"
وفي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم:"الدين النصيحة"
وفي الصحيحين قال جابر بن عبد الله: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (28/603) : أعظم ما عبد الله به نصيحة خلقه فالنصيحة عماد الدين وقوامه ، وحقيقتها قبول الحق وإن خالف الهوى وكان بغيضًا إلى النفس ، ورد الباطل على قائله ولو كان حبيبًا
وفرق بين النصيحة والفضيحة ، فكلما كان النصح في السر دون العلن كان أفضل ، وكلما الخلافات تحل بالنصح المتبادل داخل الحجرات المغلقة كان أولى ،
ولا أرى أنَّ ثمرات هذا التناصح ستبدو في الأفق دون أن تتآلف القلوب وتنبذ العداوات ، وتهمش الذاتيات . هذا بين أهل الدعوة .
أما بذل النصيحة لكل مسلم ، فإنه يقتضي أنْ تكون رفيقًا بهم وإن أجرموا وتعدوا فلن تعدم فيهم الخير .
الشرط التاسع: الاختصاص
من الشروط اللازمة للدعوة إلى الله في هذا العصر التخصص ، فتكثيف الجهد في تخصص معين نبغ فيه الداعية ، ومع التمايز والاستقلالية ، من شأنه أن بتباعد عن السطحيات ، ولكن هذا الشرط مقيد بأن يوجد في الساحة من يسد جميع الثغرات ، هذا في ميدان الفقه وآخر في العقيدة وآخر في السنة وآخر في علوم القرآن ، وهذا في الطب وآخر في الاقتصاد وآخر في الهندسة وهكذا نجد نوعيات مختلفة بثقافات مختلفة يجمعها منهج واحد أهدافهم واضحة أدواتهم راسخة أصحاب رؤية واقعية ، صادقين في جهادهم ، ملتزمين بضوابط المنهج، لهم شخصيات متميزة مستقلة ، لا توالي إلا في الله ولا تعادي إلا في الله ، يبذلهم جهدهم في نصيحة عباد الله بأفضل وسيلة .
وهذا يجعلنا نتساءل:
كيف ندعو إلى الله ؟
أولًا: أن نعرف من ندعو
فالناس أصناف عدة فمنهم:
1)المريض الذي يحتاج إلى الدواء الناجع .
2)والجاهل الأمي الجافي .
3)والمكابر المغرور المجادل .
وكلً صنف من هذه الأصناف الثلاثة يحتاج إلى فقه عالٍ في التعامل معه ، ولهذا كان من شرط الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون حكيمًا فيما يأمر حكيمًا فيما ينهى ، والحكمة وضع الأمور في نصابها
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى
ويرتبط بهذا الشأن ما سبق الحديث عنه في شأن فقه الحال والبصر بواقع الأمور.
ثانيًا: التدرج
في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ
"إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ."
فالننبي صلى الله عليه وسلم يعلم معاذًا رسوله وداعيته إلى اليمن أن يتدرج معهم وهذا ما يسمى بفقه الأولويات ، بأن نقدم الواجبات الأولى فالأولى ، ونراعي أن نقدم الفرض على المندوب ، والنهي عن المحرمات قبل المكروهات .
والتدرج لا يعني بحال تقسيم الدين إلى قشور ولباب كما قد يفهم البعض ، بل دين الله تعالى كلٌ واحد .
ولكي يصل الداعية إلى هذا ينبغي أن يكون فقيهًا فيما يأمر وفيما ينهى ، يعرف كيف يبدأ بما يناسب الناس ، فيراعي أخلاقياتهم وأعمارهم وأوقاتهم وأعمارهم .
قالوا: كونوا ربانيين حلماء فقهاء ، والرباني هو الذي يعلم الناس بصغار العلم قبل كباره .
ثالثًا: تطوير طرق الدعوة .
لابد من مراعاة الطرق المعروفة مع أهل الزمان حتى تكون أكثر وقعًا وتأثيرًا في النفوس والقلوب ، لكن يتحاشى ما قد يؤدي إلى الفساد .