"والدعوة إلى الله واجبة على من اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم وهم أمته وقد وصفهم الله بذلك: كقوله تعالى:"الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"فهذه في حقه صلى الله عليه وسلم وفي حقهم قوله: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } الآية وقوله: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } الآية . وهذا الواجب واجب على مجموع الأمة ، وهو فرض كفاية يسقط عن البعض بالبعض كقوله: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } الآية فجميع الأمة تقوم مقامه في الدعوة: فبهذا إجماعهم حجة وإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله أهـ"
إن من واجباتنا أن نؤصل في أذهان جميع المسلمين هذه الأصل الأصيل ، ألا وهو حتمية الدعوة ، فيتعاهد الجميع أمام الله تعالى بألا يمر يوم إلا وقد تقرب إلى الله بدعوة رجل واحد على أقل تقدير .
إن من المفارقات العجيبة أنَّ أحد الإخوة أعدَّ متوالية حسابية على اعتبار أنَّ فردًا واحدًا سيدعو صديقًا له ، ثم انطلق الرجلان في الدعوة بعد ذلك ليصيروا أربعة في السنة التالية وهكذا دواليك .
هل تصدقون أن خلال ثلاثين سنة بهذه المعادلة الحسابية تكون الدعوة وصلت إلى ألف مليون مسلم .
ثانيًا: كل يدعو إلى الله على حسب الطاقة والقدرة
من الأمور التي تختلط في أذهان الكثيرين أنه قد يتصور أنَّ الدعوة إلى الله هي أن يعتلي المنابر ويلقي الدروس والمحاضرات ، أو أن يتصور أنَّ وضعه الاجتماعي لا يؤهله للقيام بهذا الواجب .
والأمر أيسر مما يتوهمه هؤلاء ، إنَّ أبا بكر صديق هذه الأمة ـ رضي الله عنه ـ لم يكن خطيبًا مفوهًا ، ومع هذا كان من أئمة الدعاة إلى الله بلا شك ، إنك لن تعدم الوسيلة إذا تأملت بعين الشوق والرغبة
المثبطون
ومن الشبهات التي عمت بها البلوى قول بعضهم: إنك كمن يحرث في ماء ، ولسان حالهم كمن قصَّ علينا القرآن خبرهم"وقالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، يقولون: إنك لن تغير الكون بكلامك ، لن تستطيع أن تصنع شيئًا ، أين صدى هذه الدعوة في الناس والفساد يعم أنحاء المعمورة من كل جهة .
فلهؤلاء وأمثالهم من معاشر المثبطين القاعدين الذين يصدق فيهم قوله تعالى"فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين"نقول لهم:
1)إنَّه قد مضت القاعدة الشرعية الشهيرة بأنَّ الله لا يكلف بالمحال ولا يكلف بما لا يطاق ، فمعنى أن الله أوجب علينا الدعوة إلى سبيله أنَّ ذلك فيما يطيقه ويستطيعه كل أحد .
2)أننا نمتثل قول تلك الفرقة الناجية"قالوا: معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"فإننا نعتذر إلى الله أن يُعصى فلا يُطاع وأن يُكفر فلا يُشكر ، وهذا وحده يكفي للغيرة لله وحسبنا الله ونعم الوكيل .
3)إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يعفِ أحدًا من إنكار المنكر ، ففرض المستطيع باليد أن ينكر به وكذا المستطيع بلسانه ، أما الضعفاء الذين لا حيلة لهم ففرضهم الإنكار بالقلب فإن لم يكن كان هذا دليلًا على فساد القلب وضعف الإيمان .
في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"مَا مِنْ نَبِيَ بَعَثَهُ الله فِي أُمّةٍ قَبْلِي، إِلاّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمّتِهِ حَوَارِيّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ. ثُمّ إِنّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمِ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ. فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبّةُ خَرْدَلٍ".
إن التوفيق استأثر الله به نفسه جل وعلا ، وما حالنا إلا كما قال شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله".
أصل الداء
أصل الداء عادةً ينبع من عدم وضوح الهدف ، أو اعتبار الغايات مبررات لكثير من الوسائل مطلقًا دون ضابط ، أو تعجل الحصاد ، والتاريخ شاهد على فشل هذه الفرق .
ولذلك يدب الوهن في قلوب المسلمين ويصابون بإحباطات وهزائم نفسية تجعلهم فريسة سائغة لأعداء الإسلام .
وهذا حديث ذو شجون ، ولذلك تعالوا نعيد ترتيب منظومتنا الدعوية ، تعالوا نقلب في دفاترنا ونقارن واقعنا الدعوي بالشروط التي لا محيص عنها إذا رمنا نجاحًا
شروط الدعوة إلى الله
الشرط الأول: الإخلاص
قال الله تعالى:"وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة"
وقال صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى .."
فالدعوة إلى الله عبادة ، فيتدبر المرء هذا المشهد جليًا ، ويعلم من هذا أنَّ قيامه بهذا الواجب هو ما أمر به أما النتائج فليست داخلة في واجبه ، وليست من شأنه بل هي قدر الله تعالى ومشيئته ، وهو ونيته وجهده وعمله جانب من هذا القدر ، ومن هنا تكتسب الأعمال قيمتها في النفس من بواعثها لا من نتائجها ، وجزاء المرء في العبادة التي أداها لا في النتائج التي أحرزها .
ومتى استقر هذا المعنى في القلب تباعدت عنه الأطماع الدنيوية ، لأنه حينئذٍ يرتفع إلى أفق العبودية فتأنف نفسه وسيلة خسيسة لتحقيق غاية كريمة ولو كانت هذه الغاية هي نصرة دين الله وجعل كلمة الله هي العليا ، لأنَّ الوسيلة الخسيسة تحطم معنى العبادة الشريف ، فلا نمنِّي النفس بلوغ الغايات بل هي حريصة على أداء الواجبات ، ويستمتع العبد بعد هذا براحة الضمير وطمأنينة النفس وصلاح البال في جميع الأحوال سواء راى ثمرة عمله أم لم يرها .
والإخلاص عزيز ، ولذلك يحتاج القلب إلى تمحيص النوايا ، فعلى كل منا أن يتهم نفسه ، وأن يلقي باللائمة عليها ففي الإخلاص الخلاص
ولذلك ينبغي أن يكون هناك تمحيص مستمر للمسيرة الدعوية ، ومحاولة الكشف عن العيوب ، من الهوى والشهرة وحب الظهور وحب النفس والعمل لها وطلب الجاه والرياسة .
ولهذا يحتاج من الداعية دوام اللجأ إلى الله والاستعانة به على آفات نفسه ،"نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا"
الشرط الثاني: وضوح الهدف
بعض الناس قد يمارس العمل الدعوي ، لكن بدون منهج ، فالغاية قد لا تكون في ذهنه أكثر من هتاف بشعارات لا يدري معناها ، أو هو لا يقوم بواجباتها ، وقد تكون الأهداف مجرد عبارات إنشائية يتشدق بها .
وقد تتعلق القلوب بأهداف كبرى تحتاج إلى وقت ليس بالقصير ، ومع الوقت يتسلل إلى النفوس الشعور بالفشل والإحباط ، فهو يحلم بالدولة الإسلامية سنوات طوال ، ومر وقت طويل ولم ير حلمه يتحقق في الواقع .
والطريقة الصحيحة هنا أنْ نحدد الأهداف الكبرى لتكون نصب الأعين ، ثم نحدد أهدافًا جزئية يسعى كل منَّا لتحقيقها .