فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 3028

-سبب ثالث يدعو إلى ذلك التكرار عن ظاهرة القدرية وأطروحة الانتظار ، وهو أننا أصبحنا ندمن تطبيع العلاقات مع المصائب ؛ بمعنى التعود عليها بعد زمن يسير ، فلا تعود توجع لنا قلبًا ، أو تُدمع لنا عينًا ، أو تدفع الواحد منا وهذا هو الأخطر إلى بذل شيء أي شيء للأعذار إلى الله في محاولة المساهمة في دفعها

ورفعها ، ولكنه الانتظار السلبي القاتل لمجهول يأتي .. أو لحل خارق يجيء ! ..

انظر كمثال فقط لحال الأمة مع الانتفاضة الفلسطينية في بدايتها ، وحالهم معها بعد مضي ثلاثة أعوام على انطلاقتها ... هل ظل التعاطف معها كما كان ؟! هل بقي الدعم كما بدأ .. ؟! هل زادت النصرة للمستنصرين على المستويات الرسمية والشعبية والجماعية والفردية ؟! إن كل ذلك في تناقص واضح خطر ، يحكي

التناقض الصارخ المرير في أحوال أمة تزيدها النار برودة ، ويزيدها الدمار هدوءًا ، وتزيدها الدماء هروبًا للأمام ، فهل الانتفاضة أو بالأحرى - الجهاد الفلسطيني - أحوج اليوم إلى الدعم والمعونة أكثر أم هو منذ ثلاثة أعوام ؛ عندما كانت أعواد المنابر تهتز بالتأييد ، وأصوات القنوت في المساجد ترفع بالدعاء ، وصناديق التبرع تزيد وتفيض بالأموال ؟!

وأما عن التفاعل الإعلامي مع الأحداث فحدّث ولا حرج !! قارن فقط بين ما صاحب مقتل الطفل ( محمد الدرة ) في أوائل أيام الانتفاضة من مشاعر ألم وثورة ورغبة في الثأر ، وبين ما يحدث الآن من مظاهر التبلد وقلة الاكتراث الذي أصبح يصاحب مشاهد القتل للعشرات من الأطفال ، مع مشاهد التفجير والهدم والتدمير .

أو قارن - إن وجدت وجهًا للمقارنة - بين حادثة اقتحام المجرم شارون للمسجد الأقصى في شهر رجب من عام 1421هـ ، والتي أثارت غضبًا إسلاميًا عالميًا وعربيًا وفلسطينيًا ، كانت الانتفاضة نفسها جزءًا منه ، وبين الزيارة الإجرامية الثانية لوزير الداخلية الإسرائيلي ( تساحي هانجبي ) قبيل بدء شهر

الصيام بأيام لساحة المسجد الأقصى ، تلك الزيارة التي صاحبتها مظاهر الاستفزاز والتحدي نفسها ، ومع ذلك مرت مرورًا عابرًا دون أي مظهر من مظاهر الغضب أو الاحتجاج رسميًا أو شعبيًا !!

إن كل معايش للأمر يعلم أن إخواننا تزداد نازلتهم مع الأيام حدة وشدة ، ولكن الحاصل أن ما يُقدم لهم يتناقص مع الأيام ، ماديًا ومعنويًا !! أليس هذا مثالًا واضحًا على تخبطنا في التعامل مع النوازل ؟!

قس على ذلك طريقتنا في التعامل مع بقية القضايا والرزايا التي تداهمنا كل يوم ، وآخرها ما حدث في بغداد ، حيث كانت الشوارع في العواصم العربية تموج بالمظاهرات الحاشدة تنديدًا بالحرب وتأييدًا للعراق ، فلما نزلت النازلة وقامت الحرب ، ووقع الاحتلال ؛ تغيرت الأحوال ، وارتخت الحبال ، وانصرفت

الجماهير الثائرة إلى حال سبيلها .

إن أكثر ما يؤرق في ظاهرة التبلد والانتظار ؛ أنها تعطي الأعداء إشارات فاقعة الأخضرار للاستمرار في إنجاز خطواتهم ومشروعاتهم دون إزعاج أو قلق ، وخطورة هذه الظاهرة تنبع من كونها بدأت تترسخ لتكرس الهزائم وتهوِّن الهوان !

نقول هذا ، ونحن نحتفظ في الوقت نفسه للمجاهدين المستضعفين الذائدين عن حرمات الأمة ؛ بحقهم الكامل في التقدير من كل مسلم ، ولكن حديثنا هنا عن مجموع الأمة التي تملك من الإمكانات ما يمكنها بإذن الله من الانتصار من أعدائها ، والانتصاف لمستضعفيها ، ولكنها لا تجد من يقود دفتها الجماعية لمواجهة الهجمة

الإرهابية العالمية التي تقودها قوى الاستكبار الصهيونية ، نصرانية ويهودية .

ما أشبه الليالي بالبارحات:

إن النوازل تترادف تترى فوق رؤوس المسلمين منذ أكثر من عشرة عقود ، فلا يجد أكثرها جهة جامعة تُنتدب لها ، أو قوة ماضية تنتصب لمواجهتها ، ففي الأعوام المائة الأخيرة فقط من حياة المسلمين ؛ تتابعت نوازل ، ووقعت كوائن ، ما كان لها أن تخلّف ما خلفت من مصائب مقيمة لو أن الأمة اصطفت وقتها خلف قيادات علمية وعملية تنزّل من الشريعة على هذه النوازل ما يعاجلها بالعلاج ، وما يناسبها من الأخذ بالأسباب .لقد اجتمع على الأمة من النوازل خلال المائة الماضية ما لم يجتمع عليها منذ أن أُخرجت للناس ، ومع ذلك فقد عبرت قوافل تلك النوازل غالبًا في طرق خالية خاوية دون عرقلة قوية مضادة ، أو مواجهة شرعية جادة ، بسبب تفرق خواص الأمة قبل عوامها ، ولهذا سلّمت كل أزمة زمامها للتي بعدها ، فتضاعفت خلال الأجيال حتى جاء جيلنا جيل الأزمات والملمات ؛ فوقف عاجزًا أو متعاجزًا بتفرُّقه وتشرذمه أمام جبل المسؤوليات ، منتظرًا حدوث الخوارق ووقوع المعجزات ، دون كثير اكتراث بما توجبه الشريعة من فروض وواجبات ، وعلى رأسها تجميع الكلمة خلف المنهج القويم ، ومواجهة الأعداء بصف مرصوص .

حقيقة أخرى ينبغي أن نصارح بها أنفسنا ، وهي أن من تأمل في معظم أحوال النوازل الحاضرة ؛ سيجد أن لها جذورًا قديمة من التقصير العام ، حيث كانت تجري في كل جيل عملية ( ترحيل ) للمسؤوليات إلى ما يسمى بـ( الجيل

القادم ).. وعندما يقدُم هذا الجيل ؛ فإنه يحيل أيضًا جزءًا كبيرًا من واجبات عصره وفرائض وقته إلى الجيل الذي يليه ، حتى تراكمت الواجبات والتكليفات ، وأصبحنا نعيش عصر نوازل عامة ، لا يشابهه عصر من العصور الإسلامية السابقة .

صحيح أن محنًا كثيرة مرت على المسلمين خلال التاريخ الإسلامي ، مثل سقوط الأندلس ووقوع بيت المقدس في يد الصليبيين ، واجتياح التتار لبلدان المشرق الإسلامي ، واستيلائهم على عاصمة الخلافة في بغداد ، ولكن تلك الكوارث

لم تصرف الأمة عن شريعتها ، ولم تؤثر في هويتها ، أو تتركها عاجزة عن التصدي والوقوف أمام أعدائها . كان هناك دائمًا انتصار بعد انكسار ، وعزيمة للخروج من الهزيمة ، وكان هناك إباء للضيم ، واستعلاء على الاحتواء ضد من كان المسلمون يرونهم أدنى مدنية وديانة ، وأردأ خلقًا وثقافة ، وأضعف جندًا وحضارة . أما في عصرنا الذي نعيشه فقد جدَّ من النازلات في حياة المسلمين ما حيَّر الألباب ، لا من مجرد وقوعه بل من استمرار بقائه ، فكم من نازلة نزلت فأقامت ، وكم من كائنة عرضت ثم استقرت ، ومصيبة قال الناس ستزول ، ولكنها طالت ودامت ، وأخرى لفظوها ورفضوها ، ثم استمرؤوها وعايشوها .

هناك حشد من الوقائع الكبيرة الحادثة في هذه المائة الأخيرة ، لم يكن للمسلمين عهد بها من قبل ، ولكن « تطبيع العلاقات » مع النوازل والمصائب ؛ جعل الناس يتعايشون معها وكأنها شيء اعتيادي ، يمكن أن نظل في ظله خير أمة وأعز أمة

وأقوى أمة ، إنها وقائع جسيمة حقًا ولكن هناك من يريد تحقيرها وتصغيرها والإبقاء على استمرارها .

-فلأول مرة يفرغ منصب الولاية العامة للمسلمين ( الخلافة ) نحو قرن من الزمان ؛ دون أن يخلف الخليفة أحد غيره كما كان العهد طوال التاريخ الإسلامي .

-ولأول مرة يسقط كيان المسلمين الدولي ، وسلطانهم العالمي ممثلًا بنظام الخلافة الإسلامية الذي سقط بسقوط الدولة العثمانية ؛ دون أن يعود هذا النظام ليقود المسلمين مرة أخرى في زمن التكتلات النصرانية والإلحادية واليهودية والهندوسية .

-ولأول مرة تستبدل الشريعة الإلهية التي حكمت المسلمين ثلاثة عشر قرنًا ، لتحل محلها في الحكم بين المسلمين في معظم البلدان قوانين وضعية وضيعة ، وشرائع بشرية جاهلية ، يُحكم بها حكمًا عامًا في الدماء والأموال والأعراض

والأبضاع والسياسات الداخلية والخارجية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت