استقبل الخميني ابنا ملا مصطفى البرزاني ودعا لهما بالتوفيق وامر بتزويد الرزاني بالاسلحة والعتاد لضرب العراق وايجاد القلاقل في شمال العراق وهنا تظهر احدى المفارقات للجمهورية الاسلامية التي كان يرأسها الخميني ، كيف اجاز الخميني لنفسه ان يستقبل عميلين مكشوفين للمخابرات المركزية الامريكية"1"وعميلين للشاه الايراني في الوقت نفسه وهو الذي عاصر المجازر التي ارتكبت في شمال العراق على يد هؤلاء باسلحة امريكية ايرانية ، وعاصر اقتتال الاخوة في شمال العراق بمساندة الشاه الذي كان الخميني احد ضحايا تعسفه واستبداده وها هو اليوم يصافح يدا طالما صافحت الشاه واخذت منه المال والسلاح لقتل المسلمين ، ثم هو لا يقنع بالمصافحة بل يسلك الطريق نفسه الذي سلكه الشاه فيمد العصابة هذه بالسلاح والمال ويامرهم ان يسلكوا الطريق الذي امرهم الشاه ان يسلكوه . ان هذا من اغرب التناقضات التي يسجلها تاريخ الثورة الايرانية عن المنحنى الفكري لمرشد الثورة والذي بدأ يتجلى في تناقضه مع روح الاسلام ومصلحة المسلمين . وقد زاد الطين بله تنصيب الدكتور مصطفى جمران المسؤول عن منظمة امل اللبنانية المعروفة بعدائها للعراق وزيرا للدفاع لكي ينسق مع المنشقين العراقيين ضرب العراق ، ومن اغرب المفارقات ايضا ان حسين الخميني حفيد الخميني ذكر لي انه حمل إلى جده وثائق زودته بها منظمة فتح تثبت ان جمران عميل للمخابرات المركزية الامريكية ، كما انه ابلغ جده موقف جمران من القضية الفلسطينية وكيف ان يداه ملطختان بدماء الفلسطينيين عندما كان مسؤولا عن منظمة امل في لبنان الا ان جده لم يعر اذنا صاغية لهذه التقارير بل ازداد في تعلقه بجمران وثبته في مركزه كوزير للدفاع . ومع ان حسين الخميني صفع جمران في مطار طهران وامام الجموع المحتشدة عسى ان تؤدي هذه الاهانة الكبيرة لاستقالته من الحكومة الا ان جمران تمسك بمنصبه ولم تهزه صفعة الخميني الصغير املا بعطف الخميني الكبير ، ولم يقنع الخميني بمساعدة البرزانيين فحسب بل مد يده إلى جلال الطالباني وامده بالمال والسلاح ليقوم هذا الشخص بدوره ايضا بايجاد القلاقل في العراق . ولقد اتصلت بي شخصية سياسية عربية كبيرة في حينه واخبرتني انه حسب المعلومات المتوفرة لدى حكومته فان جلال الطالباني يقوم بدور خطير للروس في المنطقة حسب الاتفاق مع سوريا وان امداد الطالباني بالسلاح والعتاد انما هو في حقيقته امداد للشيوعيين المتواجدين في ايران وان الجمهورية الاسلامية في حقيقة الامر تساهم في تسليح الشيوعيين الايرانيين الذين سيضربون الجمهورية عندما تحين لهم الفرصة وان هذه الاسلحة ستستخدم لضرب ايران في المستقبل لا لضرب العراق كما يرغب الخميني ، وطلبت الشخصية السياسية العربية مني ابلاغ السيد بني صدر بهذا الامر فابلغته على عجل وبلغ بني صدر الخميني ولكن الاخير لم يعتبر بكل ما قيل له في هذا المجال حسب عادته المألوفة ودخلت الازمة الايرانية العراقية إلى مراحل خطيرة عندما قال الخميني في خطاب اذاعي تلفزي انه سيحتل بغداد في غضون (4) ساعات واعلن بني صدر في خطاب اذاعي آخر انه لايستطيع وقف زحف الجيش الايراني على العراق واحتلال العاصمة العراقية اذا ما اراد الجيش الايراني ذلك ، ونزولا عند رغبة الخميني ركزت اجهزة الاعلام الخمينية هجومها ضد العراق من الصباح حتى المساء وتحركت فرق من الجيش الايراني إلى الحدود واستقرت مجموعة كبيرة من حرس الثورة في الحدود الايرانية وبدأ القصف المدفعي للاراضي والقرى العراقية في اناء الليل واطراف النهار . ولما لم تنفع كل الخطوات الخمينية لضرب العراق ارتكب خطأ آخر كان بحد ذاته مميتا للخمينية في المنطقة ومدعاة للسخرية والاستهزاء في الوقت نفسه حيث كشف نواياه ونوايا خلفائه وحكومته لقد اراد الخميني ان يستغل الطائفية في العراق ويتخذ من شيعة العراق بصفته زعيم ايران الشيعي اداة لضرب الحكم القائم وبدأ يوجه نداءات إلى شيعة العراق يطلب منهم القيام ضد الحكومة والصعود على اسطح البيوت للتكبير والتهليل الامر الذي حدث في ايران في ظروف خاصة ومع ان شعب العراق بطائفتيه استهزأ بهذه النداءات الصبيانية الطائشة واستنكرها واتخذ من الخميني اضحوكة في مجالسه ونواديه الا ان الاخير لم يعتبر بكل هذه الاهانات بل كرر ابواقه ندائه بين فينة واخرى يطلب من الجنود العصيان في الثكنات ومن الشعب الصياح فوق السطوح واغرب ما في هذه الفكرة الحمقاء المضحكة هو ان صاحبها عاش في العراق 15 عاما وعاصر عن كثب السيد الحكيم الذي كان المرجع الديني الكبير للشيعة في العراق واراد استغلال الطائفية لضرب الدولة الحاضرة في ابان قيامها وأى بأم عينه كيف ان الشيعة خذلت الحكيم ووقفت ضده معبرة عن شعورها واستيائها العميق نحو زعيمها الذي اراد ان يستغلهم في صراع بينه وبين الدولة لاقبل لشيعة العراق فيه . واثر هذا الصراع اهين السيد الحكسم في عقر داره والنجفيون رموا بالحجارة طلبة الافغان الذين خرجوا متظاهرين في شوارع النجف تأييدا للحكيم وضربوهم بالعصى واهانوهم شر اهانة . والخميني آنذاك كان في النجف يرى عن كثب كل ما الحق بالسيد الحكيم من اهانة وذل وهزيمة منكرة حتى هو بنفسه لم يقف بجانب السيد الحكيم في تلك المحنة بل وقف مع الدولة التي كان آنذاك يدعوا لها بالعمر المديد ، انها الدولة التي هو اليوم في حرب معها ، ثم ان الخميني اذا كان يقرأ تاريخ العراق المعاصر وكانت له قدرة الاستنتاج من الحوادث التاريخية لكان يستنتج بوضوح ان شيعة العراق لم يسمحوا لاحد مهما كان شأنه وقدره ان يستغلهم في مآربه السياسية وان ابغض الاشياء لديهم هو المتاجرة بانتمائهم الطائفي .
ان التاريخ يحدثنا ان الشيعة والسنة اشتركوا في ثورة الاستقلال عام 1920 ودحروا الانكليز وقواه المدججة ب 400 الف جندي مسلح ، وعندما اراد الشعب العراقي اختيار الملك ذهب زعماء الشيعة والسنة معا إلى الحجاز لدعوة ملك سني هو الفيصل بن الحسين ليتربع على عرش العراق وكان الوفد العراقي مؤلفا من زعماء الشعية والسنة معا . كان من الشيعة الشيخ محمد رضا الشبيبي والسيد محسن ابو طبيخ والحاج محمد جعفر ابو التمن وكان من السنة السيد النقيب . ولم يحدث أي نقاش بين الطائفتين لانتخاب الملك على اساس الطائفية او احقية احدى الطائفتين بان يكون الملك منها ، بل ذهب وفد الطائفتين إلى الحجاز بقلب واحد وعقل واحد وروح واحدة ، أي بالاخوة الاسلامية التي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لترسيخها في كل ضمير وعقل . وبعد ثورة الاستقلال يعيد التاريخ نفسه لتجتمع الشيعة والسنة لمحاربة الانكليز مرة اخرى وذلك في عام 1941 حيث افتى المرجع الاكبر للشيعة وهو جدنا السيد ابو الحسن وسائر المراجع مثل الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء والسيد عبدالحسين الحجة ومراجع السنة الكبار مثل الشيخ نجم الدين الواعظ والشيخ امجد الزهاوي . وتكاتفت الشيعة والسنة لمحاربة العدو المشترك .