هنا تلتبس المسألة على أفكار المسلمين .. وهي لا تلتبس عليهم إلا بسبب ما دسه الاستعمار الصليبي في أفكارهم ، وألح في تثبيته ، من أنه لم يكن هناك إلا أحد أمرين: إما الاستمرار في الخضوع المذل لمظالم الخلافة .. وإما الانفصال عنها في حركات استقلالية .. وليكن بعد ذلك ما يكون .. بل ليكن دخول النفوذ الغربي في البلاد"المستقلة"هو الثمن الذي تدفعه تلك البلاد للتخلص من ظلم الخلافة وتجبر الأتراك الحاكمين .. ثم تزيد الدعاية الاستعمارية الأمر لبسا في أذهان المسلمين ، حين تقول لهم إن النفوذ الغربي كان معناه الإصلاح والعمران ونشر الحضارة والتعليم .. وكلها خير وبركة كان يقف في طريقها استمرار الخلافة في حكم المسلمين .
وهنا مغالطة مركبة ..
فليس صحيحا أولا أن الأمر كان على هذا النحو: إما الرضى بالمظالم وإما تقطيع أوصال العالم الإِسلامي على هذا النحو المدمر للإِسلام والمسلمين .
وليس صحيحا ثانيا أن الطريق الوحيد للإِصلاح كان دخول النفوذ الصليبي في بلاد المسلمين .
ونعود إلى الحركة الوهابية والحركة المهدية اللتين حرص الاستعمار الصليبي حرصا شديدًا على كبتهما وقتلهما قبل أن يمتد نفوذهما إلى العالم الإِسلامي ، وشغّل في ذلك محمد علي وأبناءه ، بطريق مباشر أو غير مباشر .
لقد كانت كلتاهما حركة إصلاح شاملة ؛ كانت أولاهما تبتغي إصلاح العالم الإِسلامي كله من الظلم والخرافة ، وتحرير المسلمين من النير التركي بكل ما يحمل في طياته من جمود وتحجر ، وكانت الثانية تهدف إلى تخليص شمال الوادي من الاحتلال الإنجليزي ، ثم تخليص العالم الإِسلامي من النير التركي . كانت كلتاهما تحاول أن يعيش المسلمون في جو إسلامي نظيف ويستعيدوا كيانهم التاريخي المجيد ، مع المحافظة على أوصال العالم الإِسلامي من التقطيع ، والمحافظة على كيانه من النفوذ الغربي الصليبي أن يعيث فسادًا فيه .
ولذلك أسرعت أوربا الصليبية توغر عليهما صدر الحكام الأتراك الذين كان الكثير منهم عملاء للصليبية ، وتستغل محمد علي وأبناءه في إخماد الحركتين الواحدة في أثر الأخرى .. بينما راحت في الوقت ذاته تشجع كل حركة"استقلالية"تقوم على أساس العصبية الإِقليمية ، ولا تقوم على أساس الإِسلام !
وهذا ما ينبغي أن يكون مفرق الطريق في تفكير المسلمين بين الإِبقاء على الظلم وبين القضاء على هذا الظلم مع الإبقاء على وحدة العالم الإسلامي وقوة العقيدة الإِسلامية .. وهو حل كان يأباه الاستعمار الصليبي من قبل ، وما زال حتى اليوم يأباه !
واستمر النفوذ الفرنسي يتوسع في مصر - ويتوسع في سوريا ولبنان - حتى صارت له"مدرسة"فكرية ، تربى فيها في مصر وفي غيرها من كانوا يقولون إن فرنسا هي وطنهم الثاني وأمهم الرءوم ! ومن كانوا يقولون إن مصر لم تكن قط جزءًا من الشرق ! وإنما كانت دائما جزءًا من حوض البحر الأبيض المتوسط ( أي الذي تقع عليه فرنسا ! ) وأن روابطها الفكرية والروحية والثقافية كانت دائما مع أمم البحر الأبيض وليست مع أمم الشرق ( أي ليست مع الإِسلام الذي جاء من قلب الجزيرة العربية ولم يجيء من شواطئ البحر الأبيض !! ) .
وارتفع هؤلاء وهؤلاء إلى مراكز التوجيه - بدفع الاستعمار الصليبي الفرنسي المستمر - ليحوّلوا الأجيال الجديدة إلى فرنسا ، أو يحولوها على أي حال بعيدًا عن الإِسلام !
ولكن فرنسا - مع ذلك - لم تستطع أن تحقق كل أحلامها القديمة التي دفعت بها إلى احتلال مصر أيام حملة نابليون ، والتي ظلت تخايل لها بعد ذلك فترة طويلة من الزمان .. فقد كانت المطامع الإنجليزية أسرع وأجسر ، وجاء الاحتلال البريطاني إلى مصر عام 1882 ليبقى فيها نيفًا وسبعين من الأعوام .
وهنا تبدأ الفترة العظمى للنشاط الصليبي في مصر ، تعاصرها فترة النشاط الصليبي الفرنسي في سوريا ولبنان والشمال الأفريقي في تونس والجزائر ومراكش ، كما يعاصر الفترة الأخيرة منها امتداد النشاط الصليبي البرتغالي والدنمركي والهولندي والإِيطالي ... إلخ . في بقية بلاد الإِسلام .
وفي تلك الفترة وضعت السياسة المرسومة المدبرة المنظمة للقضاء على العقيدة الإِسلامية في نفوس المسلمين .
لم يكن الأمر سهلا بالنسبة للاستعمار
فهذه العقيدة من الرسوخ والقوة وتعمق الجذور بحيث تحتاج إلى جهد مضنٍ لاقتلاعها من جذورها ، أو لتوهين عراها في النفوس . وقد صبر الاستعمار الصليبي على الجهد .. وأفلح في نهاية المطاف .
أفلح .. حين استطاع أن يربي على سمومه أجيالا لا تعرف من الإِسلام إلا اسمه .. وإلا أنه علاقة"بين العبد والرب"لا علاقة لها بالسلوك العملي ، ولا علاقة لها بشئون المجتمع وشئون الحياة .
أو لا تعرف عنه إلا أنه رجعية وجمود وتأخر .. ينبغي الانسلاخ منها للّحاق بركب الحياة !!
وهنا نمضي في العرض الذي بدأناه معتمدين على وقائع التاريخ ، وعلى أقوال مبشرين والمستعمرين .
في سنة 1882 وقف المستر جلادستون رئيس الوزارة البريطانية في مجلس العموم البريطاني يمسك بيده نسخة من المصحف ويقول لأعضاء المجلس:"إنه ما دام هذا الكتاب باقيًا في أيدي المصريين ، فلن يستقر لنا قرار في تلك البلاد"!!
وهو كلام لا تحتاج دلالته إلى تعليق !
فالرجل يحس أن مبعث القوة في هذا الشعب هو القرآن . هو الإِسلام . وهو صخرة المقاومة التي يرتطم بها الاستعمار ويعانيها .. فيجب أن تتحطم .. يجب أن تزول .
وجاء دنلوب .. المتخرج في كلية اللاهوت البريطانية ليرسم لمصر سياسة التعليم .
يا عجبا ! سياسة التعليم في بلد مسلم .. يضعها قسيس ؟!
نعم ! لينزع"هذا الكتاب"من أيدي المصريين .. وليستطيع الاستعمار أن يستقر في هذه البلاد !
ووضع دنلوب سياسته المرسومة .. التي آتت في النهاية ثمارها المرجوة منها ، على مهل وبطء ، كما هو شأن السياسة البريطانية في كل مكان .
كان الأزهر هو مصدر العلم في مصر ؛ كان الجامع والجامعة ، يؤمه المتعلمون من شتى الأنحاء - لا في مصر وحدها ، بل في العالم الإِسلامي كله - لينالوا بركة الوجود إلى"جواره". وليتلقوا فيه العلم والعرفان:"مجاورين".
ولم يكن الأزهر في ذلك الحين كائنا حيًا صالحًا لتعليم الإِسلام . فقد كان ككل شيء في أواخر العهد التركي مجموعة من الجمود والتحجر لا تصلح للحياة ..
ولكن محاولات قوية كانت قد بدأت تبذل لإِصلاح الأزهر وإحيائه ومعاونته على"التنوّر"من إظلامه الشديد .
وبصرف النظر عن النتائج التي يمكن أن ترجى من حركة الإصلاح هذه - بزعامة محمد عبده وأتباعه - فقد كان همّ الاستعمار الصليبي هو القضاء على الأزهر ، لأنه - في نظر المسلمين على الأقل ، إن لم يكن كذلك في الواقع - معقل العقيدة الإِسلامية ، والمتّجه الذي تتجه إليه أنظار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، وهو - من ثم - مصدر من مصادر"الوحدة"الإِسلامية ، الفكرية والروحية والواقعية ،"ينبغي"أن يزول .
وكان هدم الأزهر بطريقة مباشرة أمرًا لا يفكر فيه الاستعمار البريطاني بطريقته الملتوية البطيئة الماكرة ، فقد رأى كيف كانت حماقة الفرنسيين من قبل أيام الحملة الفرنسية ، حين استباحوا الأزهر لخيولهم ، سببًا مباشرًا من أسباب ثورة الشعب ، ورأوا كذلك كيف كانت حملات التبشير التي تهاجم العقيدة الإِسلامية مهاجمة مباشرة تؤدي إلى عكس المطلوب منها ، إذ تنبه المسلمين للخطر ، وتزيدهم استمساكا بالإسلام !
كلا ! لا يرتكب الاستعمار الإِنجليزي هذه الحماقة ..