فهرس الكتاب

الصفحة 2951 من 3028

وأصبح مثيرًا للعجب ـ مخالفًا لقواعد كلية ثابته لدى المفاهيم والأوعية العقلية ـ أن تُستوعب الكليات بداخل الجزئيات ، أو أن تحل الجزئيات محل الكليات ، وتصبح (( القبطية ) )المصرية (التي هي جنس الأمة الإسلامية) ـ بدوافع عنصرية أو تحصيل لمكاسب آنية ـ عقيدة للطائفة التي شذت عن القناعات الجمعية التي تبنَّتها الأمة المصرية منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان !0

ويكون من العار أن يصف النصارى في مصر أنفسهم بأنهم هم (( الإقباط ) )الخُلَّص ؛ لكونهم اضطُروا ـ أو تنازلوا عقديًا ـ بقبول بعض الطقوس أو العادات الوثنية ، أو احتلوا بعض المعابد اليونانية والرومانية وحوَّلوها إلى كنائس أثرية ، لعل أشهرها ـ وأخفاها عن المسلمين ـ كنائس فيلا بأسوان ، التي تُعامَل كمعابد أثرية ، واتخاذهم من الشعار الوثني ( مفتاح الحياة ) شكلًا قريبًا من الصليب ، الذي لم يعرفه النصارى إلا بعد ثلاثة قرون من رفع المسيح ( عليه السلام ) !0

إنما يكون (( الأقباط ) )الخلص هم الذين حافظوا على وثنيات أجدادهم وأصنامهم للعبرة والعظة ، ولم يحتلوها ، ولم يهدموها ، ولم يحولوها إلى أماكن عبادة، بعدما ارتقت عقولهم بالوحدانية ، واعتنقوا الدين الذي أتى به البدو الرُّحَّل من شبه الجزيرة ؛ ليحررهم من الشرك وعبادة الحجر والماء والنار والبشر ، لكنه لم يطلب منهم ـ أبدًا ـ أن يحرروا من (( قبطيتهم ) )الوطن 0

وليس مَكرُمة أو علوًا أن ترضى الكنسية المصرية لنفسها أن تنتسب عقيدتها لجنس من الأجناس ، حتى لو ظنت في ذلك تأكيدًا على نصرانية الأمة قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان عاشتها تحت ظل الإسلام تاريخًا وحضارةً وعقيدةً 0

فالأقباط هو اسم عَلَم يدل على المسلمين المصريين دون النصارى ؛ لغلبتهم تاريخًا وحضارةً وعددًا ، فإن أردنا أن نعرّف نصارى مصر لزمهم ـ بالضرورةـ إضافة كلمة (( الأقباط ) )؛ لتمييزهم عن النصارى السريان (سورية) ، والنصارى الأرمن (أرمينيا) ، والنصارى الرومان (روما) 000 إلخ ، فيكونون (( النصارى الأقباط ) )، فإن جاء القول مطلقًا (( الأقباط فقط ) )ـ فإنما يكون المقصود هو (( أهل الإسلام ) )تعميمًا لهم ؛ لكونهم أغلبية الأهلين في الوطن الكبير .

(( مصر ) )، لا: Egypt

لعل اسم (( مصر ) )هو ما كان يجب أن تبدأ به كل المفردات ، لكن اسم مصر أيضًا هو مايجب أن يُختتم به كل كلام ؛ خاصة إذا ما كان الكلام منها وبها وعنها0

يرجع اسم (( مصر ) )ـ في أصوله ـ إلى لغات عديدة ؛ تبعًا لما يهوى كل مجتهد ، لكن أقرب الأصول إلى الأذهان هي تلك التي تبدأ من القرون الفرعونية المتأخرة ، وتنتهي بالاحتلال الإنجليزي في عصورنا الحديثة ، عبْر جسور دينية وسياسية وتاريخية متشابكة ومتداخلة بقصد سابق التجهيز 0

ومن اسمها تتولد مفردة المصري ، تحمل في طياتها عشرات الأسئلة حول ما إذا كانت مسمى لوطن أو حضارة أو عقيدة ، وعما إذا كانت صفة لطائفة دون سواها ، أو أنها شعار تكتيكي ، أو مشروع استراتيجي لرؤى عنصرية مستقبلية 0

ـ وهل (( مصر ) )هي: (( وطني ) )، أم (( وطنه ) )، أم (( وطننا ) )جميعًا ؟!0

الأسئلة ـ في الحقيقة ـ حول كلمة (( مصر ) )ولاَّدة ، ومتلاطمة كأمواج المحيط ، وهي تتكسر على الشاطىء الصخري قبل أن تعود صغيرة بأضعف وأصغر مما جاءت به ، على الرغم مما كتبه غالي شكري ( ص292 ) ـ من كتابه (( الثورة المضادة في مصر ) )ـ قائلًا عن جماعة (( الأمة القبطية ) )التي نشطت عام 1954 ، إنها طالبت علنًا بتعليم اللغة القبطية ، ورفضها لكلمة (( مصري ) )، بل حرصوا ـ وأصروا ـ على استخدام كلمة (( قبطي ) )، وعلى الرغم مما قاله ( ص308 ) من أن هذه الجماعات عادت ثانية ـ منذ عهد السادات ـ مرتدية ثوبًا جديدًا مستظلة بالكنيسة ، وتعمل تحت مظلتها !0

لكن إجابة كونية تختصر ، وتختزل كل هذه الإرهاصات ، وهو أنه من الخذلان أن نتنافس ( مسلمين ونصارى) حول لفظ (( قبطيتنا ) )، الذي يعود إلى أصل يوناني ـ لا عربي ـ هو Alguptos ، أو فرعوني وثني مختلف عليه هو (( ها ـ كا ـ بتاح ) )، بمعنى بيت الإله فتاح ، أو (( أي ـ جيبتوس ) )بمعنى (( دار القبط ) )0

ولسبب غير معلوم ـ وبدوافع من الصعب أن تكون غير مقصودة ـ تنازل النصارى ثم المسلمون عن الاسم الذي ورد في كتابيهما المقدسين ، وهو (( مصر ) )، الذي لم يكن حريًا أن نقبل له ترجمة بأي لغة ، ووجب ـ بحسب التوراة والإنجيل والقرآن ـ ألا يُكتب بغير حروفه ونطقه ، عَلمًا دينيًا مقدسًا اسمه (( مصر ) )، وكل مَن يقيمون في حدودها هم (( مصريون ) )؛ إذ ورد اسم (( مصر ) (( مصرية ) )و مصريون )) حوالي خمسين مرة فيما يُعرف بالتوراة ـ أو العهد القديم ـ مثل:

ـ (( فانحدر إبرام إلى (( مصر ) )؛ ليتغرب فيها )) ( سفر التكوين ، 12/10) 0

ـ (( وأقام في بيت سيده المصري ) ) ( التكوين ، 39/3 ) 0

ـ (( وكان يوسف هو المتسلط على مصر ) ) ( التكوين ، 42/6 ) 0

ـ (( الذين قدموا مع يعقوب إلى مصر ) ) ( سفر الخروج ، 1/1)

ـ (( فاستدعى ملك مصر القابلتين ) ) ( الخروج ، 1/18 ) 0

ـ (( أعازم أنت على قتلي كما قتلت المصري ؟! ) ) ( الخروج ، 2/14 ) 0

ـ (( هاجم شيشق ملك مصر أورشليم ) ) ( الملوك ، 1ـ14/25 ) 0

ـ (( زحف فرعون نحو ملك مصر ) ) ( الملوك ، 2ـ23/29 ) 0

كما ورد اسم (( مصر ) )ـ فيما يعرف بالإنجيل أو العهد الجديد ـ أكثر من مرة ، أذكر منها:

ـ (( قم واهرب بالصبي وأمه إلى مصر ) ) ( مَتَّى ، 2/13) 0

ـ (( قد ظهر في حُلم ليوسف في مصر ) ) ( متى ، 2/19 ) 0

وفي كتاب الله الكريم ، ورد اسم (( مصر ) )خمس مرات:

ـ ( اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ) ( البقرة: 61) .

ـ ( وَأَوْحَينَا إلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا ) ( يونس: 87 ) .

ـ ( وَقَالَ الَذِي اشْتَراهُ مِن مِّصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ) ( يوسف: 21 ) .

ـ ( وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إن شَاء اللهُ آمِنِينَ ) ( يوسف: 99 ) .

ـ ( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ) ( الزُّخْرُف: 51) .

ولم تأتِ كلمة (( قبط ) )أو مفرداتها في أي من الكتب الثلاثة على الإطلاق ؛ وبذا ينتفي أي تعلُّق عقدي باسم غير اسم (( مصر ) )00 الأرض ، التاريخ ، الحضارة ، الانتماء ، الوطن ، الجنس ، لأكون أنا (( مصري مسلم ) )، والآخر (( مصري نصراني ) )0

وشركة مصر للطيران يجب أن تكون Misr: بدلا من Egypt ، وعِلم المصريات: Misrology بدلًا من Egyptolgy ، وجمهورية مصر العربية: A.R.M بدلًا من A.R.E ، ونكون ـ جميعًا ـ (( مصريين ) )Misrians بدلا من Egyptians ، نصارى ومسلمين 0

ولأن النص القرآني مقدس عند المسلمين فقد استخدم المسلمون اسم (( مصر ) )، وأصبح جزءًا من أدبياتهم وفكرهم ووجدانهم ، لا يرضون عنه بديلًا0

فهل يقبل أهلنا ـ نصارى مصر ـ أن يلتزموا بالنص التوراتي والإنجيلي كما نطقه المسيح عيسى ـ عليه السلام ـ أم أن غلبة الهوى سوف تدعو إلى تقديس اللغة التي كتبها أتباع المسيح ـ عليه السلام ـ بلغة أوطانهم هم ، لا بلغة صاحب الكلمة ؟1.

ولأنها مسألة تتعلق ـ في الحقيقة ـ بتأصيل تاريخي وعقدي ، لا سياسية ولا طائفية ، لا إسلامية أو نصرانية ، فهل يلتزم أهل القلم من الأهلين باسم (( مصر ) ): العهدين القديم والجديد وقرآن الله الكريم ؟!.

هذا ما أتمناه ، وعلى الله قصد السبيل ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت