فهرس الكتاب

الصفحة 2935 من 3028

وفي الحقيقة أنني قبل كتابة هذا المقال ، استطلعت كل ما كتبه المسلمون في الصحف وعلى مواقع (الإنترنت) عن أسامة سماسم قبل أن يتقيأ هذا الفحش ، فعجبت أن واحدًا من المسلمين الغيورين على دينهم ، لم يكتب كلمة واحدة عن أسامة وتاريخه الأسود ، لا بخير ولا بشر ، وقد يرى البعض أنه أحط من أن يهتم بشأنه أهل الإسلام ، وهذا القول إن صح من جانب أن المثقفين والدعاة المسلمين قد لا يسمع بعضهم عن هذا الكائن ، غير أنني أرى ذلك زلة كبيرة من زلات المثقفين أن يغفلوا عن متابعة شياطين الإنس من حولهم ، ويكون لهم فيهم قولًا ، وعيبٌ على الدعاة ألا يتابعوا وبدقة ما يبثه الفضاء الإعلامي من ثقافات وأفكار أولًا بأول ، وأن يتنبهوا أن أسامة سماسم ـ وغيره كثيرين ـ لم يكن ليجرؤ على هذا القول إلا بعد أن مارس هو بنفسه من قبل - في جميع أعماله - طعن الثوابت الشرعية ، والإسهام في فك عرى عديدة من عرى الإسلام التي أشار إليها المصطفى (صلى الله عليه سلم) دون أن ينتبه إليه أحد أو يؤاخذه ، حتى ظن هو أن تأليفه لروايات الفسق والفجور والدعارة ، هي جواز مرور لاستباحة حرمات الدين ، غرورًا منه في غير محله ، هيئ له أن عنقه التي هي أقرب للأرض ، في ميزان الإسلام ، يمكن أن تتساوى مع نعل واحد في قدر ومكانة الصحابي الجليل عمرو بن العاص ، إذ تصور بخبل ليس غريبًا عليه ، أن عمرو بن العاص انتظر أربعة عشر قرنا ًمن الزمان ، حتى يقدمه أسامة سماسم للمسلمين ، ونسي أنه أقل شأنًا من أن ينال شرف الكتابة عن عمرو بن العاص ، لأن الذين تربوا على موائد الراقصات وخَبِرَ مواخير الزنا و الخَنَا والشذوذ ، لا يجوز له بل ويُمنع قسرًا من أن يأتي على لسانه ذكرًا لاسم صحابي جليل ، قال عنه خير ولد آدم ، وإمام الأنبياء والمرسلين ، المصطفى بختم سلسلة النبوة (صلى الله عليه وآله وسلم) : (أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص) ، ولو لم يكن لابن العاص من الدنيا غير هذه الشهادة ، لكفاه فخرًا وعلوً وسمو مكانةً في نفوس وقلوب المسلمين ، ولو صدق فيه كل ما قاله رعاع الشيعة وعبدة الصليب المعاندين والمستشرقين والمستغربين ، فأين يذهب قولهم أمام قول رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ؟

لقد طعن أسامة سماسم في شخصية عمرو بن العاص ، سيرًا على درب أهل الكفر والضلال ، أما نبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم) فقد اتخذه سفيرًا أول له في دولة الإسلام الأولى ، وجعله ممثلًا شخصيًا لدعوته ، فابتعثه ليدعو باسمه (صلى الله عليه وسلم) إلى دين التوحيد ، ثم كان له شرف إسقاط دولة الأوثان والشرك في عُمان ، وفي فلسطين ، وبه سقطت دولة الصليب في مصر ، وتحول أهلها من عبادة الصليب والرب مثلث الوجوه والوجود ، إلى عبادة الله الواحد القهار .

فهل اختار وانتصر وزكَّى وأوفد خير البرية ، رجلًا يقول فيه أسامة ما قال ، وهو الذي يجب أن يراجع نفسه في ماله ورزقه وطعامه وطعام أولاده ، أهو من حلال أو حرام ، والعياذ بالله ؟

ونعلم أن أسامة سماسم لم يكن هو أول الوقحين ، الأفاقين ، الذين برعوا في تحقيق النجومية بمعصية الله رب العالمين ، ولن يكون هو آخرهم ، لأن الباطل قائم مادام الحق قائمًا إلى يوم الدين ، وإن قصد أسامة سماسم بسوء أدبه مع صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يقلل من قدر عمرو بن العاص ، فقد تفجرت قضايا عظيمة وأحداث مشرفة حول تاريخه ، كان كثير من الناس خواصهم وعوامهم ، يجهلونها فعرفوها اليوم بحمد الله وفضله ، ولعلها تكون مناسبة أن يطالب المثقفون المصريون من أصحاب العقل والحكمة والالتزام العقدي والأخلاقي ، بعودة اسم عمرو بن العاص ثانية إلى الشارع الذي حمل اسمه لسنوات طويلة ، وهو اليوم يعرف بشارع كورنيش النيل ، ويقول المولى سبحانه وتعالى:"وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ".

وخروجًا من دائرة أسامة سماسم الشخصية ، إلى محيط الصورة الكلية لتلك الفعلة الفاحشة التي أقدم عليها ، فإنه يلزمنا الوقوف أمام هذا الحدث من جهتين ، أولاهما: كون أسامة سماسم ليس إلا قطعة شطرنج ، تحركها أصابع فوقية - خفية أو غير خفية - تحت ستائر الشعوبية العلمانية الرافضة للدين والتدين ، وثانيهما: الجانب التاريخي الذي يخص عمرو بن العاص في مصرنا الحبيبة ، كوطن نعيش فيه ويعلو بنا في سماء التوحيد .

حجر حقير على رقعة شطرنج أكثر حقارة:

إن تلازم الفكر مع العمل هو الدلالة الأولى على هوية الإنسان ، لذلك تسلط الغرب بأدواته علينا ليخطفنا من هوية الإسلام ويقذف بنا إلي هَويَّة الشيطان ، تلك الهَويَّة التي تتنازعها المذهبيات سابقة التجهيز ، التي أملاها أعداء الأمة على ضعافها من أصحاب العقول الفارغة الرافضة للثوابت ، القابلة للتحويل والتبديل والانقياد ، المضطربة وجدانيًا - وإن بدوا أمامنا مكتملي الأهلية - بتلك الأضواء المبهرة التي تخفي الجوهر بجمال الشكل الخادع .

وإن دعوة الفصل الجبري للدنيا عن الدين ، ما هي إلا خدعة أراد بها خصوم الكنيسة أن يسلبوا بها حق ممارسة ضبط الناس وتقويمها، وتقييمها، فأرادوا لها أن تنشغل هي بالدين كله وتترك لهم الدنيا كلها ، خلاصًا من الكنيسة ، بعد ما طغت وتجبرت وأصبح القائمون عليها هم أرباب صغار في الأرض ، يُشَرِّعون ويحكمون ، ثم ينفذون ما شَرَّعوا و حكموا به وفقًا لما أسموه كنسيًا بصكوك الغفران ، الموقعة باسم الإله الرب يسوع مثلث الأقانيم .

وتغافل هؤلاء أن المسجد ليس هو الكنيسة ، ولا الإسلام هو النصرانية ، ومن فاحش الفهم أن يربط عاقل بينهما ، فقد كانت الكنيسة - قبل ثورة الإصلاح في الغرب - هي حكومة الدنيا والآخرة ، هي الحاكم للبشر والحجر والشجر ، من يتزوج يدفع الضريبة ومن يطلق يدفع الضريبة ، ومن ينجب يدفع الضريبة ، ومن يموت يدفع عنه أهله الضريبة التي يضمن بها الملكوت .

وذلك المفهوم"الدراماتيكي"، هو العالق بالضرورة في عقل أسامة سماسم ، مما علَّمه له شيوخه ، فأسقط كل هذه الطاغوتية بجهالة على الإسلام وأهله ، ثم عقد لنا محكمة ، وأصدر الحكم ، وتولى التنفيذ ، لذلك كره أسامة سماسم شخصية عمرو بن العاص ، وتاريخ عمرو بن العاص ، وسيرة عمرو بن العاص .

أما في الإسلام فلا كهنوت ، ولا سكرتارية خاصة للإله ، ولا مندوب سامي يتصف بالقداسة ، لأن الدستور الإلهي هو الحَكَم وهو الشاهد ، ولأنه إلهي فقد امتزجت مكوناته ، وانسجمت معطياته ، وتلازمت أوامره مع نواهيه في دقة تعلو مقامات البشر ، فالروح والمادة متكاملان ، والدنيا والآخرة متصلان ، والعلم والدين متداخلان ، لأن الدين عند المسلمين هو علم الإنسان بمبادئه وأصوله ، والعلم عند المسلمين هو حق الإنسان في فهم الدنيا ، فيكون الدين دعوة لفهم الدنيا ، والعلم هو أداة الإنسان لفهم الدين .

ومن هذه المقدمة المختزلة ، التي أصف بها حالة ، لا أُشَخِّص بها داءًا ، أنتقل مباشرة إلى حالة أسامة سماسم ، فأقول إنه ليس إلا واحدًا من ضحايا الانبهار الثقافي بالآخر ، ورمز من رموز ظاهرة مرضية أصابت مجتمعنا كتبعة من تبعات الاحتلال الصليبي الذي جثم على صدر الأمة رِدْحًَا طويلًا من الزمان ، مخترقًا جدار دولة الخلافة لمدة قرن كامل من الزمان ، ومتسلطًا عليها لمدة قرن ثان ، باسم الخلافة أيضًا وتحت رايتها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت