اما حرس الثورة واللجان الثورية فكان كلا منهما دولة في دولة لا تقل شأنا وخطورة عن المحاكم الثورية ، لقد كانت باستطاعة أي منها ان ترسل رجالها إلى منزل رئيس الدولة في أي وقت تشاء لتقبض عليه وتجره إلى حيثما تريد وتشاء . وبذلك ظهرت في البلاد ثلاث قوى تنفيذية اضعفها الدولة التي كانت تعتمد على الجيش والشرطة الذي دمر احدهما تدميرا كاملا والثاني اصبح تحت حكم اللجان الثورية ، وهكذا استولت زمرة الخميني على السلطة منذ الايام الاولى من نجاح الثورة ولكن بصورة غير مباشرة ، وكانت تلك الزمرة تعلن للناس ان المحاكم الثورية وقتية وستحل بعد انتهاء محاكمات رجال العهد القديم ، وان اللجان الثورية ستعطي مكانها إلى الشرطة عندما يستتب الامن في البلاد وان حرس الثورة سينضم إلى الجيش في الوقت المناسب القريب ، ويكون للجمهورية الاسلامية الايرانية جيش واحد فقط ، وصدق الشعب تلك الادعاءات وكان يحلم بصبح قريب يصبح فيه سيد نفسه ، ولم تظهر نوايا الخميني السيئة الخبيثة الخفية الا عندما تشكل المجلس التأسيسي لوضع الدستور الجديد للجمهورية الاسلامية الايرانية ، أي بعد خمسة اشهر من نجاح الثورة ، ولعب الحزب الجمهوري الاسلامي اسسته زمرة الخميني وعلى رأسه محمد حسين البهشتي المقبور ورفسنجاني وخامنئي واردبيلي وكنى دورا بليغا في تزوير انتخابات المجلس التأسيسي واسفرت الانتخابات المزورة تلك عن فوز ستين عضوا اكثرهم من الموالين للخميني ? والسياسة الكبيرة ، الا ان المنتظري فاز بالرئاسة بخمس واربعين صوتا ، وقد عرف المعنيين بشئون السياسة الطريق الذي سيسلكه المجلس في اقرار بنود الدستور الجديد ، وقد صحت التنبؤات واقر المجلس التأسيسي دستور الجمهورية الاسلامية في مائة وعشرين بندا ، في ضمنها بنود تندى منها الجباه وتشمئز منها النفوس وتضحك منها الثكلى ، انها البنود المتعلقة بولاية الفقيه ، او بالاحرى بنود اقرت العبودية والذل والهوان للشعب واعطت للفقيه الحاكم الجبروت والاستبداد والسلطة المطلقة الالهية على البشر يستعملها انى ومتى شاء ، وعندما اعلنت الصحف بنود الدستور صعق الشعب من اعظم مهزلة من مهازل العقل البشري في التاريخ الحديث ، حيث يثور شعب للخلاص من ملك يستبد به مناقضا للدستور واذا به يبتلي بفقيه حاكم يستبد به بنص الدستور ، وهكذا ادخل الخميني اسمه في الدستور بصفته مرشداأ للثورة والفقيه الذي يحق له حكم البلاد واعطى لنفسه صلاحيات اكثر مما كان الشاه يتمتع بها في الدستور القديم مائة مرة ومرة فاعطى لنفسه الحق في عزل رئيس الجمهورية ونصب الوزراء وعزلهم واختيار المدعي العام ورئيس المحكمة العليا ، كما نصب نفسه القائد الاعلى للقوات المسلحة .
لقد كان موقف الزعماء الدينيين من هذا الدستور موقف استنكار واشمئزاز ، واعلنوا استنكارهم لهذا الدستور الذي يتناقض وروح الاسلام ، وكاد الامام الشريعتمداري ان يقتل على يد زمرة الخميني اثر مخالفته للدستور ، وقد افردنا فصلا خاصا سميناه (ولاية الفقيه) ذكرنا فيه تفصيل تلك المؤامرة الكبرى على الإسلام ، وموقف الزعماء الروحيين منها في هذا الكتاب .
لقد مهد الدستور الجديد للخميني وزمرته الاستيلاء المطلق على الحكم ولكن الدستور كان ينص ايضا أن يكون للجمهورية الإسلامية رئيسا للجمهورية ينتخبه الشعب ، ومجلس شورى ورئيس دولة ، وكان لابد من الاستيلاء على تلك المرافق الهامة الاخرى حتى تصبح الدولة كلها في يد الخميني وزمرته ، لقد رشح الحزب الجمهوري الاسلامي رجلا اجنبيا يدعى جلال فارسي ليكون رئيسا للجمهورية ، ولتأسيس هذا الحزب قصة محزنة سنوردها في محلها ، لقد فشل الحزب في اسناد مرشحه لان الشعب عرف بالمؤامرة التي حاكها الحزب ضده ، وعرف ان الرجل اجنبي لايحق له ان يتبوأ مقعدا كهذا وانما رشحه الحزب لانه خير مطية يستطيع بواسطته ان يشد قبضته على البلاد . ودحر الحزب الجمهوري الاسلامي وفقد قواعده بين صفوف الشعب ، وانتخب الشعب ابو الحسن بني صدر رغما عن انف الزمرة الحاكمة في الحزب .
غير ان الحزب الجمهوري استغل ضعف بني صدر ووقوف الخميني بجانب الحزب فمهد الطريق للاستيلاء على السلطة عن طريق المجلس النيابي مرة اخرى وشهدت البلاد انتخابات مزورة اسوأ بكثير مما كانت تشهدها في عهد الشاه ، ولكن المؤلم المحزن المؤسف ان الذي كان يزور الانتخابات في هذه المرة لم يكن جنرالا من حنرالات الشاه ولا الشاه نفسه بل معمما من زمرة الخميني وبامر الخميني نفسه وعلى يد الشيخ الكني وزير الداخلية استطاع الحزب الجمهوري ان يحتل اكثر المقاعد في البرلمان ، وعندما عرف الشعب بتلك المؤامرة الدنيئة خرج متظاهرا يريد ابطال الانتخابات ، واعلن رئيس الجمهورية بني صدر انّ من الواجب الانصياع لرغبة الامة المطلقة .
ولكن الخميني ظهر على شاشة التلفزيون ليعلن للشعب ان الانتخابات كانت صحيحة وانها (عصارة الفضيلة الانسانية) على حد تعبيره ، واغرب ما في الامر والذي يدل على مسؤولية الخميني الكبيرة في ما حل بالبلاد من خراب ودمار هو انه قبل الانتخابات اعلن للشعب بانه (سيقطع يد من يزور الانتخابات) واذا به يضع كل ثقله بجانب المزورين حتى ينفرد بالسلطة هو وزمرته .
لقد كان واضحا ان الانتخابات اذا ابطلت فان المجلس الجديد لا يمكن ان ينتخب الا بانتخابات حرة وسليمة وبذلك كانت نهاية الحزب الجمهوري وزمرة الخميني ، الامر الذي كان يعتبر نهاية النظام الحاكم ، وهنا اذكر للتاريخ هذه القصة التي توضح مدى تلاعب الخميني وزمرته بالانتخابات، لقد زارني الشيخ صادق الخلخالي المعروف بجلاد الثورة في البت وقال لي بلغني ترشيحك للمجلس النيابي وانا اريد ان اوجه اليك نصيحة ارجوك ان تأخذ بها .
قلت: ما هي نصيحتك ؟
قال: تحدث مع احمد حول الموضوع .
قلت: من هو احمد ؟
قال: ابن الامام .
قلت: ولماذا احمد ؟ كلامك نوع من الهراء
قال: انني قاضي الثورة وشخصية معروفة يعرفني العالم ، وعملت للخميني ما لم يستطيع احد ان يفعله من قبل ولا من بعد ، ولكن مع ذلك لم ارشح نفسي من ولاية قم الا بعد ان استئذنت من احمد .
قلت: ان ما اسمعه منك هو اهانة للثورة والانسانية معا ، كيف تتصور ان يقدم شعبا الاف التضحيات حتى يخلف الامير غلام رضا الامير احمد، من هو احمد ؟ ومن هو اباه ؟ والله لقد جئت شيئا ادّا .
قال الشيخ: سترى من هو احمد ، ومن هو اباه .