فهرس الكتاب

الصفحة 2915 من 3028

كل ذلك حدث داخل المقر الرئيسي لجمهورية الأرثوذكس بالعباسية ، ووقفت الشرطة حياله موقفًا سلبيًا لم نعهده منها في تاريخها المعاصر كله ، وكان عجيبًا كالخيال ، مخيفًا كالكابوس ، ونحن نرى ضباط الشرطة واقفون مستسلمون في أدب شديد ، يسمعون السباب برحابة صدر ، ويقرؤون لافتات استدعاء بوش وطلب النجدة من شارون بروح رياضية ، ويتلقون الحجارة على رؤوسهم برباطة جأش ، ويجمعون ضحاياهم من الضباط والعسكر بالتسليم والرضا الكاملين.

ولعلي أعذر الشرطة كثيرًا في هذا الموقف السلبي المبالغ فيه ، إذ كان من الخطأ الفاحش أن يواجهوا غضب شعب الجمهورية الأرثوذكسية الذين يطالبون بعودة وفاء إلى المسيحية ، بالأساليب نفسها التي يواجهون بها المجرمون المسلمون الذين يطالبون بتطبيق شرع الله فيهم وعليهم ، وكان من الشطط الأمني أن تتخذ الشرطة موقفًا غير الذي وقفته ، لأن غجر المهجر في أمريكا وكندا وأوربا واستراليا كانوا يتمنون لو تجرح الشرطة كلبًا من كلاب الكنيسة ، فما بالكم لو أن جرحًا أصاب متظاهرًا أو كاهنًا من الذين تركوا الرهبنة والتبتل والزهد والجوع في براري الأديرة والصوامع ، وجاءوا لنصرة إخوانهم في قلعة الجمهورية الأرثوذكسية بالعباسية ، وشد أزرهم في مواجهة جمهورية مصر العربية المعتدية عليهم ، إذ لو حدث أن كلبًا كان قد أصابه جرح في فناء الكنيسة أو خنزيرًا في حظيرتها ، لقامت الدنيا في العالم الصليبي كله متحدثة عن إرهاب حسني مبارك الذي قاد بنفسه حملة تطهير عرقية للقضاء على المسيحيين في مصر كلها ، ولا يتعجبن أحدًا من هذا القول ، ولا يحسبني ساذج أنني أبالغ فيه ، إذ أن غجر المهجر قالوه بالفعل لكن بأسلوب أكثر فجاجة ، وبعبارات دنية وقحة خسيسة، في حق مبارك ووزير الداخلية معًا.

ولا يعني هذا القول تبرئة الشرطة من هذا الموقف المشين الذي فضح ضعفها ومهانتها في معالجة الحدث ، لأن سؤالات مهمة طرحها الناس في الشارع المصري على قادة وزارة الداخلية:

ـ ما الذي أوقع الشرطة في هذا المأزق ؟

ـ ولماذا تستأسد على المسلمين ولديها إمكانية أن تكون حملًا وديعًا كما كانت مع شباب البابا شنودة ؟

ـ ولماذا كان شباب الكنيسة (الإرهابيين المجرمين المارقين المؤججين للفتنة المعلنين كفرهم بمصر وطنًا وشعبًا وتاريخًا) محل اهتمام كبيرهم الديني ، في الوقت الذي كانت فيه مهمة كبراء المسلمين قاصرة على بذل الجهد في إعادة وفاء قسطنطين للكفر .

لكن على العموم ، فقد انتهى الحدث وسقط من الذاكرة قبل أن تأتي الإجابة ، وما يسقط من الذاكرة لا بأس من إهماله كلية في أزمنة الطوارئ والمبادئ المتغيرة تبعًا للظروف ، باستثناء علامة الاستفهام الغائبة التي تدور حيث ندور ، تطاردنا أينما نكون:

ــ لماذا حدث كل ذلك عند إسلام وفاء قسطنطين وميري عبد الله ولم يحدث من قبل عندما أسلم المهندس سمير ابن شقيقة البابا شنودة ، وعندما أسلمت الحاجة إجلال قريبته ، وعندما أسلمت شقيقة الأسقف بيشوي (الذراع الأيمن للبابا شنودة) ، وعندما أسلمت ابنة أحد الصحفيين المسيحيين أصحاب الشهرة العريقة في عدائه للإسلام بمجلة روز اليوسف ؟

كما تحتوي ملفات الذين أسلموا ، أسماء العشرات بل المئات (دون مبالغة) لأبناء وبنات من الأسر المسيحية العريقة ، ومن القسس والكهنة وكبار رجال الكنيسة وزوجاتهم وبناتهم وشقيقاتهم وأكثر من ذلك ، وقريب من أيدينا ملفًا ضخمًا يحتوى على أكثر من ألف شهادة إشهار إسلام ، ورغم كل ذلك لم تقم مظاهرة واحدة ، ولم يجتمع شباب وفتيات وكهنة وقسس الكنيسة من كل فج عميق ليفضحوا عن حقيقة مشاعرهم العدائية تجاه عوام المسلمين وتجاه مصر كلها ، وقد أعلنوا بكل فجاجة أنهم باسم الرب يسوع على استعداد لحرق مصر كلها وأهلها في سبيل وفاء قسطنطين ، وطالبوا بدعم البروتستانتي الصهيوني جورج بوش ، واستجدوا حكم الفاشي النازي المتوحش شارون ، ليذلا المسلمين في مصر ، ويشفيا الغل الذي يملأ صدورهم كما ملأ صدر الراحل أنطون سيدهم من قبل وعبر عنه جهرة في مقالاته بصحيفة وطني العنصرية الصهيومسيحية ، فسقطت بذلك كله وغيره كثير ، أسطورة محبة يسوع الكاذبة ، وافتضحت سوءة الوداعة الكنسية المخادعة ، ورأينا الحمل الوديع كبشًا ينطح ويكسر ويدمر ويحرق .

ومن خيبة بعض المسلمين (كعادتهم على مدى التاريخ) أن الجاني لم يلتمس منهم لنفسه العفو ، ولم يعتذر لهم عن أفعاله الوقحة الدنيئة الخسيسة ، ولم يصرح ولو من باب المجاملة عن رغبته في وصف هذه الهمجية الكنسية بالحالة المفاجئة أو المشاعر الطارئة ، بينما نجد من المسلمين من تلمس الشفاعة للجاني المجرم ، وبحث له عن مبرر لجنايته ، وهيأ له من الأعذار ما جعله ضحية لا جاني ، ومقهور لا باغي ، ومستسلم لا معتدي ، بل ولا بأس أن تتطور هذه الرؤى الظالمة من بعض المسلمين ، لتحمل مضمونًا أكثر إيجابية للطرف المسيحي ، فتوجه الاتهام إلى المسلمين بأنهم السبب في هياج مشاعر المسيحيين ، لأنهم يجهرون بصلواتهم ، وصيامهم ، وحجهم ، ويتمشون في الشوارع مستغفرين ربهم ، ويطالبون حكامهم بتطبيق شرع الله فيهم .

ولا بأس أبدًا أن تقرأ وتسمع وتشاهد واحدًا من المسلمين وهو يطيب خاطرك ، ويطلب منك إغلاق المساجد باعتبارها بؤر للإرهاب ، وتعطيل مكبرات الصوت التي تزعج الناس عند كل أذان ، لأنها ليست في رقة أجراس الكنيسة ذات الأنغام المتنوعة ، فالأذان يؤرق بينما الأجراس تطرب ، وخطباء المساجد صوتهم جهوري ، بينما القسس في جوف الكنائس لا نسمع لهم صوتًا ، وإن سمعناه فهو تراتيل كالشدو وإنشاد بالموسيقى والألحان ، وهو في الحقيقة فحيح الثعابين.

ثم نعود إلى زينب ، ونقول أن خبر تنصيرها كان طعنة في ظهر المسلمين ، ليس لأن فتاة تنصرت ، فهذا أمر لا نجد فيه حرجًا للمسلمين في ظل الانتكاسة المزمنة لوزارتي الأزهر والأوقاف وتحولها إلى ألعوبة في يد أجهزة الأمن ، ولكن لأن الخبر جاء لإرضاء إرهاب الكنيسة ، ولتهدئة شبابها ، ولتفادي جنوحهم ، ولإطفاء ثورتهم ، فكانت لهم عودة وفاء ، وكانت لهم سرقة زينب ، أما المسلمين فكانت لهم صاعقة وقائع عودة وفاء تحت سطوة القوة والعنف والإرهاب ، وأخذلتهم سلبيتهم ، وقلة حيلتهم ، وهوانهم على حكومتهم وعلى أنفسهم ، وسوء صمتهم ، وهم يقرؤون خبر سرقة واحدة من بناتهم ، فكانت الحسرة حسرتان ، والمصيبة مصيبتان ، والكبيرة كبيرتان ، دون أن يعترض واحد منهم كبيرًا أو صغيرًا ، وقد ألجمهم الخوف والرعب من الشرطة التي طالما استأسدت عليهم وعلى آبائهم وأمهاتهم وأعراضهم ، فأورثتهم الخزي ، وأصبح الهوان من مكونات شخصياتهم ، فلم يجدوا مخرجًا إلا أن يكونوا أحد ثلاثة:

ــ أناس صامتون مستسلمون لا جمل لهم ولا ناقة فيما يدور حولهم أو يتعلق بشأن دينهم .

ــ أو أناس قد منحوا أنفسهم وظيفة عسكري أمن الدولة في رقابة المجتمع الذي يحوطهم ، فينصحون ذلك بمنع ابنه من ارتياد المسجد ، وينصحون هذا بمنع ابنه من إطلاق لحيته ، وينصحون ذلك بمنع ابنته من ارتداء النقاب ، ويرتفع صوتهم دفاعًا عن الوحدة الوطنية إذا ما ذكر عالم أو داعية آية قرآنية تتعلق بكفر من يقول بصلب المسيح عليه السلام ، أو درس علم حول نفي إلوهيته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت