فهرس الكتاب

الصفحة 2904 من 3028

ولتوضيح ذلك نكتفي بتقرير المستشار الأول للرئيس الأمريكي جونسون سنة 1964م، ومعلوم خضوع رؤساء أمريكا للضغط اليهودي، وهو يعطينا -بالإضافة إلى ما أشرنا إليه- لمحة عامة عن الخطة العلمانية في العالم الإسلامي وآثارها المجملة.

يقول التقرير:

(... يجب أن ندرك أن تلك الخلافات بين إسرائيل والعرب، لا تقوم بين دول أو شعوب بل تقوم بين حضارات) .

(لقد كان الحوار(الصراع) بين المسيحية والإسلام محتدمًا على الدوام منذ القرون الوسطى بصورة أو بأخرى! ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب، أي: خضعت الحضارة الإسلامية للحضارة الغربية، والتراث الإسلامي للتراث المسيحي! وتركت هذه السيطرة آثارها البعيدة في المجتمعات الإسلامية، حتى بعد انتهاء أشكالها السياسية، بحيث جعلت المواطن العربى يواجه معضلات ومشكلات هائلة وخطيرة، في السياسة والاجتماع والاقتصاد والعلم، لا يدري كيف يتفاعل معها في علاقاته الداخلية والخارجية على السواء).

(لقد تحرر حقًا من سيطرة الغرب السياسية لكنه لم يستطع التحرر من سيطرة الغرب الحضارية! إن ثروته البترولية تصنع وتسوق بالعقول الغربية والأساليب الغربية والآلة الغربية، إن الجيوش العربية التي هي مصدر غروره القومي تستعمل السلاح الغربي، وترتدي البزة الغربية بل وتسير على أنغام الموسيقى الغربية، حتى إن ثورته على الغرب مستمدة من المبادئ والقيم والمفاهيم الغربية التي تعلمها من الغرب، حتى أن معرفته بتاريخه وحضارته وتراثه تعزى إلى المثقفين الغربيين) .

(إن غلبة الحضارة الغربية في الشرق -وهي العدو القديم للحضارة الإسلامية- قد أورثت العربي المسلم الشعور بالضعة والمهانة والصغار أمام طغيان تلك الحضارة التي يمقتها ويحترمها في نفس الوقت) .

(لقد استطاعت بعض الدول الشرقية كتركيا وإيران تطوير علاقتها بالدول الغربية على أساس مصالحها القومية، لكن السياسة الغربية ما تزال تعيش على أحلام وأمجاد وأوهام الامبراطورية الإسلامية، التي كانت تقسم العالم إلى قسمين متعارضين متناقضين، يعادي أحدهما الأخر ويضمر له الشر هما:(دار الإسلام) -أي: الامبراطورية الإسلامية- ودار الحرب أي: أعداء تلك الامبراطورية على أساس الحديث (الكفر ملة واحدة) . [610]

وتجدر الإشارة إلى أن خطة العمل الموحد المشترك بين الصليبية واليهودية أصبحت لزامًا وواجبًا مشتركًا على كلا الطرفين بعد الموقف الصلب الذي واجه به السلطان عبد الحميد -رحمه الله- هرتزل ، إذ تعين بعدها أن القضاء على الخلافة الإسلامية ضروري لمصلحة الفريقين: النصارى الذين كانت دولهم الاستعمارية تتحين الفرصة للأخذ بثأر الحروب الصليبية، واليهود الذين أيقنوا أن فشلهم مع السلطان يستوجب التركيز على العالم الصليبي وتسخيره لمآربهم التلمودية، وبلغت الخطة ذروة التوحد بعد قرار المجمع المسكوني الذي ينص على تبرئة اليهود من دم المسيح -عليه السلام- والذي كان يهدف إلى محو كل أثر عدائي مسيحي لليهود، وبالتالي إيجاد كتلة يهودية نصرانية واحدة لمجابهة الإسلام [611] وإذا كانت العداوة لم تتغير ولم تتبدل فإن الخطة تغيرت كثيرًا.

الحروب الصليبية التي كان قوامها مجموعات من الأوباش والهمج، كانت خطتها عسكرية بحتة وهدفها تدمير الكيان الإسلامي بالقوة.

والحروب الصليبية الاستعمارية كانت خطتها تقوم على هدف القضاء على الإسلام، ولكن بواسطة احتلال أراضيه احتلالًا مباشرًا، والمستشرق (كيمون ) الذي كان يفكر بعقلية الحروب الصليبية يضع للعالم الغربي خطة لتدمير الإسلام يقول فيها:

(أعتقد أن من الواجب إبادة خمس المسلمين والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة، وتدمير الكعبة، ووضع قبر محمد وجثته في متحف اللوفر ) . [612]

والمبشر بالكراف يقول: (متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه) [613] .

ولعل هذا التفكير البربري يستمد دلالته من إنهاء الوجود الإسلامي في الأندلس ، ويطمع في أن يتكرر ذلك في المشرق.

ولكن كان هناك تفكير ذكي اتعظ بالهزائم العسكرية المتلاحقة التي مني بها الغرب، ونقب عن السر العظيم لصلابة المسلمين وانتفاضتهم المفاجئة، ووجد السر فعلًا إنه الإسلام نفسه ولا شيء سواه.

ووضع خطته الخبيثة بناءً على هذه النتيجة، خطة لا تقوم على إبادة المسلمين ولا على احتلال أراضيهم، وإنما تقوم على إبادة الإسلام نفسه واقتلاعه من نفوس أبنائه وضمائرهم، أو تقليص دائرته وعزله عن واقع الحياة.

وإذ تحول الصراع من حرب المسلمين إلى حرب العقيدة الإسلامية ذاتها؛ تغيرت ملامح وجوانب المعركة: لم يعد ميدانها الرئيسي الأرض، ولكنه الأدمغة، ولم تعد وسيلتها الوحيدة السيف بل الفكر، ولم تعد جيوشها الأساطيل والفرق ولكنها المؤسسات والمناهج بالدرجة الأولى.

وأكبر احتياطات هذه الحرب هو التكتم الشديد عن ذكر الإسلام، أو التصريح بعداوة المسلمين، ولتتخذ المعركة ما شاءت من أسماء وشعارات بعد ذلك، لتوصف بأنها معركة بين الشرق والغرب، أو بين اليمين واليسار، أو بين المصالح القومية ، ولتنعت بأي شيء عدا وصفها بأنها (دينية) ، لأن هذا الوصف جدير باستثارة الحمية الجهادية، واستثارتها تعني فشل الخطة برمتها، وتكرار مأساة حطين من جديد.

وأول من لفت أنظار العالم الغربي الصليبي إلى هذه الخطة هو القديس لويس ملك فرنسا ، وقائد الحملة الصليبية الثانية الذي هزم وأسر في المنصورة ، ثم افتدى نفسه وعاد إلى بلاده ليوصي بني ملته بنصيحته الغالية: يقول مؤرخو الغرب، وعلى رأسهم المؤرخ (جونفيل ) الذي رافق لويس التاسع: ( إن خلوته في معتقله بالمنصورة ، أتاحت له فرصة هادئة ليفكر بعمق في السياسية التي كان أجدر بالغرب أن يتبعها إزاء العرب المسلمين) .

فماذا ارتأى لويس بعد أن فكر وقدر؟

لقد كانت معالم سياسته الجديدة واتجاهاتها وأسسها على النحو التالي:

أولًا: تحويل الحملات الصليبية العسكرية إلى حملات صليبية سلمية تستهدف ذات الغرض، لا فرق بين الحملتين إلا من حيث نوع السلاح الذي يستخدم في المعركة.

ثانيًا: تجنيد المبشرين الغربيين في معركة سلمية لمحاربة تعاليم الإسلام ووقف انتشاره، ثم القضاء عليه معنويًا، واعتبار هؤلاء المبشرين في تلك المعارك جنودًا للغرب.

ثالثًا: العمل على استخدام مسيحيي الشرق في تنفيذ سياسة الغرب.

رابعًا: العمل على إنشاء قاعدة للغرب في قلب الشرق العربي، يتخذها الغرب نقطة ارتكاز له ومركزًا لقواته الحربية ولدعوته السياسية والدينية، ومنها يمكن حصار الإسلام والوثوب عليه كلما أتيحت الفرصة لمهاجمته.

(وقد عين لويس التاسع لإنشاء هذه القاعدة الأراضي الممتدة على ساحل البحر الأبيض من غزة حتى الإسكندرية ، وتشمل فلسطين والأردن والبلاد المقدسة ثم لبنان ...) [614] .

وقد قدر هذه النصيحة حفيده نابليون الذي أصدر عقب احتلاله لمصر بيانًا افتتحه ببسم الله الرحمن الرحيم وقال فيه:

(إن الفرنسيين أنصار النبي قد قهروا البابا، فرسان مالطة فليصدقنا المصريون إذا قلنا: إننا حقًا مسلمون.

إذا لم توافقوا على آرائي فاسمحوا لي على الأقل أن أتوسل إليكم حاميًا وصديقًا للإسلام، ولا يهمني أن تعترفوا بي مسلمًا حقيقيًا أو تنكروا وجودي بتاتًا فشعوري نحو عبيد الله لن يتغير) [615] .

بل حاول تشييد جامع كبير باسمه، وكان يرتدي العمامة ويحضر احتفالات المولد... إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت