فهرس الكتاب

الصفحة 2896 من 3028

وأمر الفاتيكان بإدخال اللغة العربية واللغات الشرقية الأخرى في مدارس الأديرة والكاتدرائيات، وعمل على إنشاء كراسٍ لهذه اللغات في الجامعات في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، وأصبحت جامعة باريس تشكل أهم مركز للدراسات العربية والشرقية.. واستعين بعدد من علماء اللاهوت وبعدد من المستشرقين اليهود ممن أجادوا تلك اللغات للقيام بتدريسها في تلك المدارس ولتولى تلك الكراسي في الجامعات..

ثم توسعت الدراسات الشرقية والعربية أكثر عندما أمر بابا الفاتيكان الخامس في أوائل القرن الرابع عشر بإنشاء كراسٍ للغات: العربية والعبرية والكلدانية في عدد من الجامعات الرئيسية في أوروبا وهي:

جامعة باريس، وأكسفورد، وبولونيا، وجامعة الفاتيكان نفسه مع تنصيب أستاذين لكل من هذه اللغات في كل كرسي، وتكليفهم بترجمة نصوص عربية وعبرية وكلدانية للرد على منتقدي الدين المسيحي.. [4]

كان أول ما اتجه إليه المستشرقون في دراستهم العربية: كتب الفلسفة والمنطق والرياضيات فترجموا كتب ابن رشد والغزالي وابن سينا وأرسطو ونحوهم ثم توجهوا إلى العناية بآداب اللغة العربية والحضارة الإسلامية، وإلى دراسة الإسلام نفسه..

وذلك حسبما يستجد من ظروف ومقتضيات، إذ أن الجامعات الأوروبية وقد كانت تحت السيطرة الكاملة للكنيسة تعتمد دراسة اللاهوت فحسب حتى أوائل العصر الصناعي فبدأت تهتم بالاختصاصات المختلفة تحت ضغوط النهضة الصناعية..

ولكن الذي لا ننساه أن الاستشراق بدأ من الفاتيكان، ورواد الاستشراق هم من رجال الكنيسة وعلماء اللاهوت وظلوا هم المشرفين على هذه الحركة المسيرين لها وكان هدفهم الدفاع عن الكنيسة ومواجهة الضغوط الشديدة المتزايدة من المفكرين المتمردين على سلطانها ممن فتحت الحضارة الإسلامية متنفسا لهم ومهدت لهم الفرصة للتفكير والنهوض..

ولذلك بدأت تلك الدراسات العربية ضيقة ومحدودة بحدود الأهداف التي أنشئت من أجلها، فكانت اللغة العربية تدرس كواحدة من اللغات السامية ولم تحظ باهتمام كاف كلغة لحضارة مستقلة كان لها تأثير كبير وفضل عظيم على أوروبا..

إلى أن فوجئت الدول الاستعمارية بالعالم الإسلامي يبدأ انتفاضاته من جديد بعد أن قضى قرونا طويلة يرزح تحت نير استعمارها البغيض.. فاضطرت مراكز الدراسات الإسلامية إلى أن توسع دائرة دراستها حسب مقتضيات الوضع الجديد..

دراسات المستشرقين للإسلام والعربية:

لو كان الأمر مقتصرا على مجرد الجمع واستيعاب المصادر والمعلومات والتنسيق والترتيب، فإن المستشرقين بلغوا في ذلك غاية كبرى من الدقة والإتقان، وليس ذلك ببدع في عالم الدراسات في أوروبا الذي تطورت وسائله وأساليبه بشكل كبير..

لكن المستشرقين يتدخلون بشخصياتهم وآرائهم وأهوائهم الخاصة فيفسرون الحوادث ويناقشون النصوص التشريعية، ويحللون قضايا اللغة العربية وشخصيات الحضارة الإسلامية،كل ذلك يدرسونه من وجهة نظرهم ويطلون عليه من نافذتهم الخاصة فيلقون عليه ظلالا معينة تغير معالم الصورة الأصلية، وفي غالب الأحيان تعطينا دراساتهم صورة غربية مشوهة لحضارة شرقية، وتقدم لنا الإسلام نفسه من خلال نظرة علمانية أو نصرانية هذا مع أنه توفرت للمستشرقين من الإمكانيات والعوامل المساعدة ما لم يتوفر لأحد، خاصة عندما بسطت أوروبا نفوذها وسيطرتها الاستعمارية على منطقة العالم الإسلامي وفتحت الأجواء فسيحة للمستشرقين يتجولون في المنطقة بحرية تامة ويعبثون بمصادر الثقافة فيها ومعالم الحضارة.

بل ويستولون على كثير من المخطوطات الثمينة التي تشكل بمجموعها صرح المكتبة الإسلامية الكبرى، فينهبون هذه المخطوطات وينقلونها إلى أوروبا..

حتى أضحى بإمكاننا أن نجزم أن 90% من المخطوطات الثمينة نهبت وانتقلت إلى الغرب إلى مكتبات وجامعات أوروبا وأمريكا، وذلك على أيدي المستشرقين الذين كانوا ينتقونها بخبرة ومعرفة دقيقتين.. ولولا تنبه حكومة الخلافة العثمانية في أواخر أيامها إلى هذه الخطة ومدى خطرها على تراث المسلمين فعمدت إلى نقل كمية كبيرة من تلك المخطوطات إلى تركية لجزمت بأن التراث كله نهب وانتقل إلى يد المستشرقين. ووضعت أوروبا النصرانية تحت يد المستشرقين كل الإمكانيات التي يحتاجونها للتعمق في دراساتهم للعالم الإسلامي واللغة العربية..

فكيف يصعب بعد ذلك على المستشرقين إن يبرزوا للعالم إنتاجا ضخما منسقا وغزيرا في مادته، إنها نتيجة طبيعية لتلك العوامل المساعدة والجهود المبذولة.. ولا نكون مجاملين لأحد عندما نقول إن دراسات المستشرقين أدت خدمات في مجالين:

1-استيعاب المصادر وجمع المعلومات بشكل واسع، وربما ساعدهم على ذلك اهتمامهم بالاختصاص والاختصاص الدقيق بحيث يقضي أحدهم فترة طويلة من عمره في بحث واحد يتفرغ له..

2-الترتيب والتنسيق في منهج البحث والتأليف، والإحصاء والفهرسة وعنايتهم بهما عناية كبيرة وكان ذلك شيئا جديدا على الدارسين في الفترة التي ظهرت فيها دراسات المستشرقين إلى عالم القراء..

وتنبهت الأوساط العلمية والدارسون في العالم الإسلامي إلى هذا المنهج المنسق الذي ظهر في دراسات المستشرقين فاستفادوا منه في بحوثهم ودراساتهم..

نعترف بهذه الخدمات التي أدتها دراسات المستشرقين مع أننا لا نتدخل الآن ولا نجزم بالنوايا والأهداف، وهل كان أداء هذه الخدمات مقصودا بإخلاص أم أن وراء الأكمة ما وراءها..

ندع ذلك لما سيأتي في آخر البحث حيث سنكشف حقيقة ذلك بشكل لا يدع مجالا للشك أو التردد..

إلا أننا نجد في دراسات المستشرقين عيوبا علمية عديدة تكشف لنا عوار تلك الدراسات بشكل تهبط معه قيمتها إلى درجة قريبة من الصفر!!

ولا نتجنى في الحكم ولا نجزم بغير دليل وكتب المستشرقين في متناول كل باحث بل هي أسرع انتشارا بيننا من كتبنا المعتمدة نفسها!!

1-من المتفق عليه بين الباحثين أنه لكي يصدر الباحث حكما صحيحا ودقيقا في أي قضية علمية أو تاريخية ينبغي أن تتوفر له أسباب عديدة أساسية:

فنظرته للإنسان يجب أن تكون نابعة من تصور سليم وفهم دقيق للنزعات والخصائص الإنسانية، ولكي يستطيع تفسير الحادثة التاريخية يجب أن يكون متفهما ليس لملابساتها فحسب بل لطبيعة الأمة التي تتعلق تلك الحادثة بتاريخها، ومتفهما للتاريخ كله التي تعد تلك الحادثة جزءا صغيرا من أجزاء بنائه المتكامل..

وعندما يناقض ثقافة أو شريعة ما ينبغي أن تصدر مناقشته عن تصور سليم كلي لخصائص تلك الثقافة ومميزات تلك الشريعة وأسسها وإلا فإنه يخلط بين الأشياء خلطا يفقد رأيه كل قيمته العلمية..

وكذلك الأدب تختلف فيه المقاييس والأذواق من أمة لأخرى، ولكل أمة لون من ألوان الفنون والآداب يكون مستحسنا لديها حسب أذواقها ومقاييسها وقد لا يكون كذلك في أذواق أمة أخرى ومقاييسها.. فلا يكون الحكم دقيقا ولا التحليل سليما إذا لم يتذوق الدارس لأدب أمة ما بذوقها هي أولا.. فإذا ما حاول الإنجليزي أن يحكم على الأدب العربي بذوق إنجليزي فإنه يخلط شعبان برمضان ولا يكون لدارسته الأدبية حينئذ أية قيمة علمية..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت