كان الحديث موصولًا عن البيانات الأخيرة التي صدرت عن بعض المثقّفين وخاصة الإسلاميّين ، وتطوّر هذا الخطاب لكي يتواصل مع النّخب الثقافيّة والفكريّة في الغرب، في أوربا، وفي أمريكا، كان مُفْتَتح الحديث عن البيان الأخير الذي تبناه موقع"الإسلام اليوم"، والموجّه أساسًا إلى المثقف الأمريكي، تحت شعار"معًا من أجل صيانة كرامة الإنسان"، وهو بيان وقّع عليه أكثر من مائة وسبعين مثقفًا عربيًّا، معظمهم من المملكة العربيّة السعوديّة، كان هناك إجماع على إيجابيّة مثل هذا البيان، وعلى أهميته أيضًا، وإنْ كان الأمر يحتاج إلى تدعيم للرّؤية والآليات التي يمكن عن طريقها الوصول إلى عقل وضمير المثقف الغربي عمومًا والأمريكي بشكل أخص، البيان الأخير أتى في سياق حركة متتالية على هذا الصعيد، لم يكن هو أولها ، كما أني أعتقد أنه لن يكون آخرها، ومن ثَمّ فنحن أمام"ظاهرة"جديدة ، لم تكن مألوفة من قبلُ عند المثقفين العرب ، والإسلاميّين بشكل خاص ، فلماذا كان هذا التحول الجديد نحو"الآخر"والبحث عن حوار أو جسور للتواصل معه؟ ، هل هو إدراك متأخّر من الجانب الإسلاميّ بحقيقة أنّ العالم أصبح قرية واحدة ، بالتفسير الصحيح والمتوازن لهذا المعنى؟ ، هل استطاع العقل العربيّ والإسلاميّ أن يتجاوز مرحلة الحديث وَفق مرسلات الشعر وجماليّات البلاغة اللّغوية عن الظواهر الإنسانيّة الجديدة ؟ ، لكي ينفذ إلى جوهر الحقيقة والواقع الجديد ويبدأ ـ من ثَمّ ـ في التفاعل معه ، والعمل وفق رؤية جديدة ، مدعّمًا بالعلم والحجة والمنطق وآليات العصر ، وليس وفق شاعريّة هائمة فارغة من أيّ جديّة ، أظنّ أنّ هذه البيانات مؤشّر شديد الوضوح على هذا التحوّل ، لقد كنا في غيبة عن إدراك أهميّة المجتمع الأهلي في العالم الغربي ، وتأثيره الحاسم في سياسات بلاده ، ومن ثَم ، في مسار الإنسانيّة كلها اليوم ، وعلى الرغم من وضوح التناقضات الكبيرة داخل المجتمع الغربي ، والتعدّديّة الفكريّة والقيميّة والضميريّة هناك ، إلا أننا كنا في غفلة عن إدراك أهميّة هذا المعنى ، ومن ثَمّ الغفلة عن إمكانيات التعامل مع هذه التناقضات وتوظيفها من أجل خدمة قضايانا العادلة ، ورفع الظلم عن المظلومين ، ونصرة المستضعفين . كنا نركّز على الجوانب الأكثر سلبيّة في هذا التناقض ، وفي حركات المجتمع المدنيّ ، مثل الدّعوات الإباحيّة ، والدّفاع عن الشّواذ ، ونحو ذلك ، وكان هذا الجانب يأخذنا بعيدًا عن تأمّل باقي اللّوحة وتناقضاتها ، لكي ندرك أنّ ما نختلف معهم فيه ربما كان هامشيًا بالنسبة إلى الأُطُر العامة الأوسع التي يمكن أن نتعاون فيها من أجل إنسانيّة الإنسان وأساسات حقوقه ، أيضا كنّا ، وما زلنا ، غير مدركين أنّ الصّورة التي تكونت عنّا ـ نحن المسلمين ـ داخل المجتمع الغربي مُشوّشة بالفعل وبدون تكلف من الإنسان البسيط أو المثقّف هناك ، فهناك أُمّية شديدة في معرفتهم بالإسلام والمسلمين والعالم الإسلاميّ والإنسان المسلم ، وهم غير مدركين لحقيقة عقيدتك وقيمك وأهدافك وتوجهاتك الإنسانيّة وطاقاتك الفكريّة والمعرفيّة ، هم يرونك وفق الصورة المشوّهة التي ترسخت هناك من إعلام غير نزيه وجماعات ضغط امتزج فيها الطائفي بالعنصري بالإرث التاريخيّ الكئيب ، واستغلّ أعداء الأمة ، وخاصة الصّهاينة مثل هذا المزيج ، لكي يعزّزوا من صورة العربيّ"الهمجيّ"عدوّ المرأة وعدوّ الحرية وعدوّ العدل وعدوّ الحضارة ... إلى آخره ، الصورة النمطيّة التي قرؤوها في عالم ألف ليلة وليلة ، أو من خلال الأفلام السينمائيّة ، فهم يرون العربيّ إما من صورة ذلك الشارد في صحراء الجزيرة العربيّة بعقاله وناقته وفهمه السطحي للدّنيا والحياة وكأنه قادم لتوّه من عشرة قرون خلت ، وإمّا من صورة الطّفل المصري البائس بزيه الصّعيدي ممسكًا بحماره يؤجّره للسائحين المتحضرين عند أهرامات الجيزة ، أو المغربيّ بزيه الفولكلوري وطربوشه الشهير يتزلّف إلى السائح الأبيض ويقدم له ما يشتهي ، وبالتالي فإن بعض المواقف غير العادلة التي نراها في العالم الغربيّ تجاه قضايانا هي انعكاس حقيقي لمشاعر وأفكار غير متكلّفة ، وتبقى مسؤوليتنا نحن المثقفين في أن نعالج هذا التشوّه في الصورة ، وهو إصلاح لا يمكن أن يحدث بين يوم وليلة ، لأنّه أصلًا لم يتشكّل بين يوم وليلة ، كما أنّه لا يمكن أن يقع إلا من خلال تعزيز جسور التواصل والحوار ، والبحث في آليات متنوعة لتحقيق هذا التواصل ، ومن هنا تأتي قيمة وأهمية مثل هذا البيان ، والذي يمكن اعتباره مرحلة تمهيديّة للحوار ، ونخطئ إذا تصورنا أنّه منتهى الطّموح وإبراء الذمّة من المسؤولية ، وذلك أنّ مثل هذا الحوار لا بد له من ترتيبات علميّة على مستوى عالٍ من الكفاءة ، ونحن في الحالة الإسلامية- و الحمد لله - نملك الكثير منها ، وأوّل هذه الترتيبات وأهمها هو ضرورة العمل وفق أسلوب مؤسسي ؛ لأنّ بنية المجتمع الغربي تقوم أساسًا على المؤسسيّة حتى في العمل الأهلي ، وعندما تتحاور مؤسسات فهو أوقع عندهم وأجدى وأنفع وأبقى أثرًا من الحوار (الفرداني) ، فمن المهم أن نرتّب من داخل مؤسساتنا الدّعوية مؤسّسات فرعيّة تكون مهمتها متابعة شؤون الحوار مع"الآخر"وتكون لها رؤاها وخططها ومشاريعها وأولوياتها وآلياتها، وقاعدة معلوماتها وخبراؤها ؛ لأنّ هذا هو الذي يُراكِم الخبرة ، ويحقّق الديمومة في العمل ، وهو مطلب شرعيّ أساسًا كما نعلم ـ وكما ورد في الحديث ـ"أحبّ الأعمال إلى الله أدومها .. وإنْ قلّ"، أيضًا لا بد من الانتباه إلى أن طبيعة هذا الحوار تجعله عملًا ثقافيًا في المقام الأول ، ودعويًّا بطبيعة الحال ، والأعمال ذات الطابع الثقافيّ إذا لم تنجح في تحقيق اختراق إعلاميّ مهم تبقى مجرد أحاديث سمر بين النّخبة الضيّقة ، في غرف معزولة عن الهواء الطلق وعموم المجتمع ، وغير قادرة على تحقيق الصدى والتوتّرات الذهنيّة والروحيّة التي تحرّك العقل والضّمير وتجذب الانتباه إلى أهميّة الطّرح الجديد، وبالتالي فلا بدّ من أن تكون هناك آليات مناسبة لتحقيق هذا الاختراق الإعلاميّ ، سواء في الدّاخل أو الخارج ، وهو أمر ليس بالصّعب أبدًا ، وذلك عن خبرة حقيقيّة ، ولكنّه يحتاج إلى نوع من الدَّأب والمثابرة وقاعدة معلومات متميزة عن الصّحف والإذاعات والمنتديات ومواقع الإنترنت وغيرها ، وكذلك قاعدة معلومات شخصيّة حول الأقلام الأكثر تأثيرًا مدعّمة ببيانات كاملة عن تاريخ الشخص واهتماماته وتحولاته الفكريّة وولاءاته السياسيّة والدينيّة والعرقيّة وغير ذلك ، ومن المهم للغاية الاعتماد في مثل هذا الباب على الخبرات الإعلاميّة الإسلاميّة ، ولا يجوز ترك الأمر للهُواة مهما كان حماسهم أو جدّيتهم ، فمثل هذه الأعمال لها طابع حرفيّ ومهنيّ .
بشكل عام ، هذا البيان وما سبقه خُطُوات إيجابيّة مباركة نحو هذا الهدف المنشود ، ولكن الأمر يحتاج إلى تدعيم الفكرة من خلال المتابعة ، ورصد ردود الأفعال ، والتجاوب معها ، وقد يكون من المفيد- مستقبلًا- الدّعوة إلى ندوات أو مؤتمرات"أهليّة"تُدعى فيها قطاعات من النّخب الغربيّة لاستكمال حِوار البيانات ، من خلال الحوار المباشر الصّريح ، وأعتقد أنّ هذه الوجهة لو نجحت وتعززت بالفكر المؤسسيّ فسوف يكون لها نتائج مدهشة على صعيد العلاقة بين العالم الإسلاميّ والعالم الغربيّ .