تقول هانتر:"فوجئ الغرب بهذه الظاهرة العارمة ظاهرة الصحوة الإسلامية، وراح يحللها بوسائله وتصوراته ليكتشف نقاط القوة والضعف فيها ومن ثم يعمل على مواجهتها"إذن من المهم أن تحدد الأسباب الأساسية للظاهرة الإسلامية وأبعادها المعادية للغرب وان تقوم في شكل صحيح وان يتم تبني السياسات الملائمة للتعامل معه مستقبل الإسلام والغرب لشيرين هانتر ص 99.
إن الصحوة الإسلامية في الأساس جاءت لترد على (التخلف، والتمزق، والعلمانية) ، ولتحقق العودة إلى الإسلام بكل مقتضياته. فالإسلام دين التقدم، يدعو إلى العلم بشتى، أنواعه، ويطلب من الأمة الإسلامية أن تحقق كل عناصر القوة، وان تبذل أقصى جهدها لتكون خير الأمم، ولتكون في الطليعة الحضارية للناس والتخلف حالة غير طبيعية مطلقًا.
والإسلام دين الوحدة الإسلامية، والتخطيط الإسلامي للوحدة واضح تمامًا، فالقانون واحد، والقائد واحد، والعواطف واحدة والشعارات والعبادات واحدة، وثروات الأمة هي ملك كل الأمة وقد جعلت لها قوامًا وقيامًا، وحقوق المسلمين جميعًا متكافئة لا بل قد يشترك كل المسلمين في بعض أنواع الملكية، والتكافل والتوازن في مستوى المعيشة شاملان لكل المسلمين، والمسلمون جميعًا مسؤولون عن مجموع الأمة وحدودها مسؤولية مشتركة.
أما الحالة الراهنة، والتبريرات التي تساق لها فهي كلها استثناءات يجب أن يعمل الجميع على حذفها في النهاية والعودة إلى واقع الإسلام. ولا نجد عالمًا أو حتى مجرد مطلع على حقيقة الإسلام يجادل في هذه الحقيقة الواضحة.
والإسلام دين الحياة فلا يمكن أن ينسجم مع العلمنة بأي تعريف جاءت، وأية صفة اتخذت ايجابية أم سلبية أما الاستناد إلى التجارب القائمة فهو مجرد خداع لأنها تجارب مفروضة على العالم الإسلامي ومتنافية مع حقيقة الإسلام جزء من مقال للدكتور عبد الله التركي.
وفي ظل هذا الدين الخاتم يمكن أن يلتقي البشر جميعًا على عبادة الله وحده، واتباع القيم الخلقية النبيلة في التعامل فيما بينهم، بما يحقق العدل ويحفظ مصالح الناس.
إن الصحوة الإسلامية إذن تدعو للتفوق الإسلامي الحضاري فلا ينبغي أن يثير ذلك حفيظة الآخرين إن كانوا يملكون الروح الرياضية الحضارية، وأنى لهذه الروح أن تسود.
أما عن عوامل هذه الصحوة فإننا نتصور هذه العوامل كما يلي:
أولًا: طاقات الإسلام الذاتية التي لا تفتأ تمد المسلمين بدوافع التغيير، وتشدد على الحفاظ على الهوية الحضارية بعد أن أعطتها معالمها الشاملة ، بل وتدفع دائما على الحفاظ على التفوق أو استعادته إذا فقد.
ثانيًا: اشتداد الحملة الأوربية على العالم الإسلامي بحيث استباح الغرب كل الثروات، واستعمر معظم البلاد، واعتدى على الهوية الثقافية، بل راح يهاجم المكونات العقائدية والأخلاقية، وينشر الرذائل، ويمزق النسيج الاجتماعي من خلال عملائه الحقيقيين أو الثقافيين، ويزرع الكيان الصهيوني الغاصب في قلب العالم الإسلامي. ولا ريب أن حملة من هذا القبيل سوف تواجه برد فعلٍ قوي من أمة يبقى الإسلام فيها حيًا ، رغم عمليات القضاء عليه.
ولعل الغرب شعر بهذه الحقيقة حين حاول التنفيس والاستعاضة عن ذلك بإعطاء الاستقلال الصوري لبعض المناطق الإسلامية. ولكن هذا العمل بنفسه وفر فرصةً لنمو الصحوة الإسلامية بشكل واسع و طرح الإحساس الإسلامي بالإسلام الشمولي في الستينات واتساعه بشكل مرعب للغرب في السبعينات والثمانيات.
ثالثًا: فشل كل الحلول والأطروحات البديلة للمقاومة والتغيير، لأنها كانت تحمل في داخلها عناصر فشلها. لقد فشلت الأطروحة القومية الضيقة رغم التطبيل والتزمير، ورغم نزولها المبكر إلى الساحة وتحقيقها الكثير من الأهداف الغربية ومسحها الكثير من السمات الإسلامية في تركيا وغيرها. ذلك لأنها لا تنسجم مع الطبيعة الإسلامية التي تتجاوز القوميات.
كما فشلت الاشتراكية لأنها اعتمدت على أسس الحادية رغم تمتعها ببعض الشعارات المنسجمة مع بعض التعاليم الإسلامية كالعدالة الاجتماعية والدفاع عن المحرومين ومعاداة الاستعمار.
وفشل الشكل التركيبي (الاشتراكي القومي) أيضا لأنه أيضا تركيب وهمي لا ينسجم مع الحس الإسلامي ولا يعبر عن أية إضافة معرفية.
رابعًا: ظهور شخصيات دعوية كبرى كان لها الأثر المتفاوت في إيجاد هذه الصحوة أو مقدماتها أو ترشيدها أو إعطائها طاقات حماسية وفكرية أو منحها الثقة بنفسها والأمل الواعد بمستقبلها الحتمي، إضافة للوعود الإلهية الحتمية بانتصار المؤمنين، والمستضعفين، وحلول العدل الشامل.
خامسًا: ويجب أن لا ننسى دور التطورات والحوادث الكبرى في إذكاء هذه الصحوة من قبيل:
1.تنامي مستوى وسائل الاتصال ، والحركة المعلوماتية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة
2..ارتفاع مستوى التعليم الإسلامي.
3.تطور أساليب الدعوة إلى الإسلام.
4.توفر بعض أجواء الحرية في العالم الإسلامي.
5.اشتداد حركة مقارعة الاستعمار.
6.قيام المؤسسات الدولية الإنسانية المدافعة عن حقوق الإنسان والداعية لتنظيم العلاقات الدولية على أسس إنسانية.
7.حدوث بعض الحوادث المروعة كإحراق المسجد الأقصى أو هزيمة عام 67.
8.انتصار المجاهدين الأفغان على الاتحاد السوفيتي.
9.انهيار الاتحاد السوفيتي وتحرر الدول الإسلامية.
وغير ذلك من التطورات التي ساهمت في اتساع الصحوة الإسلامية ونشر مفاهيمها ودعوتها في رفض التخلف والتمزق والعلمنة، والعودة إلى الحل الإسلامي الذي لا بديل له.
ومن الجدير بالإشارة هنا أن الغرب لم يأل جهدًا في إجهاض الصحوة، ومقابلتها ، وإلهائها واتهامها بشتى التهم من قبيل (التخلف والرجعية، والتطرف والأصولية، والعنف والإرهاب،) ولم يعدم من قدم له الذرائع من المسلمين ممن عرض فكرًا رجعيًا، أو سلك مسلكًا متطرفًا، أو عمل عملًا إرهابيا،. ولكن الواضح تمامًا أن هؤلاء لا يمثلون الاتجاه الإسلامي العام فضلًا عن أن يكون سلوكهم ممثلًا للصحوة الإسلامية أو معبرًا عن روح الإسلام وتعاليمه).
ولذا نلمح في الأفق السمات التالية:
أولًا: اتساع حركة الصحوة الإسلامية وتجذرها بحيث لا تنفع معها أساليب الحذف أو التحريف.
وإذا أردنا أن نستدل لهذا التوقع ، وتجاوزنا المسألة العقدية التي نؤمن بها دون أي شك، فانا نشير إلى مظاهر الصحوة التي تعم العالم الإسلامي من ارتفاع مستوى الأمل لدى جماهيرنا الإسلامية، وانتشار التقاليد الإسلامية كالحجاب وأنماط التعاون والعبادات انتشارا واسعًا، واتساع حركة المطالبة بتطبيق الشريعة في كل الحياة ، وتشكل المنظمات الإسلامية ودخولها إلى الساحة السياسية والاجتماعية بكل قوة، وانهزام الفكرة العلمانية مرحلة بعد مرحلة ، وزوال الأمل بغير الإسلام على الساحة الفلسطينية وأمثالها من ساحات المقاومة ، واتجاه النخبة والجماهير نحو ثقافة الوحدة والتقريب، والسعي الحثيث على كل المستويات لنبذ التخلف، وغير ذلك.
ثانيًا: اتجاه الدول الإسلامية نحو التعاون الأكبر، والعمل على وضع آليات جديدة لتفعيل المؤسسات الشمولية وإحساسها جميعًا بالخطر المشترك.
ولا نريد أن نكون متفائلين أكثر من اللزوم ولكننا ندرك هذه الرغبة لدى القسم الأكبر، ونرجو أن تتحقق خصوصًا وأن المسألة لم تعد بيد الحكومات وحدها فالعصر عصر الجماهير.