تلك الكلمة التي هي جوهر العقيدة النصرانية التي حُرفت عن تعاليم المسيح عيسى بن مريم البتول - عليه السلام: (نؤمن بإله واحد، وأب ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، كلّ ما يرى ولا يرى، وبرب واحد! يسوع المسيح ابن الله الوحيد! المولود من الأب قبل كلّ الدهور، نور من نور إله، حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر الذي به كان كلّ شيء، الذي من أصلنا نحن البشر، ومن أجل خلاص نفوسنا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس، ومن مريم العذراء، وتأنّّس(صار إنسانًا) وصلب في عهد (بيلاطس) النبطي، وتألّم، وقبر، وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب، وأيضًا أتى في مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء).
هذا هو جوهر الديانة الباطلة، التي أوّل من يتبرأ منها النبيّ الذي بشّر بخاتم النبيين محمّد - صلى الله عليه وسلم -، عيسى بن مريم - عليه السلام -..
مظاهر الاحتكاك بين الإسلام والغرب
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة
* د. شلتاغ عبود
لم تكن العلاقة بين الشرق والغرب على وئام طيلة مراحل الاحتكار بينهما قديمًا وحديثًا. وغالبًا ما كانت هذه العلاقة علاقة تصادم وتدافع. وكان نتيجة ذلك أن قامت بينهما حروب وصراعات تصير الغلبة فيها مرة للشرق وأخرى للغرب، وبقي الشرق شرقًا والغرب غربًا، ولم تكن الغلبة أو السيادة تامة لأحدهما على الآخر، على تفاوت في ارتفاع درجات الغلبة أو الخضوع في هذه المرحلة التاريخية من الصراع أو تلك إلى يومنا هذا.
وبعد انتقال المسيحية إلى الغرب ومجيء الإسلام صار الصراع صراعًا دينيًا، وإن غلب عليه العنصر السياسي أو الاقتصادي في بعض الأحيان. لقد بدأ الإسلام يتسع شرقًا وغربًا بسرعة مذهلة، وصار يهدد الروم في عقر ديارهم. وبعد أن فتح المسلمون الأندلس وصقلية، وصارت لهم أساطيل بحرية قوية تهدد الروم في حدودهم الجنوبية، أعدت أوربا المسيحية عدتها ووضعت الخطط الدفاعية على المدى القريب والهجومية على المدى البعيد، فكانت الحروب الصليبية، وكانت المرحلة الثانية من الصراع الدامي بين الإسلام والغرب.
ـ الحروب الصليبية:
للفكرة الصليبية مفهومان: الأول واسع وشامل، والثاني محدد بالحروب التي شنتها الكنيسة على العالم الإسلامي عام 489هـ ، 1095م، وانتهت بعد قرنين من الزمن 690هـ ، 1291م. والحروب الصليبية بمعناها الواسع هي التي أعلنتها المسيحية ضد مخالفيها من جميع الأديان والمذاهب باسم الصليب، وشملت المخالفين والمنشقين من المسيحيين أنفسهم. وهي ترجع في بداياتها إلى زمن الإمبراطور البيزنطي هرقل ما بين سنة 610 و 641م، حيث أعلنها حربًا صليبية ضد أعداء الدولة والكنيسة. وهذه الحرب ما هي إلا حلقة واحدة من حلقات الصراع بين الإسلام والغرب المسيحي ابتداءً من معركة مؤتة والمعارك التي خاضعها المسلمون في عصورهم الأولى حتى اليوم.
وترجع البدايات الأولى لهذه الحرب بمعناها المحدد إلى زمن البابا سليفستر الثاني الذي فكر في إشهار الحرب الصليبية عام 999م، ولكنه لم يجد إصغاءً من لدن الرهبان والملوك، وقد ترجمت هذه الفكرة إلى حيز الواقع زمن البابا أوربان الثاني عام 1095م، حين توفرت لها الظروف المناسبة والأشخاص المناسبون من أمثال بطرس الناسك الذي عاد من زيارة له إلى بيت المقدس وأوحى إلى البابا خرافة زيارة السيد المسيح له في المنام، وإعلامه بأن الوقت قد حان لإعلان الحرب المقدسة ضد الإسلام والمسلمين في الشرق.
ولم يعوز الباب وأصفياءه من رجال الكنيسة ورجال الإقطاع والملوك أن يبحثوا عن شتى الأسباب والمبررات لإعلان هذه الحرب. فقد أشاعوا بأن المسلمين يؤذون الحجاج المسيحيين الذاهبين إلى بيت المقدس من أوربا كما صوروا المسلمين بصور بشعة، واختلقوا القصص الغريبة عن أوضاع المسلمين وعن عدائهم للمسيحية والسيد المسيح بشكل خاص، مما ألهب مشاعر الخاصة والعامة، ودفعهم إلى الرحلة المقدسة من أجل إنقاذ قبر السيد المسيح من قبضة (( الأنجاس ) )المسلمين.
لقد أحيطت بدايات هذه الحرب بهالة من القداسة صاحبها حماس شديد ورغبة غامرة في الانتقام من الإسلام والمسلمين، فقد ألقى البابا موعظته الأولى في مجمع كلرمونت 1095م. بعد أن وزعت الصلبان على الحاضرين. وحث فيها النصارى على القتال، ووعدهم بأن يكون قتالهم بمثابة غفران كامل لذنوبهم، بالإضافة إلى إغراءات أخرى تتعلق بحفظ بيوتهم وممتلكاتهم أثناء رحلتهم.
اجتمعت أوربا على هدف واحد في هذه الحرب التي اشترك فيها النرمنديون والصقالبة والسكسون من إنكلترا وإمارات أسبانيا ودويلات إيطاليا والدولة البيزنطية بقيادة الملوك والرهبان، وبرعاية وتوجيه من الكنيسة التي كانت وراء كل المواقف المضادة للإسلام قبل الحروب الصليبية وبعدها.
وعلى الرغم من هذا الوجه الكنسي الديني للحرب، ولكن الباحثين يضيفون إليه الدافع الاقتصادي الذي كان وراءه البرجوازية الأوربية الناشئة، بل إن الصراع في وجوهه كلها صراع حضاري بين حضارتين وأسلوبين مختلفين في النظر إلى الكون والحياة، ولكنه من الصحيح أن يقال بأن واقع المسلمين المتردي آنذاك هو الذي شجع المسيحيين على التحرك والمبادرة. ففي الأندلس أخذت الحواضر الإسلامية تتساقط بيد الإمارات الأسبانية المجاورة، وفي المشرق والمغرب لم يكن العالم الإسلامي على وفاق ووحدة، بل كان الفاطميون يستقلون بالمغرب والعباسيون بالمشرق فضلًا عن الدويلات المستقلة الكثيرة في الهند وإيران وفي الأقطار العربية ذاتها. ولولا هذه التجزئة وهذا التشتت والضعف ما كان للمسيحين أن يتحركوا في البر أو البحر، لأنهم خبروا من قبل المسلمين وقوة شوكتهم في القتال يدفعهم في هذا روحية عالية في حب الاستشهاد ورغبة عميقة في نشر دعوة الحق في الأرض.
وعلى الرغم من الحشود الأوربية الهائلة التي بلغت حوالي ثلاثمائة ألف رجل، وعلى الرغم من أن عدد الحملات الصليبية بلغ السبع على فترات متقاربة شملت أرض الشام ومصر، ومع كل ما اقترفه الصليبيون من جرائم وقتل وتدمير فإنهم لم يستطيعوا الإحساس بالأمن والاستقرار في ديار الإسلام طيلة القرنين اللذين مكثوا فيها، فسرعان ما قيض الله لدينه وعباده مَن ينافح عنهما بروح جهادية مع قلة العدد إزاء الوجود الصليبي الذي شمل أمم أوربا كلها. وكانت هذه الشخصية هي شخصية صلاح الدين الأيوبي (الكردي الأصل) ، وكانت خيبة النصرانية كبيرة، وكانت هزيمتهم منكرة، وانتهت هذه المرحلة من الصراع بين الإسلام والغرب، في انتظار مرحلة قادمة بتصور جديد وأسلحة جديدة (وتلك الأيام نداولها بين الناس) ، كما سنلاحظ.
وقبل الحديث عن هذه المرحلة لابد من وقفة عند آثار الاحتكاك الغربي، وما أفاده الأوربيون من علاقاتهم بالإسلام سواء عن طريق الحرب أو التجارة أو الصناعة أو الثقافة والفكر.
ـ أثر الحضارة الإسلامية على حركة الحياة الأوربية:
لم تكن الحروب الصليبية ـ كما نعلم ـ أول احتكاك بين الإسلام والغرب، بل كان هناك هذا الاحتكاك منذ السنين الأولى من تاريخ الإسلام، عن طريق الفتوحات الإسلامية عبر الشام وعبر الشمال الأفريقي، ثم الأندلس وجزر البحر الأبيض المتوسط.