[4] بداية الحروب الصليبية سنة 489 هـ على يد متطوعين لتخليص القدس وكان رأسها بطرس الناسك، وكانت بدعوى من البابا إيربان الثاني، وفشلت هذه ولكن تلتها الحملة الأولى المنظمة بعد أعوام، وهذه هي التي سقطت فيها القدس سنة 493 هـ، وقد كانت تحت الحكم الفاطمي، وقادها الأمراء والإقطاعيون وجودفري هو الذي حكم القدس وقُتل فيها سبعون ألفًا وبلغ الدم داخل المسجد حتى قوائم الخيول.
ثم جاءت حملة ثالثة تصدى لها نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي القسيم ابن القسيم، انتهت هذه المرحلة بمعركة حطين 583 هـ في عهد صلاح الدين الأيوبي. ويمكن أن نقف على حقائق مهمة هناك:
[أ] انتزاع مصر من الفاطميين كان هو السبيل لاستنقاذ القدس من الصليبيين.
[ب] الاستقامة التامة علي الدين من القائد صلاح الدين، وهنا لابد من كلمة: لا عودة للقدس ولا دحر الصليبين إلا بـ (صلاح الدين!!) ، الاستقامة على نهج الكتاب والسنة، صلاح للدين ثم بصلاح الدين القائد.
[5] الحملات من سنة 1189 - 1270م حيث هزمهم خليل ابن قلاوون المملوكي، وهزمهم من العالم الإسلامي بسقوط عكا، وفي بعض الحملات أُسِر لويس التاسع عشر ملك فرنسا على يد الظاهر بيبرس المملوكي.
وفي هذه الفترة واجه العالم الإسلامي خطر التتار وسقوط الخلافة العباسية باتفاق مع البابا أنيوست.
عرفت هذه الحملات عند المؤرخين الإسلاميين كابن الجوزي وابن كثير وابن الأثير بـ (خروج الفرنجة) ، وعرفت عند النصارى بـ (الحج إلى الديار المقدسة) - (الحرب في خدمة المسيح) - (أعمال المسيحيين وراء البحر) .
آثار الحروب الصليبية الأولى:
[أ] المذابح العظيمة التي لحقت بالمسلمين: ففي الحملة الأولى أباد النصارى أهل أنطاكية وذبحوا أكثر من سبعين ألفًا، وبعد أن فتحها صلاح الدين عليه رحمة الله جاء ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا وفيليب ملك فرنسا وفردريك ملك ألمانيا لاستنقاذها، وفيها قتل قلب الأسد 2700 أسير في عكا.
[ب] تخريب كثير من بلاد الشرق الإسلامي كحمص وحماة وعسقلان وطبرية.
[ج] تشريد كثير من المسلمين من بيوتهم.
[د] مهدت الحروب الصليبية الأولى لحركات الاستعمار فيما بعد.
[6] غيَّر الصليبيون استراتيجياتهم لغزو العالم الإسلامي وهذه بدأت مع حركة الاكتشاف، والتي كانت ذات أبعاد عقدية، حيث مهّدت لما عرف بالاستعمار الأوربي، ومن أشهر هذه الرحلات رحلة (فاسكودى جاما) حيث قالوا:"الآن طوقنا رقبة العالم الإسلامي؛ فلم يبق إلا جذب الحبل فيخنق" [راجع حاضر العالم الإسلامي، د.جميل المصري] .
وحملت هذه الحملات الروح الصليبية وتمثلت في كل من هنري الملاح والبابا نيقولا الخامس الذي أصدر مرسوما بذلك.
وهذه المرحلة يمكن تسميتها بالهجمة الصليبية الاستعمارية الاستيطانية وهذه هي التي قال فيها اللورد اللنبي:"الآن انتهت الحروب الصليبية"،"وها قد عدنا ثانية يا صلاح الدين"قالها غورو، والتي كان من آثارها:
[أ] استنزاف موارد العالم الإسلامي.
[ب] جعله سوقًا لمنتجاته.
[ج] اضطهاد المسلمين.
[د] تقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات.
[هـ] التبعية الثقافية والسياسية للمستعمر.
[7] الاستعمار الجديد وذلك بخروج المستعمر وترك أذياله وآثاره، وفرض النمط الغربي، وهو ما عرف بمصطلح هيمنة العصر الأوربي، أو مصطلح التغريب، أو مصطلح النظام العالمي الجديد، وكذلك العولمة أخيرًا.
ملامح الحروب الصليبية اليوم:
الملمح الأول:
من السذاجة أن نظن أن الحروب الصليبية لا تقوم إلا على المواجهة العسكرية فقط، لأنّ من أخطر ملامح هذه المرحلة تدمير البنية العقدية التحتية للأمة، أو بمعنى آخر التصفية الروحية القيَميّة للأمة، أو بشكل آخر ما أسموه بتجفيف المنابع. وذلك لأن الحروب الأولى كما هو ملاحظ كانت تعتمد على التصفية الجسدية والموارد المادية أولا ولكن الحروب الحالية تقوم على التصفية الجسدية بعد التصفية الروحية.
أولًا: أهداف الحروب الصليبية اليوم (العولمة) :
[أ] استئصال شأفة الإسلام ومحوه من الوجود.
[ب] طمس الهوية الإسلامية وإضعاف التدين في المجتمعات, ولهم في ذلك وسائل كثيرة منها:
1.تدمير الأسرة وإشاعة الجنس وإفساد المجتمع عبر المرأة. اتفاقية سيداو ومؤتمر السكان في القاهرة ومؤتمر المرأة في بكين.
2.تسميم الآبار المعرفية لدى الأمة الإسلامية ونعني بذلك تخريب مناهج التعليم.
3.علمنة المجتمعات وعزل الدين عن الحياة ولابد من القول أنّ مَن أكبر شياطين وجنود العولمة والحرب الصليبية الحديثة, العلمانية باعتبارها طمسًا للهوية وإفراغًا للدين من محتواه الحقيقي.
4.نشر التنصير بالمناهج الباطلة وزرع المنظمات والهيئات المشبوهة كالماسونية وأذرعها والرافضة وروافدهم وما أشبه الليلة بالبارحة سقطت القدس في أيام العبيدية وسقطت القدس في أيام القومية والنصيرية. وسقطت الخلافة بمعاونة نصير الطوسي والوزير ابن العلقمي بعد دار الحكمة المشبوهة.
5.طمس الهوية ونشر فنون اللذة وصنوف الملاهي إضعافًا لروح المقاومة الإسلامية وتدميرًا للشباب وذلك عبر الإعلام المسموم.
[ج] من أهداف الحملة الصليبية العالمية اليوم تشكيك المسلمين في دينهم وتحييد الشعور المسلم والوجدان المؤمن، وذلك بزعزعة عقيدة الولاء والبراء وذلك إبعادًا للمسلم عن جوهر دينه وتضليلًا له عن مخططاتهم.
ثانياُ: وسائل الحرب الصليبية اليوم:
[أ] الحرب الإعلامية على الأمة الإسلامية عبر الآلة الإعلامية الضخمة، التي تدعو لتعظيم الذات الأجنبية واحتقار الذات الإسلامية ووصم المسلمين بالإرهاب (السادات مع اليهود - التتار في بغداد) مما أدى إلى الهزيمة لنفسية التي هي شر أنواع الهزائم.
[ب] الاقتصاد والهيمنة على اقتصاديات الدول المسلمة وتحويلها لإخضاعها وإغراق الحكومات في ديون وإلى غير ذلك من الحرب الاقتصادية وكل ذلك تحت مظلة نظام مالي دولي يتحكم في كل الشعوب (صندوق النقد الدولي, البنك الدولي للإنشاء والتعمير) .
[ج] الحرب السياسية على العالم: بزرع أنظمة تُقصي كتاب الله عن الحكم، وتنفِّذ سياسات أسيادهم ومع استغلال الكيانات العالمية السياسية لتجريد المسلمين والإسلام ومن ذلك الأمم المتحدة ومواقفها من الإسلام لا تحتاج إلى كثير بيان.
[د] العمل العسكري: ظن كثير من الناس أن استعمال السلاح قد انتهى مع الحروب الصليبية الأولى وأن تصفية الإسلام سيتم بطرق أخرى ولكن أبت الصليبية الحاقدة إلا أن تفرغ سمّها وتخرج حقدها الدفين. وقديما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم:"أنّ كل حروب الفرنجة مخالفة للمسيح عليه السلام الذي أمر بالتسامح ولم تكن في ديانته قتال جهاد, علم بهذا ضلال كل من قاتل باسم المسيح عليه السلام). وقد ذكر ابن القيم رحمه الله كلامًا مثله:"بأنّ شريعة موسى كانت شريعة جلال قائمة على المصادمة, وشريعة عيسى كانت شريعة جمال ليس فيها قتال وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم شريعة كمال جمعت بين الجلال والجمال كلٌ في موطنه"."
وقفات مع العمل العسكري:
[أ] ازدهرت تقنية السلاح العسكري والسؤال لمن يعده الغرب؟؟ ويأتي السؤال بريئا في ظل سلام عالمي وحرية عامة وديمقراطية سائدة وعولمة مهيمنة, فطالما الأمر كذلك هل توقفت صناعة الأسلحة واستحداثها؟؟ إذن هم يعدونها ليومها وللمسلمين.
[ب] إنّ الهدف من العمل العسكري هو إخضاع العالم الإسلامي وإرهابه وتخويفه بأسلحة الدمار الشامل والتلويح بالحل النووي.