الأصل في العلاقة بين أهل الإيمان رابطة الأخوة (إنما المؤمنون إخوة) [سورة الحجرات: 10] . ويُوالى المؤمن ويُعادى، ويُحب ويُبغض على قدر ما فيه من الإيمان والطاعة وضدهما.. فإن حدث ما يعكر صفاء هذا التآخي وجب الإسراع إلى إصلاحه ولو بقتال من بغى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) [سورة الحجرات: 9ــ10] ، إلى هذه الدرجة يكون الحرص على تماسك الصف الإسلامي، وفي الحديث: (( من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا ما كان ) ) (3) . وفي آخر: (( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ) ).
ومنع الإسلام من كل ما من شأنه يؤدي إلى التفرق والتنازع من الشحناء والبغضاء، والتنابز بالألقاب والسخرية واللمز، والغيبة والنميمة، وسوء الظن والتجسس والتحسس، والتدابر، وغير ذلك من المعاني المذمومة والأخلاق المرذولة (4) .
وحذر القرآن الكريم من الفرقة، وجعلها من العقوبات القدرية لمن خالف أمر الله، قال تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض) [سورة الأنعام: 65] .
وفي السنة: حديث ابن عمر قال: (( خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس، إني قمت فيكم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، فقال: أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليزم الجماعة ) ) (5) .
وحديث أبي الدرداء: (( ألا أخبركم بخير من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة ) ). قال الترمذي: ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين ) ) (6) .
ومن الحكم الموروثة قصة الأب الذي بيَّن لأبنائه أهمية اتحادهم وخطورة تفرقهم، حيث لم يستطيعوا تكسير العصي مجتمعة، فأنشأ يقول:
كونوا جميعًا يا بني إذا اعترى =خطب ولا تتفرقوا آحادا
تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرًا =وإذا افترقن تكسرت أفرادا
إن أعداء الإسلام يعرفون ــ وبدقة ــ مكامن الخطر في أمة الإسلام، ومن ذلك وحدتهم واجتماع كلمتهم، وتصافي قلوبهم، فيعملون على بذر الخلاف بين الأمة، لإضعاف الكلمة وتشتيت الجهود، وكسر الشوكة، وإيهان العزيمة. هذا شأنهم وهو ما يُتوقع منهم، وينسجم مع أهدافهم من العلو في الأرض والاستكبار فيها بغير الحق. لكن شأننا أن لا نعطيهم الفرصة، وأن نسد أمامهم الأبواب، ونردم دونهم الثغرات التي يتسللون من خلالها، فكيف إذا تحول الشأن إهمالًا وعدم مبالاة؟ بل الأدهي أن يمارس فعلَ الأعداء أبناء الجلدة واللسان والدين، فينوبونهم في أداء المهمة، ويحملون عنهم عبء المسئولية، فيبوؤون بالإثم، ويكتشحون بالعار.
آثار الافتراق
(1) الفشل وذهاب القوة: شمولية الفشل لمناحي الحياة، وهذا يعني موت الأمة بأسرها، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بذهاب الريح، حتى تعود الأمة أعدادًا بلا عدة، وأرقامًا بلا معنى، أي الحالة الغثائية التي لا تحافظ على موجود ولا تلوي على مطلوب، فتتداعى الأكلة إلى قصعة الأمة، فيطمع فيها كل قوي وضعيف، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
لقد عرف الخوارج عبر التاريخ بقوة العزيمة وشدة البطش، وعظيم الإخلاص لأفكارهم والتفاني لها، لكن مع ذلك كان يكثر بينهم الخلاف والنزاع لأتفه الأسباب، وكان هذا من عوامل هزائمهم المتكررة، وقد فطن لذلك المهلب بن أبي صفرة ــ الذي كان ترسًا للمسلمين منهم ــ فكان يبعث إليهم من يبث الخلاف بينهم لتفريقهم وإضعافهم، فيُكفى مؤنة حربهم وقتالهم (7) .
(2) زعزعة الثقة بالعلماء والحكام والأمة، بل بالإسلام ومناهج العاملين والداعين إليه، فقد جرت عادة الناس في الربط بين الداعي ودعوته نجاحًا وفشلًا. ومن ثم إتاحة الفرصة لظهور تيارات من التشكيك والدعوة للانسلاخ من الدين على نحو ما ظهر في أوربا المسيحية في مقدمات عصر النهضة، فانظر كم يجني أهل التنازع على الأمة ودينها ورسالتها!
(3) إتاحة الفرص لاحتواء بعض الرموز أو بعض الجماعات أو بعض الدول من قِبل أعداء الأمة والانفراد بها؛ إغراء وإغواء، على نحو ما حدث في محنة كعب بن مالك وقد هجره المسلمون فيمن هجروا من المتخلفين عن تبوك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي الله فيه وفي صاحبيه، فكتب إليه ــ وهو في هذه الحال العصيبة، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه ــ ملك غسان: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. قال كعب: فقلت حين قرأتها، وهذه أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها (8) .. إنها فتنة وبلاء وابتلاء لا يقوى عليه إلا الموفقون، ومن كان في ثبات كعب بن مالك وإيمانه، وقليل ماهم. ومن هنا يبرز مغزى قوله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد (9) .
(4) انتزاع البركة من الأفراد والجماعة ومن الأمة بأسرها، وتركها لنفسها، تصديقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله لا يجمع أمتي أو قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ إلى النار ) ) (10) .
(5) من آثار الافتراق: التخاذل المتبادل بين أفراد الأمة وجماعاتها ودولها وحكوماتها، وأن يُسلم بعضهم بعضًا إلى الأعداء والفتن، بل والتحرش بهم، وتهييج الأعداء عليهم؛ نكاية ووشاية وشماتة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يُسلمه.. ) ).
(6) الافتراق والتعادي يؤكد ما يقوله المستشرقون أن العالم الإسلامي لم ينعم بالهدوء إلا صدرًا من جيل الخلافة الراشدة، وبعدها تعرضت دولة الإسلام إلى النزاعات والصراعات الداخلية التي لم تنقطع، وربما ربطوا ذلك ــ ظلمًا وزورًا ــ بطبيعة الدين نفسه، وقد اشتهرت صراعاتنا السياسية على كافة المنابر وعلى الملأ حتى شاعت مقولة: اتفق العرب على أن لا يتفقوا، والعرب رحى الإسلام ومصدر قوته..
(7) الافتراق والتعادي يحرم الأمة من محاسن الاختلاف، وهو ما يعبر عنه باختلاف التنوع، وهو ثروة علمية ضخمة تميز بها التراث الفقهي الإسلامي، تدل على قوة إبداع، وعمق تفكير، وتوفر مساحة واسعة ومتنوعة من الآراء والاجتهادات تستفيد منها الأمة في مواجهة مستجدات الحياة المعاصرة، وتنوعها، وتفاوتها من بلد إلى بلد، ومن بيئة إلى بيئة، ولقد اشتهر عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قوله:"ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لكان الناس في شدة، فلما اختلفوا كان الناس في سعة" (11) .
(8) التنازع والتفرق يصيب البعض بالإحباط والتثبيط فينزوي بعيدا، وينكفئ على نفسه مؤثرًا السلامة كما تزيِّن له نفسه، فتُحرم الأمة من خيره وجهده وإضافاته، وربما كان أسوة سيئة، ونموذجًا سلبيًا لغيره، فيقوى تيار الانعزال والانزواء، فتجمد حركة الأمة، ويضعف رصيدها في مجال الإبداع والتقدم.