وهو بسبب ما كان من استئثار بعض الحكام بجهته أو مدينته، ورضاه بها عن الاجتماع الإسلامي، والأدهى من ذلك والأمرّ أن صار بعض الحكام يكيد للآخر، ويرضى أن يخدش دينه بمعاونة الكافرين على أخيه المسلم، وهذا من المصائب والدواهي التي ابتليت بها الأمة الإسلامية منذ تسعة قرون إلى الآن، والأمثلة على ذلك كثيرة لا تكاد تنتهي، لكن أجتزئ منها قديمًا ما حصل في الأندلس، وهو الذي بأيدينا فقدناه، وبمعاصينا نكبناه، والحديث فيما حصل فيه من فرقة بين حكامه يطول لكن قد يسأل سائل:
ألم يكن هناك دعاة لدين الله تعالى يحذرون الحكام المسلمين من الخلاف وينبهونهم إلى ما سيحل من العقاب؟ وهذا سؤال في محله، والجواب: بلى كان هناك دعاة إلى الاجتماع والاتحاد ولكن الحكام لم يكونوا متعاطفين مع تلك الدعوة؛ لأن معناها التنازل عما هم فيه من الترف والنعيم والتسليم لخليفة واحد لا يرضونه ولا يريدون حكمه.. هذا مع ما جُبلت عليه نفوسهم من حب المعاصي والخيانة وتذبذب الولاء والبراء.
وفي تاريخنا الإسلامي مثل مضيء لداعية من الدعاة لم يعجبه موقف الحكام الأندلسيين من سكوتهم على الخطر المنذر بالنهاية فـ"رفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة لصلة ما انبتّ ( [36] ) من تلك الأسباب، فقام مقام مؤمن آل فرعون لو صادف أسماعًا واعية، بل نفخ في عظام ناخرة، وعطف على أطلال داثرة، بيد أنه ( [37] ) كلما وفد على ملك منهم في ظاهر أمره لقيه بالترحيب، وأجزل حظه في التأنيس والتقريب، وهو في الباطن يستجهل نزعته، ويستثقل طلعته، وما كان أفطن الفقيه رحمه الله بأمورهم، وأعلمه بتدبيرهم، لكنه كان يرجو حالًا تثوب ( [38] ) ومذنبًا يتوب" ( [39] ) .
كان هذا الفقيه هو أبا الوليد الباجي رحمه الله تعالى، ولكنه كما قال المقري:"لم يفد شيئًا، فالله تعالى يجازيه عن نيته" ( [40] ) ، واستمر رحمه الله تعالى في دعوته تلك ثلاث عشرة سنة حتى"توفي بالمرية سنة 474، وكان جاء إلى المرية سفيرًا بين رؤساء الأندلس يؤلفهم على نصرة الإسلام ويروم جمع كلمتهم مع جنود ملك المغرب المرابطين على ذلك فتوفي قبل تمام غرضه رحمه الله" ( [41] ) .
ولم يكن في الساحة وحده رحمه الله تعالى بل كان معه نجوم هو شمسهم منهم أبو حيان، وأبو الحزم جَهْور بن محمد بن جهور، وابن حزم، والإلبيري، والعسال الطليطلي، وابن عبد البر، كل هؤلاء شاركوا في جهود الإنقاذ والدعوة إلى الاتحاد والحذر من الخطر القائم، شاركوا بشعرهم وكتابتهم ودروسهم ( [42] ) .
لكن كل ذلك لم يُفد، واجتاحت النصارى بلاد الأندلس بلدًا بلدًا، والأمثلة على المآسي المترتبة على ما حصل من فرقة أكثر من أن تحصر لكن ليسمح لي القارئ بإيراد بعض الأمثلة التي تؤذي القلوب وتُهْمي العيون لكن لا بد حتى تُعرف المأساة المترتبة على الافتراق من ضياع الأوطان بل الدين والعياذ بالله:
(1) بعد أخذ النصارى ــ لعنهم الله ــ طليطلة، شرعوا في تغيير الجامع إلى كنيسة بعد شهرين مع أن نصوص تسليم المدينة قد نُص فيها على"أن يحتفظ المسلمون إلى الأبد بمسجدهم الجامع"، ولما ذهب النصارى إلى الجامع لم يجدوا فيه إلا"الشيخ الأستاذ المغامي آخر من صدر عنه، واعتمده في ذلك اليوم ليتزود منه.. وبين يديه أحد تلامذته يقرأ، فكلما قالوا له: عجل، أشار هو إلى تلميذه بأن أكمل، ثم قام ما طاش ولا تهيب، فسجد فيه واقترب، وبكى عليه مليًا وانتحب، والنصارى يعظمون شأنه ويهابون مكانه، لم تمتد إليه يد، ولا عرض له بمكروه أحد" ( [43] ) .
(2) وبعد سقوط بَرْبَشْتْرُ قدر عدد الأسرى والقتلى ما بين خمسين إلى مائة ألف شخص،"وحصل للعدو من الأموال والأمتعة ما لا يحصى، حتى إن الذي خص بعض مقدمي العدو، هو قائد خيل رومة، نحو ألف وخمسمائة جارية أبكارًا، ومن أوقار ( [44] ) الأمتعة والحلي والكسوة خمسمائة جمل، واقتسم الفرنجة الناس وأخذ كل واحد منهم دارًا بمن فيها من أهلها، وكان الفرنج ــ لعنهم الله تعالى ــ يفتضون البكر بحضرة أبيها، والثيب بعين زوجها وأهلها، وجرى من هذه الأحوال ما لم يشهد المسلمون مثله قط فيما مضى من الزمان، ومن لم يرض منهم أن يفعل ذلك في خادم أو ذات مهنة أعطاهن خدمه وغلمانه يعيثون فيهن عَيْثة، وبلغ الكفرة منهم يومئذ ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة، ولما عزم ملك الروم على القفول إلى بلده تخير من بنات المسلمين الجواري الأبكار والثيبات ذوات الجمال ومن صبيانهم الحسان ألوفًا عدة حملهم معه ليهديهم إلى من هم فوقهم" ( [45] ) .
وأورد ابن حيان ــ رحمه الله تعالى ــ قصة تبكي القارئ وتذهل العاقل، وحاصلها أن تاجرًا من تجار اليهود جاء بربشتر ليفتدي بعض بنات ذوي الوجوه المسلمين ممن نجين من الحادثة، وكن تلك البنات قد وقعن في سهم رجل من النصارى يعرفه، فقال:
"فهديت إلى منزله فيها، واستأذنت عليه فوجدته جالسًا مكان رب الدار، مستويًا على فراشه، رافلًا في نفيس ثيابه، والمجلس والسرير كما خلفهما ربهما يوم محنته لم يغير شيئًا من رياشهما وزينتهما، ووصائفه مضمومات الشعور، قائمات على رأسه، ساعيات في خدمته، فرحب بي وسألني عن قصدي.. فأشرت إلى وفور ما أبذله في بعض اللواتي على رأسه وفيهن كانت حاجتي، فتبسم وقال بلسانه: ما أسرع ما طمعت فيما عرضناه لك، أعرض عمن هنا وتعرَّض لمن شئت ممن صيرته لحصني من سبيي وأسراي أُقارِبْك فيمن شئت منهم."
فقلت له: أما الدخول إلى الحصن فلا رأي لي فيه، وبقربك أنست، وفي كنفك اطمأننت، فسُمْني ببعض من هنا فإني أصير إلى رغبتك.
فقال: وما عندك؟ قلت: العين الكثير الطيب، والبَزّ الرفيع الغريب، فقال، كأنك تشهيني ما ليس عندي،يا مَجّة، ينادي بعض أولئك الوصائف، يريد"يا بهجة"فغيَّره بعجمته، قومي فاعرضي عليه ما في ذلك الصندوق، فقامت إليه وأقبلت بِبَدَر ( [46] ) الدنانير وأكياس الدراهم وأسفاط الحلي، فكُشف وجعل بين يدي العلج ( [47] ) حتى كادت تواري شخصه، ثم قال لها: أدني إلينا من تلك التخوت، فأدنت منه عدة من قطع الوشي والخز والديباج الفاخر مما حار له ناظري وبهت، واسترذلت ما عندي.
ثم قال لي: لقد كثر هذا عندي حتى ما ألذ به، ثم حلف بإلهه أنه لو لم يكن عنده شيء من هذا ثم بذل له بأجمعه في ثمن تلك ما سخت بها يداه، فهي ابنة صاحب المنزل، وله حسب في قومه، اصطفيتها لمزيد جمالها لولادتي حسبما كان قومها يصنعون بنسائنا نحن أيام دولتهم، وقد رُدّ لنا الكرة عليهم فصرنا فيما تراه، وأزيدك بأن تلك الخودة الناعمة ( [48] ) ــ وأشار إلى جارية أخرى قائمة إلى ناحية أخرى ــ مغنية والدها التي كانت تشدو له على نشواته إلى أن أيقظناه من نوماته، يافلانة، يناديها بلكنته، خذي عودك فغني زائرنا بشجوك.
قال: فأخذت العود، وقعدت تسويه وإني لأتأمل دمعها يقطر على خدها، فتسارق العلج مسحه واندفعت تغني بشعر ما فهمته أنا فضلًا عن العلج، فصار من الغريب أن أظهر الطرب منه، فلما يئست مما عنده قمت منطلقًا عنه، وارتدت لتجارتي سواه، واطلعت لكثرة ما لدى القوم من السبي والمغنم على ما طال عجبي به" ( [49] ) ."
وكفى بهذه القصة دليلًا على ما أصاب المسلمين من الذل، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
يا غافلًا وله في الدهر موعظة
إن كنت في سِنة فالدهر يقظان
وماشيًا مرحًا يلهيه موطنه
أبعد حمص ( [50] ) تغر المرء أوطان
تلك المصيبة أنست ما تقدمها
ومالها مع طول الدهر نسيان
ياراكبين عتاق الخيل ضامرة
كأنها في مجال السبق عقْبان ( [51] )
وحاملين سيوف الهند مرهفة
كأنها في ظلام النقع نيران